📰 آخر الأخبار
البوابة رقم ١٢/بلدوميرو ليلو-ترجمة :ماهر البطوطيالرجل المعلَّب/أنطون تشيخوف-ترجمة أبو بكر يوسفالكاتب المبدع وثورة الناقد: بين سُلطة الحكم النقدي وعبقرية الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي/.ا.د حمام محمد - جامعة الجلفة-الجزائر Non- philosophical ideas/By Salim Elias Madaloتعبتُ/ أسامة محمد صالح زامللم انهض باكرا/ عبد الرزاق الصغير-الجزائرسماء الطراوة في قيامة الأسماء / نورالدين قدادة - تونسأخطاء جبرا إبراهيم جبرا في ترجمة رواية الصخب والعنف لفوكنر/إبراهيم أبو عواد / الأردن المقابلة الهاتفية لمندوبة جائزة نوبل  فى الأدب مع الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون الفائزة هذا العام 2026 /ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيمThe Chicken's Funeral/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanشعر الحماسة : سلاح الحرب النفسية العربي:الشعر و البروباغندا/أ.مالك بن فرحات أشباهك الأربعون/غدير حميدان الزبونWhat We Carry Beyond the Market By Dr Haroon Rashid ثلاث قصائد سيجو معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالثلاث قصائد للشاعرة الكندية آن كارسون Anne carson /ترجمة يزن الحاجالشمس لم تعد شمسا/سالم الياس مدالوALEXA/Mouna Zaghdene Abidها هي سفني تعود/عارف عبد الرحمنتخيّل ما لا يمكن تخيّله:مراجعة نقدية لكتاب (نورما الخاطئة ) لآن كارسون/وين جريدي-ترجمة : د.محمد غنيم In A CHURCH IN MADRID by Alan Patrick Traynor(نصوص كتبتها الشاعرة في رثاء أمها)/آن كارسون (نوبل 2026)-ترجمة موزة العبدوليA HALF-FINISHED RUN /Demet Duyuler-Adana, Türkiyeهلوسات نبض/جميلة مزرعاني-لبنانسميرة فاضل غانم... امرأة تعبر الأوطان بفلسفة انثى وإرادة مفكر/حاورها:علي نفنوف            المقاربة النقدية في كتاب " الرواية العراقية بين الذاكرة والمتخيل " د .سروة القاضي
البوابة رقم ١٢/بلدوميرو ليلو-ترجمة :ماهر البطوطيالرجل المعلَّب/أنطون تشيخوف-ترجمة أبو بكر يوسفالكاتب المبدع وثورة الناقد: بين سُلطة الحكم النقدي وعبقرية الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي/.ا.د حمام محمد - جامعة الجلفة-الجزائر Non- philosophical ideas/By Salim Elias Madaloتعبتُ/ أسامة محمد صالح زامللم انهض باكرا/ عبد الرزاق الصغير-الجزائرسماء الطراوة في قيامة الأسماء / نورالدين قدادة - تونسأخطاء جبرا إبراهيم جبرا في ترجمة رواية الصخب والعنف لفوكنر/إبراهيم أبو عواد / الأردن المقابلة الهاتفية لمندوبة جائزة نوبل  فى الأدب مع الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون الفائزة هذا العام 2026 /ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيمThe Chicken's Funeral/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanشعر الحماسة : سلاح الحرب النفسية العربي:الشعر و البروباغندا/أ.مالك بن فرحات أشباهك الأربعون/غدير حميدان الزبونWhat We Carry Beyond the Market By Dr Haroon Rashid ثلاث قصائد سيجو معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالثلاث قصائد للشاعرة الكندية آن كارسون Anne carson /ترجمة يزن الحاجالشمس لم تعد شمسا/سالم الياس مدالوALEXA/Mouna Zaghdene Abidها هي سفني تعود/عارف عبد الرحمنتخيّل ما لا يمكن تخيّله:مراجعة نقدية لكتاب (نورما الخاطئة ) لآن كارسون/وين جريدي-ترجمة : د.محمد غنيم In A CHURCH IN MADRID by Alan Patrick Traynor(نصوص كتبتها الشاعرة في رثاء أمها)/آن كارسون (نوبل 2026)-ترجمة موزة العبدوليA HALF-FINISHED RUN /Demet Duyuler-Adana, Türkiyeهلوسات نبض/جميلة مزرعاني-لبنانسميرة فاضل غانم... امرأة تعبر الأوطان بفلسفة انثى وإرادة مفكر/حاورها:علي نفنوف            المقاربة النقدية في كتاب " الرواية العراقية بين الذاكرة والمتخيل " د .سروة القاضي
دراسات أدبية

التحرر والحداثة والغربة:بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري والسؤال..الذي لايشيخ / :علي نفنوف

collage 1 1


دبي

من نخيلها الوارف… يأخذني الشغف صوب قاماتها المبدعه
أنها العراق..أرض الله الخالدة.. التي أنجبت بواكير النهضة والحداثة والبلاغة .فكانت وطناً. للأبداع العريق كأسرار بابل..الغزير كدجلة..
