رقصة البجع الباهتة/غدير حميدان الزبون-فلسطين


في تمام الساعة الرابعة فجرًا قرّر العالم أنْ يتقاعد عن تلوين نفسه.
استيقظ المخرج المسرحي “فؤاد” على صوت منبهه، ليجد أنّ قهوته الصباحية لم تعد بتلك السمرة الداكنة التي تعود عليها، فقد تحولت إلى سائل رمادي غامق يشبه مياه الأمطار الراكدة.
في البداية ظنّ أنّ داء الزرقاء قد أصاب عينيه، لكنه عندما نظر من النافذة أدرك أنّ المصيبة جماعية.
لقد استيقظت المدينة بأكملها وقد غُسلت ألوانها في غسالة الكون بمسحوق رديء.
فالسماء رمادية، والأشجار رمادية، وحقائب المارة رمادية كئيبة.
لم يكن الوضع أفضل حالاً في المسرح الوطني، فقد كانت حدود الزمان تتآكل على حوافّ مدينة حجرية بلا طيف.
فتح أحد ممثلي الكومبارس عينيه فجأة على عالم رمادي مطبق، لتصدم بصره تفاصيل غرفة مقفرة من طاولة خشبية بالية غطاها غبار رمادي بسمك مليمترات، وكوب قهوة خزفي فارغ تشققت جدرانه البيضاء سابقاً لتتخذ لون الطين الجاف، وساعة حائط مسمارية توقفت عقاربها البلاستيكية عند منتصف اللا شيء بدقة متناهية.
بَدَت العتمة محواً كاملاً لكلّ بهجة بصرية، فالأزرق تخلّى عن السماء ليتركها صحنًا صلبًا من الإسمنت المبلل، والأحمر استقال من دماء الشفاه تاركًا وراءه صمتًا أعمى تتكسّر فوقه أقدام عابرة تسير وتسير في خطوط مستقيمة نحو مجهول ضبابي.
رأى بطلة الفيلم في وضع كئيب ترتدي معاطف صوفية ثقيلة تآكلت أزرارها وتناثرت خيوطها المتربة بعدد سنوات الغربة في هواء تتنفّسه ببطء مرير مقيت.
وبينما كانت الظلال تزحف لابتلاع آخر وميض للذاكرة التقت خطوات اثنين من الهائمين على صخرة صامتة في منتصف الميدان الخاوي بجانب عمود إنارة حديدي متآكل الصدأ يُفضي إلى فضاء المسرح..
كان اللقاء غريبا على غير العادة، فلا تعريف ولا هُويات تسبقهما سوى حنين غامض يشتعل تحت ضلوعهما المهشّمة.
اقتربا ببطء شديد تسبقهما أنفاس ساخنة تختلط بضباب الصباح الأملس، وفي اللحظة التي تلامست فيها أصابعهما الخشنة اندلع شرار داخلي أضاء العتمة، فتمايلت الألوان المتناثرة ملطِّخةً جدران المسرح ببهجة ساخرة ارتدى فيها وجه أحدهما زرقة فاقعة بينما تحول أنف الآخر إلى أحمر قانٍ يشبه المهرجين وسط تصفيق خافت لجَمْع رفيع القامة من تماثيل حجريّة اكتفت بمشاهدة العرض دون أنْ تحرك ساكناً.
لقد فهم الاثنان دون أنْ ينطقا بحرف أنّ الألوان عادت بأبهى تكلفتها البصرية، لكنهما ظلا واقفين في منتصف المسرح يستعدان لرقصة البجع، ويتساءلان في حيرة مضحكة: هل نعيدُ طلاء العالم المتهالك من جديد، أم نذهب للبحث عن متجر قريب يبيع مساحيق إخفاء العيوب لهذا المأزق البصري الفاقع؟
أصيب المخرج بحالة من الهلع، وبدأ الهائمان رقصتهما الميكانيكية الباردة في عالم نسيت فيه الألوان كيف تعود إلى المنزل.



