المسألة اليهودية في عصر الطوفان للدكتور الحبيب الشوباني:عرض: فارس السردار

غالبًا ما يكون العنوان مدخلًا لأي خطاب، وبما أن المسألة اليهودية قديمة، وينتابها الكثير من الحراك الذي كان، في الغالب، مثار تجاذب، نتجت عنه مآسٍ كثيرة، وامتدت جذورها في ثنايا التاريخ البشري، وطفت على السطح مرارًا، متخذة شكل صراع دموي، وصل بنا إلى حد الطوفان؛ نجد أن المؤلف يستدرك ليسطر تحت العنوان الرئيسي، مضيفًا: «في بناء سردية المأزق الوجودي لـ”الحل الصهيوني للمسألة اليهودية”.
وكأني به يقودني إلى جوهر الإشكالية اليهودية وتعالقها مع الحركة الصهيونية المقترحة كبديل، والتي باتت وجودية بامتياز. وبعد السابع من أكتوبر، عبر ما مثّله طوفان الأقصى من رد فعل متوقع لمجمل تاريخ الكفاح الفلسطيني بشقيه السلمي (الدبلوماسي) والمسلح، مقترحًا بديله المعرفي والعلمي والإنساني، عبر استعراضه لإشكاليات اليهود عبر مراحل احتكاكهم مع الشعوب الأخرى، وما نتج عن ذلك من علاقات غير سوية، كان المحرك الأساس لها، في رؤية المؤلف، نظرتهم المتعالية، عبر ما أشاعوه عن أنفسهم بأنهم «شعب الله المختار»، والتي أرادوا لها أن تحكم علاقاتهم، بمعنى أنها تعطيهم الحق بالتسيد على الآخر.
فيوجه حديثه عبر فقرة الإهداء قائلًا:
«إلى كل المؤمنين والمؤمنات بأن الصهيونية أيديولوجية استعمارية عنصرية ارتكبت خطيئة الخطايا في حق اليهود، يوم حشرت بضعة ملايين منهم في (أكبر غيتو حديث) في فلسطين، وأسكنتهم جزيرة معزولة وسط بحر يموج بالملايين من شعوب الحوض الحضاري الإسلامي».
وهي إشارة إلى أن الاصطدام لم يتوقف منذ الوعد المشؤوم، فكانت حرب 1948، وتلتها 1956، ومن ثم 1967، حتى جاءت 1973، ثم ثورات الحجارة، واجتياح بيروت، ثم المواجهة مع غزة بطوفانها. ولا أعتقد أن هذا الحوض الإسلامي يمتلك النية بتطبيع أو تمييع للقضية تحت أي سيناريو مفترض؛ فالبحر قد يهدأ، لكنه كثيرًا ما ينتابه الهيجان، فيضرب بسواحل الجزيرة ويأكل من جرفها مهما كان عاليًا.
ويضيف أيضًا:
إلى كل مؤمن بأن تحرر الشعب الفلسطيني من الاحتلال وتحرير اليهود من الصهيونية واجب إنساني وموقف أخلاقي ومسؤولية حضارية.. وإنه كفاح مقدس لتخليص العالم من الشر المطلق الذي يحميه نظام إمبريالي فاقد للقيم الإنسانية».
ويرى المؤلف أن الاقتران ما بين المسألة اليهودية وطوفان الأقصى مفصل رئيسي، اجتاح به الطوفان بشكل حاسم علاقة المشروع الاستيطاني العنصري في فلسطين المحتلة بأي نسب يصله من ضمير البشرية، بدعوى احترام حقوق الإنسان، أو الديمقراطية، أو بالتحضر.
وبذلك يكون الطوفان قد حكم عليه، في رؤية المؤلف، حكم إعدام حضاري، يلغي بموجبه وجوده المعنوي من حاضر ومستقبل الاجتماع الإنساني المتحضر، ووفق ما تم توثيقه على أرض الإبادة الجارية في غزة، ولتخليصنا من غض الطرف عن مواجهة إسرائيل بوصفها نظامًا فاشيًا ونازية جديدة ونظام تمييز عنصري.