الناهض كالفرات
اليوم سنتحدث عن الشيء المشترك عند ثالوث الابداع
في شعر بلند الحيدري ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب
حيث لم تكن الحداثة الشعرية العربية في العراق مجرد انقلابٍ على شكل القصيدة، ولا مجرد انتقال من البيت الشعري إلى التفعيلة. كانت في جوهرها محاولة لتحرير الإنسان العربي من منظومة كاملة من اليقينيات: يقين الشكل، ويقين اللغة، ويقين السلطة، ويقين الوطن الذي لم يعد دائماً ذلك المكان الآمن الذي يعود إليه الشاعر فيجد نفسه.
ومن هنا تبدو تجربة ثلاثة من أبرز شعراء العراق في القرن العشرين، تجربة متجاورة ومختلفة في آن واحد. جمعهم التمرد على القصيدة التقليدية وقلق الإنسان الحديث والإحساس العميق بالغربة.. لكن لكل واحد منهم طريقته في مواجهة العالم.
لم يكن هؤلاء الثلاثة غرباء لأنهم ابتعدوا عن الوطن فقط… أحياناً كان الوطن نفسه هو المكان الذي يشعرون فيه بالغربة.
*
بدر شاكر السياب: الوطن الذي لا يكفي للعودة
وُلد بدر شاكر السياب عام 1926 في قرية جيكور قرب البصرة، وعاش طفولة ريفية تركت أثرها العميق في شعره. فقد أمه وهو صغير، وكانت هذه الخسارة المبكرة واحدة من الجذور النفسية التي ستعود لاحقاً في قصائده، حيث يصبح الحنين إلى الأم متداخلاً مع الحنين إلى القرية والوطن والأمان المفقود.
درس في بغداد، وانخرط في الحياة السياسية والفكرية المضطربة التي عرفها العراق في الأربعينيات والخمسينيات. ثم عاش تجربة الاعتقال والملاحقة والفصل من الوظيفة، وعرف المنفى والمرض والفقر، حتى انتهت حياته مبكراً عام 1964.
لكن أهمية السياب لا تكمن في حياته المأساوية وحدها، وإنما في قدرته على تحويل المأساة الشخصية إلى سؤال شعري واسع.
في قصيدته الشهيرة «غريب على الخليج» لا يصبح الخليج مجرد مكان جغرافي، وإنما يتحول إلى ذاكرة بعيدة. يقف الشاعر أمام وطنه وكأنه يراه من الخارج، وكأن العودة إليه لا تعني بالضرورة استعادة الوطن.
وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات السياب عمقاً:
قد يعود الإنسان إلى وطنه، لكنه لا يعود إلى الوطن الذي خرج منه.
لقد كانت الغربة عند السياب مزدوجة: غربة المكان، وغربة الإنسان عن ذاته. ولهذا جاءت الطبيعة في شعره محملة بالذاكرة؛ النخيل، المطر، النهر، الخليج، جيكور… كلها ليست عناصر وصفية، وإنما كائنات تتكلم من داخل الذاكرة.
وفي «أنشودة المطر» تتحول القصيدة إلى مساحة يتداخل فيها الخاص والعام، الحب والموت، الفقر والأمل، العراق والأسطورة. لم تعد القصيدة مجرد تعبير عن تجربة شاعر، وإنما صارت محاولة لإعادة خلق العالم باللغة.
