الإجازة / جواني عبدال

حين طلب )أبو توفيق( إجازة عن العمل لمدة أسبوع، لبّي طلبه بعد لأي، فعاد مرحاً إلى البيت ليرتاح من “دوشة” العمل والعمال، ليرتاح من الدوام الوظيفي -من مراجعين ومرؤوسين- ليريح رأسه ويهدئ قلبه.
في اليوم الأول من وجوده في البيت رحبت به العائلة، فهيأت له زاوية مختارة للتمدد والغفوة، وفناجين القهوة وكاسات المتة مع الاركيلة والمكسرات تأتي إليه تباعاً -بين الفينة والأخرى- ويجهز الفطور والغداء ويجلس على رأس الطاولة، على الرحب والسعة، وأشياء أخرى على ما يهوى.
الزوجة مرحة مرحبة، والأبناء وعددهم نصف دزينة، يذهب نصفهم إلى المدرسة ويبقى الآخرون محتلين الزوايا والجدران، والغرف والأرائك.. والأجهزة من تلفاز وتلفون وكومبيوتر فهي كلها بين أيديهم.
بعد اليوم الثاني قلّت الحفاوة -عن اليوم السابق- طالت زاويته وعكرت صفو راحته بحجة تنظيفها، فطلبت زوجته منه جلب أغراض من السوق، قائلة:
– المن.. رجاءً تستطيع أن تذهب إلى الفرن! آه. قف دقيقة. وبطريقك اجلب لنا كذا وكذا..
قام مسروراً، وجلب خبزاً بعد معاناة معهودة من تعرق شمس الظهيرة، استغرق ساعة زمن.
وتوالت الطلبات، هذه البالوعة مسدودة، وهذا الخط الكهربائي معطل وفيه تماس، وهذه الزبالة مكومة منذ يومين، وهذا دهان البيت مكشوط، وهذه تسوية أحجار الرصيف مبعثرة:
– المن.. فهيا رجاءً دون أمر عليك.. هلا تفضلت.. لو تكرمت وأصلحتها..
فرد عليها بنزق:
– وهؤلاء الغجر أولادك.! هل البيت لهم فندق ومطعم فقط، أن يسمنوا كالأضاحي.. يا امرأة، ألا يعملون شيئاً.. ألا ينجزون لك عملاً البتة؟!.
لم يكن في نيته الإساءة إليهم، ولكنه أحس اليوم، بأنهم معتمدون عليه بسبب تواجده في هذه الإجازة العرضية، وهو الذي حدث نفسه وقال لهم؛ )بأنه ودع العالم ومشاغله ليرتاح أسبوعاً.. ليرتاح أسبوعاً يا امرأة(.
في اليوم الثالث.. تململ من تلك الأعمال التي لم يعتد عليها منذ زمن بعيد، فكان الحل أن يذهب للسير خارجاً، وزيارة أقارب لم يزرهم منذ زمن بعيد، بسبب تواجده بالدوام الوظيفي، وقد تم الترحيب به مع العلم أن الأغلبية كانت غير موجودة في البيت بسبب تواجدها في العمل.. وتابع تجواله تائهاً على وجهه، هرباً.. هائاً في الحدائق والشوارع والأسواق، متمتعاً بمشاهد متنوعة غابت عنه مجرياتها منذ أمد، وبعد أن تعب، عاد بعد وقت الغداء متأخراً قدر المستطاع.
وفي اليوم التالي؛ بعد أن خرج من البيت باكراً تجنباً وتدارياً من طلبات محتملة، متوارياً عن الأنظار، من هنا وهناك ملّ وجوده ولم يدرِ أين يأخذ نفسه، كان صامتاً ولا يعرف بماذا يفكر، كان تائهاً ضجراً.. تجول في الشوارع، ودار على المحلات فلا شيء جديد، أحب أن يمر على مكان العمل الوظيفي، يعني زيارة عرضية، رحب به الرفاق، وأحس بالانتعاش وهم يباركون نيله هذه الإجازة في هذا الوقت، بل هم يحسدونه فقد ارتاح عن حق -كما يظنون، سألوه عن سبب قدومه، فادعى بأنه نسي شيئا وأتى لأخذه، ولم يطل عندهم المكوث فعاد تعباً إلى البيت.
في اليوم الخامس؛ حين خرج من البيت دار قليلاً، ملّ وضجر.. فتوجه من فوره وذهب إلى العمل، وجلس مع رفاقه على طاولة المكتب العامة، وعينه تترصد طاولته، بين أخذ ورد، والسؤال عن أخبار العمل والموظفين والمعاملات، نسي نفسه وهدأ باله. وقبل انتهاء الدوام قام ورجع فرحاً.
مع هؤلاء الزملاء توازنت الحياة منذ أمد، وامتدت إلى سنوات من التجانس والمؤانسة.. وتحولت الرفقة إلى صداقة وعشرة سوية مهما كثرت المنغصات.
في اليوم التالي، استيقظ باكراً وتهيأ الذهاب للعمل -مضحيا بإجازته هذه الباقي على انتهائها يومان- وهو يشعر بالراحة، فتعطر وتأنق.. ولسان حاله يقول:
– هذا مكاني ولا شيء آخر.. لا راحة في الدنيا.
-*-*-
قال له الحارس بعدما رآه آتياً:
– اليوم عطلة يا أبا توفيق.. عطلة ولا أحد في الدوام.
فرد بعد هنيهة:
– هه.. نسيتْ ! حسنا سأجلس وحدي في المكتب.. فلديّ تسوية بعض الأمور.
– لا يجوز؛ المكتب مغلق من قبل المدير، والمفتاح معه..!
– حسنا. سأبقى هنا.. وسأجلس عندك الى حين.!
22/10/2006
.