ويستعرض الكاتب آراء مفكرين وفلاسفة يهود اختاروا الوقوف بالضد مما روجت له الحركة الصهيونية في مقولات أرادت لها أن تكون دعائم تستند عليها حركتهم الصهيونية، مثل: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، والتي أثبت التاريخ والتنقيب المحموم زيفها، وأنها فرية ومغالطة مثيرة للسخرية. أو «إن إسرائيل امتداد متنور للحوض الحضاري الغربي وسط غابة من الوحوش»، و«جزء لا يتجزأ من ثقافة الحقوق الديمقراطية» المدّعاة.
وهذا يمثل شراكة الغرب مع كيان استيطاني تمت إدانته أمام محكمة العدل الدولية، لأنه لا يقيم وزنًا لحقوق البشر فيما ارتكبه من جرائم، والذي أصبح لازمة من لوازم هذا السقوط المشترك. وكذلك «معاداة السامية»، أو مقولة محرقة الهولوكوست التي أودت بحياة ستة ملايين يهودي، ومقولة معاداة الصهيونية للفاشية.
لكل هذا، يستدعي المؤلف، من خلال الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي، شهادة المؤرخ الصهيوني «ميشيل بار زوهار» في كتابه «بن غوريون: النبي المسلح»، قائلًا:
«في عام 1941 ارتكب إسحاق شامير جريمة لا تغتفر أخلاقيًا، حين دعا إلى تحالف مع هتلر ومع ألمانيا النازية ضد بريطانيا».
وهذا دليل، في سياق الكتاب، على أن تأسيس الدولة بالنسبة لهم هو الأهم في نظرهم، على حساب إنقاذ اليهود في أوروبا. ومن خلال تفكيك جارودي لتواطؤ الصهيونية مع النازية عبر سياسة التعاون على مدى ثماني سنوات، ما بين الشخصيات الثرية والفنية والشباب القادرين على تعزيز قوة الجيش، وبين اليهود الأقل حظًا ممن تم التخلي عنهم وتركهم بين يدي هتلر.
لذلك يمكن اعتبار كتاب «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» للفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي من أهم الكتب التي تصدت علميًا لتفكيك هذه الأساطير وبيان تهافتها. وفي عام 1996 أفضى ذلك إلى محاكمة جارودي بتهمة معاداته للسامية.
وقد عالج هذا الكتاب أغلب المقولات اللاهوتية القديمة المرتبطة بتوظيف نصوص التوراة والتلمود، كمقولة «الأرض الموعودة»، ومقولة «شعب الله المختار»، ومقولة «التطهير العرقي على نهج يشوع»، إضافة إلى المقولات التي أوردناها أعلاه.
ولم يتوقف النهج المعارض لما أصرت الحركة الصهيونية على العمل عليه وتحويله إلى واقع، بل ظهر من قبل كثير من المفكرين والفلاسفة اليهود الجدد، لانحيازهم العلمي إلى حقائق التاريخ. لذلك تعتبر إصداراتهم مصدر قلق وتفكيك كبيرين للرواية الصهيونية الرسمية.
ويعتبر الفيلسوف اليهودي إدغار موران واحدًا ممن ذكر في كتابه «العالم المعاصر والمسألة اليهودية» أنه من المؤسف أن زرع إسرائيل في الأراضي الإسلامية قد خلق مأساة جديدة ذات أبعاد عالمية.
وفي منحى آخر، نجد أن آفي شلايم اختار العيش في بريطانيا بعد أن فقد الشعور بالأمان في إسرائيل، جراء مواقفه الفكرية المناهضة للسردية الصهيونية الرسمية. لذلك يسأل شلايم والدته عمّا إذا كان لديهم أي أصدقاء صهاينة في العراق. نظرت إليه واعتبرت سؤاله غريبًا، ثم أجابت بشكل قاطع: “لا.. لا. الصهيونية شأن أشكنازي خالص.. لا علاقة لنا به».
وعليه، يعتبر شلايم أنهم جُنّدوا قسرًا في المشروع الصهيوني دون أي رغبة منهم، ويعتبرون أنفسهم فاقدين لإحساسهم بالفخر القوي بهويتهم كونهم يهودًا عراقيين.
ويضيف شلايم أن معاداة السامية مرض أوروبي صرف، ومنها انتشر إلى غيرها من البلاد. لم يعش يهود العراق في معازل، ولم يتعرضوا للقمع العنيف والاضطهاد والإبادة الجماعية.