أما التحرر عند السياب، فلم يكن مجرد تحرر من القافية. كان تحرراً من الطريقة القديمة في النظر إلى القصيدة. لذلك كانت قصيدة التفعيلة عنده ثورة في الإيقاع، لكنها أيضاً ثورة في الرؤية.
*
نازك الملائكة: امرأة في قلب الثورة
وُلدت نازك الملائكة في بغداد عام 1923، في بيت ثقافي أدبي؛ فوالدها الشاعر صادق الملائكة، ووالدتها شاعرة أيضاً. درست الأدب والموسيقى واللغة، وانفتحت مبكراً على الأدب العربي والغربي.
وفي عام 1947 كتبت قصيدتها «الكوليرا»، التي ارتبط اسمها بها ارتباطاً وثيقاً، وأصبحت واحدة من اللحظات المؤسسة لشعر التفعيلة.
لكن اختزال نازك في كونها «أول امرأة كتبت الشعر الحر» أو في قصيدة «الكوليرا» وحدها، ظلم لتجربتها.
كانت نازك شاعرة ذات عقل نقدي شديد الوعي. لم تكن تريد هدم الشعر، وإنما كانت تريد إعادة النظر في قوانينه. ولذلك كتبت كتابها المهم «قضايا الشعر المعاصر»، الذي ناقشت فيه شعر التفعيلة ومشكلاته وقواعده وإمكاناته.
كان تحرر نازك أكثر تعقيداً من مجرد كسر الوزن التقليدي. كانت امرأة تحاول أن تجد لنفسها مكاناً في مجتمع ثقافي شديد الذكورية، وشاعرة تحاول أن تعيد تعريف علاقتها باللغة، ومثقفة تواجه عالمها من موقع شديد الحساسية.
ولهذا تبدو الغربة في شعرها مختلفة عن غربة السياب.
السياب غالباً ما يخرج من الوطن ويشتاق إليه.
أما نازك فتبدو أحياناً كأنها تغترب داخل العالم نفسه.
الغربة عندها نفسية ووجودية أكثر منها جغرافية. هناك خوف من الزمن، ومن الموت، ومن الوحدة، ومن هشاشة الإنسان أمام عالم لا يمنحه إجابات نهائية.
وفي شعرها حضور واضح للقلق والأسئلة الداخلية. إنها لا تصرخ دائماً في وجه العالم؛ أحياناً تصغي إلى ارتطام الإنسان بنفسه.
ومن هنا يمكن فهم حداثتها باعتبارها حداثة داخلية أيضاً. فالقصيدة عندها ليست مجرد فضاء للثورة، وإنما فضاء للتأمل والشك والانكسار.
ولعل المفارقة الأجمل في تجربتها أن المرأة التي شاركت في تأسيس واحدة من أهم ثورات الشعر العربي، ظلت لاحقاً شديدة القلق من بعض أشكال الانفلات الذي رافق الحداثة الشعرية.
لقد أرادت أن يتحرر الشعر، لكن دون أن يفقد نظامه الداخلي.
*
بلند الحيدري: الشاعر الذي جعل الغربة سؤالاً

وُلد بلند الحيدري في إسطنبول عام 1926، وعاش طفولته وشبابه في بيئات مختلفة، ثم استقر في العراق، وارتبط بالحركة الشعرية والفكرية الحديثة. وكان من الأصوات المهمة في جماعة الشعراء الذين ساهموا في نقل القصيدة العربية إلى مرحلة جديدة.
لم تكن حياة بلند مستقرة. عرف السياسة والاغتراب والمنفى، وعاش سنوات خارج العراق، خصوصاً في بيروت ولندن، ثم عاد إلى العراق، قبل أن يمضي سنواته الأخيرة بعيداً عنه.
وهذه التجربة جعلت الغربة عنده أكثر تركيباً.
بلند لا يتعامل مع الوطن على انه مكاناً رومانسياً يمكن استعادته بمجرد العودة. الوطن عنده سؤال دائم: ماذا يحدث للإنسان حين يعود إلى المكان الذي كان يسميه وطنه فلا يجد فيه نفسه القديمة؟
وهنا يقترب بلند من واحدة من أكثر قضايا الحداثة إيلاماً:
أن يتحول الوطن من مكان إلى ذاكرة، ثم تتحول الذاكرة نفسها إلى مكان لا يمكن الوصول إليه.
