محكمة أكتوبر الصامتة/غدير حميدان الزبون-فلسطين

لفّت خواتيم أكتوبر المساء بعباءة من الصمت المهيب عندما وقفتُ عند بوابة الأرض العتيقة راصدة محكمة الطبيعة الكبرى.
التفتّ يمنة ويسرة باحثة عن قضاة ومطارق فلم أرَ سوى ريح تهمس بين الأغصان، وغروب يسكب آخر قطرات الذهب المذاب فوق أفقٍ يستعدّ للنوم. في هذا الوقت من العام يتحول الكون إلى ميزان دقيق لا يجور فيه ليل على نهار، ولا تطغى فيه قسوة على رحمة.
فجأة هبّت نسمة باردة، فحملت معها ورقة بلوط كستنائية دارت في الهواء في رقصة أخيرة قبل أنْ تستقر بسلام فوق التربة الرطبة.
تأملتُها فعلمتُ أنني أمام فصلٍ من فصول العدالة النبيلة، فالأوراق تخلي مكانها طوعاً لجيل سيولد في الربيع.
إنه قانون التخلي العادل الذي يعرف فيه كلّ كائن حدود عطائه وأوان انكماشه، فلا شجرة تحتكر الضياء، ولا جذر يسرق قـوت غيره في عتمة الأرض.
تسلل الليل الأكتوبـري بخطى هادئة وموزونة، لقد أتى شريكاً يستردّ حقه من الساعات بعد طول انتظار.
نظرتُ إلى السماء التي انقسمت بين حمرة الشفق الشاحبة وزرقة الليل الداكنة، فرأيت الإنصاف الكوني يوزع الدفء والبرودة بمقادير لا تختل.
في هذه اللحظات تتساوى القمم الشاهقة مع الوديان السحيقة في استقبال عتمة الليل، وتمرّ الريح على غصن الوردة البرية بذات الحنوّ الذي تمرّ به على جذوع السنديان العملاقة.
تراجعت الطيور إلى أعشاشها، وسكنت الحيوانات في جحورها رضوخاً لحقّ الجسد في الراحة بعد كدح الصيف والحصاد.
إنّ الأرض التي أعطت بسخاء طوال شهور الخصب تطلب الآن صمتها المشروع، والطبيعة بعدلها المطلق تمنحها هذا السلام؛ لأنّ العدل في منح التربة حقها من العزلة والهدوء لتستجمع قواها.
مضى المساء، وبدأت النجوم تتلألأ فوق فضاء أكتوبر الشاسع تاركةً في نفسي حكمة عذبة تنبض باليقين، فالذي يدير هذا الكون بميزان يمنع ورقة شجر من السقوط عبثاً يعوض كلّ ذي حقّ حقه في أوانه.
وما الخريف إلا وعدٌ صادق من وعود العدالة بأنّ كلّ انكسار وراءه جَبر، وكلّ تجريد تعقبه زينة، فالطمأنينة الحقيقية تبدأ عندما نؤمن من أعماقنا أننا نعيش تحت سماء قاضٍ عادل لا يغفل ولا ينام.



