مرايا الضمير:ماذا نريد؟ د.ياسين احمد خلف يحيى اوغلو*

ماذا نريد؟
قد يبدو السؤال بسيطاً، لكن الإجابة عنه تقودنا إلى أسئلة أكثر عمقاً
ماذا نريد؟
ولماذا نريد؟
ومن الذي يريد؟
ومن الذي يملك حق أن يصرّ على إرادته؟
وهل تكفي القدرة على فرض الإرادة لكي تصبح حقاً؟
ثم يأتي السؤال الأكثر إثارة للقلق:
كيف يمكن أن يتحول اللامرغوب إلى هدف، وما لا نريده إلى واقع مفروض علينا؟
هل كل ما يُفرض علينا يصبح قانوناً؟
ومن يملك حق إصدار القوانين؟
وهل يستطيع من لا يملك هذا الحق أن يمنح نفسه صلاحية إصدار ما يشاء من الأوامر والقرارات؟
القانون ليس مجرد نص يُكتب، والسلطة ليست مجرد قدرة على الفرض.
فالقانون يستمد قيمته من شرعيته، والسلطة تستمد مشروعيتها من حدودها ومسؤوليتها تجاه الإنسان.
لكن ماذا يحدث عندما يعتقد البعض ان امتلاك القوة يمنحهم الحق ان يعملوا كل شيء ؟
عندما تتحول القوة إلى حق، والقدرة إلى صلاحية، والإرادة الشخصية إلى إرادة تُفرض على الآخرين؟
هنا لا يعود السؤال متعلقاً بمن يملك القوة فقط، وإنما:
من أعطاه الحق؟
فليس كل من يستطيع أن يفعل شيئاً يملك الحق في فعله.
وليس كل واقع مفروض علينا واقعاً مشروعاً.
وليس كل ما اعتدنا عليه يصبح صحيحاً لمجرد أننا اعتدنا عليه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن تُفرض عليه إرادة غيره فحسب، وإنما أن يعتاد هذه الإرادة حتى يتوقف عن السؤال.
أن يتحول المفروض إلى طبيعي.
والاستثناء إلى قاعدة.
واللامقبول إلى مقبول.
ثم يصبح السؤال نفسه أمراً غير مرغوب فيه.
وهنا نصل إلى سؤال آخر أكثر عمقاً:
هل فقدت قوانين الحياة قيمتها، أم أننا نحن الذين سمحنا للقوة أن تتقدم عليها؟
فالحرية، والكرامة، والعدالة، وحق الاختيار، ليست شعارات تُستخدم عندما تخدمنا ثم تُهمل عندما تتعارض مع رغباتنا.
إنها قيم تجعل الإنسان إنساناً.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال:
من يفرض إرادته علينا؟
بل:
لماذا سمحنا لإرادة غيرنا أن تتحول إلى إرادتنا؟
وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.
فمواجهة الإرادة المفروضة بإرادة مفروضة أخرى لا تصنع حلاً، وإنما تعيد إنتاج المشكلة.
أما الحل، فربما يبدأ من شيء يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة شديد القوة:
أن نستعيد حقنا في السؤال.
ماذا نريد؟
ولماذا نريد؟
ومن يقرر؟
وبأي حق؟
وأين تنتهي سلطة الآخر وتبدأ حريتنا؟
فما دام الإنسان قادراً على أن يسأل، فهو لم يفقد حريته كاملة.
وما دام قادراً على أن يقول: لماذا؟
فإن في داخله شيئاً لم تستطع القوة أن تستعبده.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأخير:
ما الحل؟
بل السؤال الذي يسبق الحل:
هل ما زال الإنسان يملك الشجاعة ليسال ؟
اكاديمي عراقي مغترب شاعر واديب*