في شعره تتراجع الصورة الرومانسية للوطن، ويظهر الإنسان الحديث محاصراً بين الماضي والمستقبل، بين المدينة والذاكرة، بين الحلم والواقع.
ولذلك كانت حداثته ذات طبيعة مختلفة. السياب كان أكثر التصاقاً بالطبيعة والأسطورة والذاكرة الشعبية، ونازك أكثر ميلاً إلى البناء الداخلي والقلق النفسي، بينما اتجه بلند نحو الإنسان المديني، والأسئلة السياسية والاجتماعية والفلسفية.
إنه شاعر يرى أن الإنسان الحديث لا يعيش في مدينة فقط؛ بل يعيش داخل منظومة من العزلة.
ثلاث غُرب… وثورة واحدة
إذا وضعنا السياب ونازك وبلند في مواجهة واحدة، فإننا لا نجد مدرسة واحدة بقدر ما نجد ثلاث طرائق في مواجهة السؤال نفسه.
عند السياب:
الغربة هي أن تشتاق إلى وطن لم يعد كما كان.
وعند نازك:
الغربة هي أن تبحث عن الطمأنينة فلا تجدها حتى في داخلك.
وعند بلند:
الغربة هي أن تعود إلى المكان، ثم تكتشف أن المكان لم يعد قادراً على إعادتك إلى نفسك.
وهكذا تصبح الحداثة عندهم أكثر من تقنية شعرية.
إنها موقف من العالم.
فالتحرر من البيت الشعري التقليدي كان الوجه الظاهر لتحرر أعمق: التحرر من الطريقة الموروثة في رؤية الإنسان، والحب، والموت، والوطن، والسياسة، والزمن.
ولذلك لم يكن انتقال القصيدة من العمود إلى التفعيلة مجرد تغيير في عدد التفعيلات والقوافي. لقد تغيّر صوت الإنسان داخل القصيدة.
لم يعد الشاعر يقف خارج العالم ليصفه، وإنما دخل العالم بكل تناقضاته.
صار المرض شعراً.
والمنفى شعراً.
والمدينة شعراً.
والهزيمة شعراً.
والحب نفسه لم يعد خلاصاً كاملاً.
حتى الوطن، ذلك المقدس الشعري القديم، أصبح موضع سؤال.
بين الوطن والغربة
ربما لهذا السبب ما زالت قصائد هؤلاء الثلاثة قادرة على الوصول إلى القارئ العربي بعد عقود من رحيلهم.
فنحن لا نقرأ السياب لأننا نريد أن نعرف كيف كانت جيكور فقط، ولا نقرأ نازك لأننا نريد أن نعرف تاريخ الشعر الحر، ولا نقرأ بلند لأننا نريد استعادة مرحلة ثقافية عراقية.
نقرأهم لأن أسئلتهم لم تمت.
ما معنى أن تنتمي إلى وطن؟
ماذا يبقى من الإنسان حين يسقط المكان الذي كان يمنحه معناه؟
هل يستطيع الشاعر أن يتحرر من الماضي دون أن يفقد ذاكرته؟
وهل يمكن للحداثة أن تكون حرية حقيقية إذا كان الإنسان يحمل سجنه في داخله؟
ربما كانت قيمة هؤلاء الثلاثة أنهم لم يقدموا إجابات جاهزة.
لقد تركوا لنا القلق نفسه.
السياب مات بعيداً عن اكتمال حلمه، ونازك عاشت زمناً طويلاً وهي ترى الثورة الشعرية التي ساهمت في ولادتها تتشعب إلى طرق لم تكن كلها توافق رؤيتها، وبلند ظل يحمل معه سؤال المنفى حتى صار المنفى جزءاً من هويته الشعرية.
ثلاثة شعراء، وثلاثة أشكال للغربة.
لكنهم جميعاً أدركوا، كل بطريقته، أن الإنسان لا يتحرر حين يكسر القيد الخارجي فقط؛ التحرر الحقيقي يبدأ حين يكتشف القيد الذي يسكنه.
وهنا بالضبط تبدأ الحداثة.