وهذه الاستنتاجات للمفكرين اليهود التي أوردها الكاتب، وغيرها كثير، جاءت نتيجة استعراض مركز لصيرورة المسألة اليهودية، والتي خلصنا إلى أن تعايش الجماعات اليهودية في أوروبا مع «الأغيار/الكوييم»، أي المسيحي من جنس الكوييم ذي الطبيعة المنحطة وغير الطاهرة، لحوالي عشرين قرنًا، كان تاريخ فشل مأساوي عاشه الإنسان اليهودي الأوروبي الأشكنازي في نبذ واضطهاد ومذابح وسعي دائم للتخلص من وجوده؛ لأنه جسّد، في العقل المعي للإنسان الأوروبي المسيحي، صورة قاتل الإله، وأخلاق التشرد والقذارة ونفسية الاستعلاء والمكر وسلوك الغدر والخبث.
لذلك يقول المفكر المغربي يعقوب كوهين إن العالم لا يحب اليهود اليوم أكثر مما كان عليه قبل الحرب العالمية الثانية وقيام إسرائيل، وسوف يحبهم أقل فأقل. إن فشل اليهود في أن يكونوا محبوبين جعلهم يكونون مصدر خوف.
وهكذا، فاليهود كانوا ضحية الاضطهاد في عموم أوروبا المسيحية خلال العصور الوسطى، باستثناء أوروبا الإسلامية، الأندلس، وأن استقبال شعوب الحضارة الإسلامية لليهود بعد نكبة الأندلس هو الذي حماهم من الإبادة التي نفذتها حركة الاسترداد الصليبي.
وينقل الكاتب عن جيل دولوز أن الحركة الصهيونية عقيدة عنصرية لا يمكن أن تفضي إلا إلى العنف والإبادة الجماعية، وأن الإرهاب الصهيوني عرّض الشعب الفلسطيني إلى محرقة أشد مأساوية من محنة يهود أوروبا، وهو صاحب مصطلح «المحرقة الفلسطينية» في الكتابات الغربية.
فما حدث بعد السابع من أكتوبر كان إبادة، والتي تُعرّف بأنها التدمير الممنهج لمجموعة عرقية عن طريق إفناء أفرادها، وهذا ما تحاوله الصهيونية في غزة، وهو خلاف ما فعلته النازية.
وهنا، في المقارنة التي يعرضها الكتاب، ينبغي الانتباه إلى أن النازية استهدفت اليهود وغيرهم على أساس تصور عنصري، وقد أدت سياستها إلى إبادة نحو ستة ملايين يهودي، فضلًا عن ملايين الضحايا الآخرين. أما الحرب العالمية الثانية فقد تجاوز عدد ضحاياها خمسين مليون نفس بشرية.
وبعد، فالكتاب فيه الكثير والكثير من الجهد والتقصي والتوثيق الموضوعي الذي وضع النقاط على الحروف، بلغة علمية رصينة اعتمدت الخطاب الوثائقي، مبتعدة عن ترويج ودعم للأساطير والوعود الدينية المشكوك بموثوقيتها، عبر الاستشهاد بكبار علماء الفكر والفلسفة اليهود، والناقدين للنهج الصهيوني الذي حاول جاهدًا أن يحرف اليهودية، على الرغم مما هي عليه من نقد تأسس عبر سلوكها المستهجن من قبل كل الشعوب التي تم طردهم من أراضيها على مدى التاريخ.
والكتاب اعتمد على خمسة وأربعين مصدرًا عربيًا واثنين وعشرين مرجعًا أجنبيًا، ويقع في 286 صفحة من القطع الكبير.
أما المؤلف، الدكتور الحبيب الشوباني، فهو حاصل على شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية من جامعة محمد الخامس بالرباط، إضافة إلى دبلوم المدرسة العليا للأساتذة بمراكش، تخصص الفيزياء والكيمياء. وهو وزير سابق، ورئيس مجلس درعة تافيلالت في الولاية التأسيسية (2015–2021)، والكتاب هو الطبعة الثالثة عشرة، عن منشورات الخيام، المضيق، إصدار 2025.



