مفارقة الطين/غدير حميدان الزبون-فلسطين

سقط المساء فوق رأسها ثقيلا؛ ليمحو الخطوط الفاصلة بين الوهم والحقيقة.
استيقظت من نومها فجأة فوجدت مطارق عتبة البئر الأولى تقرع في رأسها.
تذكرَت طفولتها الغابرة، وكيف كانت تقف مذهولة خلف ظلّ أمها الممتد، وهي تسحب حبل الماء من جوف الأرض المطلق.
كانت تتطلع إلى القاع المظلم، وتسأل أمّها بفضول طفلة:
يا أمي، أين يذهب الماء إذا جفّت البئر؟
فتنظر أمّها إلى السواد برضا غامض وتقول: لا شيء يجف يا بنتي، الماء يرتدّ إلى أصله، ونحن نرتدّ معه عندما يكتمل الطين.
وقفت في ذلك اليوم بكامل شيب حيرتها عند عتبة المقبرة لتتبدل الأدوار في المساء.
لقد صعدت البئر إلى الأعلى لتصبح سماءً مطبقة، واتّسع القاع ليصير قبر أمها الراحلة.
تحسّست التراب البارد، وألقت بسؤالها الفلسفي في جوف سكونها:
أمي، هل كان نزول الدلو إلى البئر أول مرة هو خطوتنا الأولى نحو هذا اللحد؟ وكيف يمكن لعتبة المقبرة أنْ تشبه فوهة البئر إلى هذا الحدّ.
آهٍ يا أمّاه، كأننا لم نتحرك قَطّ؟ أخبريني من غيابكِ.. أهو الموت الذي يعيدنا إلى رحم الأرض الأولى، أم أنّ حياتنا فوقها كانت مجرد غربة في قاع بئرٍ مقلوبة؟
لم يأتهِا صوتها، لكنّ الاندهاش تجسد أمامها عندما نبتت من الشاهد الرخامي قطرة ماء واحدة، صعدت نحو السماء عكس الجاذبية في إجابة صامتة بأنّ الصعود والنزول في قانون الفناء واحد.