حين يتغير الإنسان الذي يكتبها.
إلى مكان لا يمكن الوصول إليه.
في شعره تتراجع الصورة الرومانسية للوطن، ويظهر الإنسان الحديث محاصراً بين الماضي والمستقبل، بين المدينة والذاكرة، بين الحلم والواقع.
ولذلك كانت حداثته ذات طبيعة مختلفة. السياب كان أكثر التصاقاً بالطبيعة والأسطورة والذاكرة الشعبية، ونازك أكثر ميلاً إلى البناء الداخلي والقلق النفسي، بينما اتجه بلند نحو الإنسان المديني، والأسئلة السياسية والاجتماعية والفلسفية.
إنه شاعر يرى أن الإنسان الحديث لا يعيش في مدينة فقط؛ بل يعيش داخل منظومة من العزلة.
ثلاث غُرب… وثورة واحدة
إذا وضعنا السياب ونازك وبلند في مواجهة واحدة، فإننا لا نجد مدرسة واحدة بقدر ما نجد ثلاث طرائق في مواجهة السؤال نفسه.
عند السياب:
الغربة هي أن تشتاق إلى وطن لم يعد كما كان.
وعند نازك:
الغربة هي أن تبحث عن الطمأنينة فلا تجدها حتى في داخلك.
وعند بلند:
الغربة هي أن تعود إلى المكان، ثم تكتشف أن المكان لم يعد قادراً على إعادتك إلى نفسك.
وهكذا تصبح الحداثة عندهم أكثر من تقنية شعرية.
إنها موقف من العالم.
فالتحرر من البيت الشعري التقليدي كان الوجه الظاهر لتحرر أعمق: التحرر من الطريقة الموروثة في رؤية الإنسان، والحب، والموت، والوطن، والسياسة، والزمن.
ولذلك لم يكن انتقال القصيدة من العمود إلى التفعيلة مجرد تغيير في عدد التفعيلات والقوافي. لقد تغيّر صوت الإنسان داخل القصيدة.
لم يعد الشاعر يقف خارج العالم ليصفه، وإنما دخل العالم بكل تناقضاته.
صار المرض شعراً.
والمنفى شعراً.
والمدينة شعراً.
والهزيمة شعراً.
والحب نفسه لم يعد خلاصاً كاملاً.
حتى الوطن، ذلك المقدس الشعري القديم، أصبح موضع سؤال.
بين الوطن والغربة
ربما لهذا السبب ما زالت قصائد هؤلاء الثلاثة قادرة على الوصول إلى القارئ العربي بعد عقود من رحيلهم.
فنحن لا نقرأ السياب لأننا نريد أن نعرف كيف كانت جيكور فقط، ولا نقرأ نازك لأننا نريد أن نعرف تاريخ الشعر الحر، ولا نقرأ بلند لأننا نريد استعادة مرحلة ثقافية عراقية.
نقرأهم لأن أسئلتهم لم تمت.
ما معنى أن تنتمي إلى وطن؟
ماذا يبقى من الإنسان حين يسقط المكان الذي كان يمنحه معناه؟
هل يستطيع الشاعر أن يتحرر من الماضي دون أن يفقد ذاكرته؟
وهل يمكن للحداثة أن تكون حرية حقيقية إذا كان الإنسان يحمل سجنه في داخله؟
ربما كانت قيمة هؤلاء الثلاثة أنهم لم يقدموا إجابات جاهزة.
لقد تركوا لنا القلق نفسه.
السياب مات بعيداً عن اكتمال حلمه، ونازك عاشت زمناً طويلاً وهي ترى الثورة الشعرية التي ساهمت في ولادتها تتشعب إلى طرق لم تكن كلها توافق رؤيتها، وبلند ظل يحمل معه سؤال المنفى حتى صار المنفى جزءاً من هويته الشعرية.
ثلاثة شعراء، وثلاثة أشكال للغربة.
لكنهم جميعاً أدركوا، كل بطريقته، أن الإنسان لا يتحرر حين يكسر القيد الخارجي فقط؛ التحرر الحقيقي يبدأ حين يكتشف القيد الذي يسكنه.
وهنا بالضبط تبدأ الحداثة.
حين يتغير الإنسان الذي يكتبها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية