غواية الملامح السمراء.. كيف يعيد البُن صياغة قلقنا الوجودي؟علي نفنوف /دبي

مُذ صار فنجان القهوة… طقسٌ أبداعي
القهوة .. يا لهذا السر الأسمر الذ لم يكن مجرد شراب يُسكب في الفناجين، كان بحثاً دؤوباً في جغرافيا الروح. حين التقط الراعي “كالدي” تلك الحبات في أقاصي إثيوبيا، وحين صاغ المتصوفة في اليمن طقوس وجدهم الليلي لتقربهم من السهر الطويل؛ لم يكونوا يصنعون مزاجاً عابراً، كانوا يثبّتون وتداً في معطف الوقت الضائع
امااليوم، يستهلك البشر في طقوسهم اليومية نحو مليارين ومائتين وخمسين مليون فنجان من القهوة حول العالم وفقاً لإحصاءات شركة «ستاتيستا» العالمية.
القهوة سيرة ذاتية للوعي:
إنها الحبر السري الذي كتب به الإنسان الحديث أولى ملاحم قلقه الوجودي.
لكن هذا الكائن الأسمر النبيل، الذي يسكن تفاصيل يومنا كما تسكن التفاصيل والمدن الهاربة في عمق الذاكرة، يحمل في عتمته سراً مثل سر الإغواء الذي يقود إلى الفناء. فالتاريخ يروي بمداد من دهشة، كيف تحولت العتمة المصفّاة في الفنجان إلى مشنقة اختيارية للمبدعين والعباقرة الذين لم يكتفوا بفنجان أو اثنين لمقاومة النوم ومواصلة الإنتاج، انما استسلموا لغواية البُن بلا كوابح.
إنها المفارقة الصارخة: كيف يتحول ما يمنحنا اليقظة إلى منوم أبدي؟ الكاتب الفرنسي “هونوري ده بالزاك” لم يكن يشرب القهوة ليتذوقها، كان يلتهمها كمادة خام لترميم جدار الوقت الهارب، فوصل إدمانه إلى حد شرب 50 فنجاناً في اليوم .. كانت تلك الجرعات وقوداً لبناء “الكوميديا الإنسانية”، لكنها كانت أيضاً معولاً يهدم بصمت جدران جسده، حيث تسبب له الكافيين المفرط بفشل حاد في عضلة القلب والكلى.
ثم مات بالزاك في الحادية والخمسين، مسحوقاً تحت عجلات قطار الإدمان القاتل، ليثبت أن الشغف حين يتجاوز تخوم العقل يصبح انتحاراً مقدساً.
ولم يكن الفيلسوف الفرنسي فولتير بأقل منه جموحاً؛ إذ كان يخلط قهوته بالشوكولاتة الفاخرة متجرعاً نحو 40 إلى 50 كوباً يومياً، ضارباً بتحذيرات أطبائه عرض الحائط، ليجعل من الكافيين مختبراً لإنتاج أفكار التنوير التي هزت عروش أوروبا القديمة
أما الموسيقار يوهان سيباستيان باخ، فقد وجد في هذا الإدمان صخباً جميلاً دفعه لتأليف مقطوعته الساخرة “كانتاتا القهوة”، ليصنع من فنجانه نوطة موسيقية تتهكم على مخاوف المجتمع من هذا الشراب الساحر.
وفي زاوية أخرى من هذا الهوس، تجد هندسة الدقة لدى لودفيغ فان بيتهوفن، الذي لم يترك لقهوته مجالاً للصدفة؛ إذ كان يفرز بيديه 60 حبة بن لكل فنجان دون زيادة أو نقصان، وكأن صياغة السيمفونية التاسعة كانت تبدأ أولاً من حسابات حبات البُن المنعزلة. بينما مضى الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور وراء طقس غريب ومرير؛ فكان يكوم السكر في فنجانه كأهرامات بيضاء شاهقة، ثم يسكب فوقها القهوة السوداء شديدة التركيز لتذيبها ببطء، غارقاً في طقس وجودي يربط بين حلاوة السكر وقسوة الأسئلة.
حتى القادة العسكريين لم يفلتوا من هذه المصيدة؛ فقد قاد نابليون بونابرت حروبه الشرسة مستنداً إلى القهوة السوداء لمد جسده بالطاقة، وحين حان أجله وهو في فراش الموت بسنت هيلانة، كانت وصيته الأخيرة واضحة كمروق رصاصة: “أريد ملعقة من القهوة”، ليُظهر تشريح جثته لاحقاً بقايا البُن الراقد في أحشائه كشاهد أخير على شغفه.
القهوة كالفن؛ لا تحتمل المباشرة ولا تقبل الهوامش الفائضة. لذا، فإن إفساد وجهها الأسمر بالحليب أو السكر، أشبه بوضع رتوش بليدة على لوحة تجريدية تضج بالعمق. القهوة يجب أن تُحتسى في عتمتها الأولى، ممرّرة فوق جمر الأسئلة، لنستشعر من خلال مرارتها معنى السقوط والنجاة في آن معاً.
هي رحلة مستمرة عما وراء الظاهر والمألوف؛ نبدأها برشفة باحثة عن الجمال، وقد ننتهي منها بقلب منهك شرب من البُن… حتى استنزفه القتل.
ربما انا ككاتب وكفنان تشكيلي بريء من تهمه القهوه ومن هذه الطقوس
ولا ارى فنجان القهوه هو وسيله او سلطه من سلطات الابداع ان تاريخ الحزن وسنوات القهر هي التي تكتب وهي التي ترسم وربما لان الصوره النمطيه للمبدع ارتبطت بفنجان القهوه وهذا محال ان تصور الزمن والسنين الأوجاع لذلك ذهب بعضهم الى طقوس القهوه التي لا اجيدها ابدا كوثيقه اثبات على انني أفكر



