ليلى الأحمدية نويهض: حارسة التراث اللبناني.. وبريق الفن البيئي المستدام..بإحساس أنثوي/علي نفنوف

دبي
هناك أشخاصٌ لا يمرون في الأمكنة مرور العابرين..يتركون سحابة عطر تليق بأسماءهم العظيمة يغرسون في ترابها أثراً لا تمحوه السنون. في أعالي جبل لبنان، وحيث ترتسم صوفر كلوحة معلقة بين الضباب والمدى، ولدت تجربة الفنانة والمصممة ليلى الأحمدية نويهض؛ تجربةٌ لم تكن يوماً مجرد محاولة لاستعراض المهارة اللونية..او الفنتازيا التشكيلي. كانت رحلة بحث دائمة عن الروح اللبنانية وهي تقاوم طغيان النسيان وتلاشي الذاكرة.
أزياء الأجداد بريشة المعاصرة: حراسة الذاكرة البصرية
لم تبحث ليلى الأحمدية في التراث عن مجرد فلكلور استشراقي، او عرض عابر تعاملت معه كوثيقة حية تحكي سيرة الإنسان على هذه الأرض. في معرضها التأسيسي “بعيون تراثية”—الذي أقيم بالتعاون مع الحركة الثقافية اللبنانية وجمعية إبحار—قدمت الفنانة ما يربو على ستين لوحة تشكيلية، كانت في جوهرها عملية إنقاذ بصري للأزياء الشعبية اللبنانية عبر العصور.
لم تكن القماشات والأطراف المطرزة في لوحاتها مجرد ثياب دافئة أو أشياء قابلة للعرض كانت سياقاً اجتماعياً كاملاً يتنفس بالقصص والحكايا. ركزت أعمالها على تفاصيل كادت تندثر، وفي مقدمتها غطاء الرأس التاريخي “الطنطور” بكل هيبته ووقاره، إلى جانب الشروال الجبلي والعباءات المزدانة بالخيوط اليدوية. لم يقف انشغالها البصري عند حدود الجغرافيا المحلية، بل امتدت ريشتها لتمس الجرح العربي؛ فجاءت لوحتها للطفلة الفلسطينية بين ركام غزة صرخة إنسانية تؤكد أن التراث والكرامة يتكئان على ذات الأمل وذات الأوجاع.
* روح جديدة للقطع المهملة:
في مرحلة متقدمة من تجربتها، أدركت الأحمدية أن الفن الحقيقي هو ذاك الذي يمنح الحياة لما ظنه الناس ميتاً. بالتعاون مع “محترف الفن التشكيلي للثقافة والفنون – راشيا”، أطلقت الفنانة مساراً فنياً قائماً على الاستدامة وإعادة التدوير.
تحولت الثياب المستعملة والأقمشة القديمة تحت يديها إلى خامات تشكيلية تحمل منحوتات بصرية ذات طبقات متعددة. حيث لم تكن المادة لديها خياراً جمالياً مجرداً، كانت ممارسة أخلاقية تحث المجتمع على التأمل في ثقافة الاستهلاك المفرط، وإعادة الاعتبار للشيء المهمل بعثاً من جديد؛ فالأنسجة القديمة تتكتل وتتداخل لتشكل جسداً فنياً محتفظاً برائحة أصحابه الأوائل وحكاياتهم.
*فلسفة الغياب والأثر: الجاكيت بلا ظهر
تتجلى الفلسفة التشكيلية للأحمدية في أكثر صورها عمقاً من خلال أعمالها التجريدية والمفهومية، وعلى رأسها تصاميم السترات والجاكيتات المصنوعة من دون ظهر. إنها منحوتة قماشية تختزل رؤية الفنانة للوجود؛ فالإنسان حين يغادر هذا العالم، يرحل عارياً من كل الماديات، لا يملك أن يأخذ معه شيئاً مما اختزنه أو ارتداه.
ما يتركه المرء خلفه ليكون شاهداً على مروره ليس سوى أثره: الكلمة الطيبة، الموقف الصادق، والخلق الجميل الذي ينطبع في قلوب الآخرين. هكذا تتحول السترة في محترفها إلى مرآة إنسانية تذكرنا بأن القيمة الحقيقية للوجود تكمن فيما نمنحه لا فيما نحتفظ به.
وقبل الختام يجب ان ننوه على انها اشتغلت ايضا على فكره اللوحات ثلاثيه الابعاد والتجسيد من خلال استخدامها لتقنيات مواد مختلفه في اللوحه الواحده
تستمر ليلى الأحمدية نويهض في نسج تجربتها بين صوفر والجبل والمدى الثقافي اللبناني والعربي، مؤكدةً أن الريشة والمادة حين تقترنان بالوعي والالتزام البيئي، تحولان الفن من مجرد صياغة شكلية إلى رسالة بقاء وأثر إنساني لا يزول.



