هل سينقرض العرب؟لماذا التنكيل بنهضتهم ؟ لا مكان لليأس .. فالأمل بالأجيال القادمة ؟أ.د. سيّار الجميل

1/ عبارة قاسية
لم أتوّقف كثيراً عند قسوة عبارة أدونيس ” العرب في طور الانقراض” بقدر ما توقّفت عند أثرها: ماذا يشعر شاب عربي يسمع من مثقف سوري كبير أنّ شعبه سينقرض؟ وماذا يبقى له من حقّ في الحلم إذا قيل له مسبقاً إن المستقبل قد انغلق أمامك؟ استمعتُ إلى حديثه ، فوجدتني أمام أحكام بالغة القسوة على العرب ومستقبلهم. قال إن العرب “سينقرضون”، وإنهم أشبه بمجموعة من الأسماك في بحيرة يأكل بعضها بعضاً. وقال أيضاً : إن العرب لم تكن عندهم نهضة عربية حديثة. توقّفتُ طويلاً عند هذه الأحكام التى لا معنى لها من الاعراب، لا دفاعاً عن العرب بوصفهم جماعة فوق النقد، ولا رغبة في تبرئة تاريخهم من إخفاقات زعمائهم وكوارثهم، وإنما لأنّ المؤرخ يعرف أنّ الفرق كبير بين نقد التاريخ وبين إغلاق التاريخ، وبين تشخيص أزمة حضارية وبين إصدار حكم نهائي على شعب كامل له تاريخه ومستقبله. فهل يجوز أن يتحوّل التنكيل بحاضر عربي مأزوم إلى حكم قاطع على المستقبل؟ وهل يجوز أن تتحوّل خيبات السياسة والحروب والاستبداد والانقسامات إلى برهان على انعدام القدرة التاريخية لدى أجيال قادمة لم تولد بعد؟ ثم هل يمكن لمؤرخ أو شاعر أو مفكر أن يقول إن العرب “سينقرضون” وكأن المستقبل حقيقة مكتملة في حاضرنا؟
2/ مفهوم ” الانقراض”
إنني أتحفظ أولاً على مفهوم “الانقراض” نفسه حين يستخدم في وصف شعب حي وقديم له منجزاته وابداعاته . فالشعوب لا تنقرض لمجرد أنها تمر بأزمات سياسية أو حضارية. قد تتراجع، وتتفتت دولها، وتتبدّل أنظمتها، وتضعف مؤسّساتها، وتفقد زمناً من المبادرة التاريخية، وقد تدخل في مراحل طويلة من الركود والخمول ؛ لكنها تستطيع أيضاً إعادة بناء نفسها. والتاريخ لا يعمل وفق قانون بيولوجي بسيط يقول إن جماعة ما بلغت نهايتها ثم انتهت . لقد علمتني ” سلاسل الأجيال” تموجات الأزمنة بين الأمم الحية فتتألق حينا وتنهار احيانا ، ولكنها تستعيد قوتها نحو الذروة.
لقد انقرضت دول وإمبراطوريات وسلالات، نعم؛ لكن البشر الذين كانوا يعيشون فيها لم ينقرضوا بالضرورة، كما أن الثقافة لا تموت بالطريقة التي يموت بها الكائن العضوي. إن انتقال الشعوب بين مراحل القوة والضعف، وبين الانكفاء والمبادرة، هو من صميم منوال التاريخ.
3/ لماذا انكار النهضة العربية الحديثة ؟
وهنا تأتي المشكلة الثانية: القول إن العرب لم تكن لهم نهضة عربية حديثة. أي نهضة يقصد هذا الحكم؟ وهل النهضة العربية مشروع واحد متجانس له بداية ونهاية وشروط محدّدة، أم أنها سيرورة تاريخية طويلة شاركت فيها أجيال ومدارس وبيئات واتجاهات مختلفة؟
يكفي أن نفتح كتاب أستاذنا المؤرخ ألبرت حوراني الشهير ” الفكر العربي في عصر النهضة 1798- 1939م لنكتشف حجم المسألة. فقد خصص حوراني فصولاً متتابعة لدراسة الطهطاوي وخير الدين والبستاني، ثم الأفغاني ومحمد عبده وتلامذته، ثم رشيد رضا، وشبلي شميل وفرح أنطون، وطه حسين. ولم يكن هؤلاء جميعاً نسخة واحدة من مشروع فكري واحد، بل كانوا مختلفين ومتعارضين في أحيان كثيرة؛ لكنهم جميعاً ينتمون إلى تحولات فكرية واجتماعية وسياسية حقيقية شهدها القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.
فهل كان الرعيل الاول من الرواد وهماً تاريخياً؟ وهل كانت مدرسة الألسن مجرد سراب؟ وهل كانت معاجم اللبنانيين مجرد كذبة ؟ هل كانت النهضة الموسيقية والغنائية وهماً ؟ وهل كانت حركة الترجمة والصحافة والطباعة الحديثة وإعادة تنظيم التعليم وتأسيس المدارس والجامعات والمجلات والصحف والمكتبات والجمعيات العلمية والقانونية والأدبية مجرد خيال اخترعه المؤرخون؟ وصولاً إلى أجيال لاحقة من المفكرين والعلماء والمبدعين ورجال القانون والسياسة؟ ليس مطلوباً أن نضع هؤلاء جميعاً في خانة “النهضة” بلا نقد. وليس صحيحاً أنهم حققوا نهضة مكتملة أو أنهم نجحوا في نقل المجتمعات العربية إلى الحداثة التي كانوا يتطلعون إليها. لكن عدم اكتمال المشروع لما ساد من ايديولوجيات وشعارات وانقلابات عسكريتالية لا يعني عدم وجوده، وفشل بعض مساراته لا يعني أنها لم توجد بوجود زعماء عقلاء لكن المجانين والمهووسين منهم أكثر!
4/ النهضة ليست شهادة نجاح تمنحها الأمم لنفسها
وهذه نقطة تاريخية شديدة الأهمية. فالنهضة ليست شهادة نجاح تمنحها الأمم لنفسها، وليست نسخة عربية من النهضة الأوروبية. إن الدراسات الحديثة نفسها تنبه إلى أن ترجمة “Nahda” إلى Renaissance قد تحجب تعدد المعاني التاريخية للمصطلح، إذ كان يشير في القرن التاسع عشر إلى أشكال متداخلة من اليقظة الثقافية والسياسية والإصلاح والتعليم والتجدد. ومن هنا يمكن أن أتفق مع أدونيس في شيء واحد فقط: ينبغي ألا نحول كلمة “النهضة” إلى أسطورة مريحة، وألا نتصور أن مجرد انتشار الصحافة والمدارس والترجمة قد صنع نهضة مكتملة. لكن هذا شيء، والقول بعدم وجود نهضة عربية حديثة أصلاً شيء آخر تماماً. إن المؤرخ لا يسأل: هل كانت النهضة العربية ناجحة مئة في المئة؟ بل يسأل: ما الذي تغيّر؟ ومن الذي غيّره؟ وما الذي أخفق؟ ولماذا؟ وما الذي بقي مفتوحاً للمستقبل؟ وعندما نطرح الأسئلة بهذه الطريقة يتغير المشهد كله. لقد شهد العالم العربي منذ القرن التاسع عشر انتقالات عميقة في التعليم والقانون والصحافة والمدينة والاقتصاد والإدارة والجيش والفكر والأدب والفنون. وظهرت حركات وطنية وقومية وإصلاحية ودستورية، وتأسست جامعات ومؤسسات علمية كانت في الحقيقة نوعية سابقا وقد ضعفت اليوم ، وتطورت الرواية والمسرح والشعر الحديث والفكر السياسي والاجتماعي. ثم جاءت أجيال عربية بعد الاستقلالات أسست دولاً وجامعات ومراكز بحثية وصناعات ومؤسسات مالية وتقنية وثقافية، وظهرت تجارب عربية معاصرة تختلف في نجاحاتها وإخفاقاتها. وهذه الأخيرة تحديداً هي التي تجعلني أتحفظ على خطاب “الانقراض”. فالعرب ليسوا كتلة واحدة، كما أن العالم العربي ليس دولة واحدة ولا تجربة واحدة. هناك مجتمعات عربية تعاني حروباً وانهيارات مؤسسية، وهناك مجتمعات بنت دولاً أكثر استقراراً، وأخرى تستثمر بقوة في التعليم والتقنية والفضاء والطاقة الجديدة والثقافة، وهناك ملايين العرب الذين أثبتوا، داخل العالم العربي وخارجه، قدرات علمية وطبية وهندسية واقتصادية وإبداعية لا يمكن إنكارها. بل إن المفارقة أن أدونيس نفسه قال في أحد حواراته إن الإنسان العربي، بما في ذلك العلماء والمهندسون والأطباء والمفكرون، يستطيع أن يتفوق عندما تتوافر له البيئة المناسبة، وإن المشكلة عنده في المؤسسات والأنظمة أكثر منها في قدرات الأفراد. ستبقى أسماء الرصافي والسنهوري وجورج قرم وأم كلثوم وفيروز والقصبجي والعروي والمهدي المنجرة والجواهري والسياب وغيرهم علامات فارقة في النهضة العربية الحديثة.
5/ محاولات لاغلاق المستقبل
هنا أسأل: إذا كانت القدرة البشرية موجودة، فكيف أصبح “الانقراض” قدراً محتوماً؟ إن المشكلة الحقيقية، في رأيي، ليست في “العرب” بوصفهم مادة بشرية، وإنما في الشروط التاريخية التي تحول دون تحويل القدرات البشرية إلى قوة اجتماعية ومؤسسية وإبداعية مستدامة. وهذا فرق هائل. ثم إن أخطر ما في خطاب الانقراض ليس خطأه العلمي فقط، بل أثره النفسي والثقافي. فالأجيال الشابة التي تسمع باستمرار أن أمتها لا مستقبل لها قد تتحوّل من النقد إلى اللامبالاة، ومن الإحباط إلى الانكفاء، ومن فقدان الثقة إلى البحث عن مستقبلها خارج مجتمعاتها. والمفكر الحقيقي لا يكتفي بتشخيص المرض؛ عليه أيضاً أن يترك للإنسان إمكانية الفعل. لقد قال أدونيس في حوار سابق إننا لا نستطيع معرفة المستقبل، وإن في الشعوب دائماً قوى تستطيع أن تجد حلولاً ومخارج وآفاقاً جديدة.⁴ وهذه العبارة، في رأيي، أكثر عمقاً وإنصافاً من أحكام النهاية المطلقة؛ لأن المستقبل ليس أرشيفاً مغلقاً، بل مجال للفعل الإنساني. هنا تحديداً يبدأ دوري كمؤرخ. أنا لا أريد أن أقول إن العرب بخير، ولا أن تاريخهم سلسلة من الانتصارات. العكس تماماً. هناك إخفاقات كبرى، واستبداد، وحروب أهلية، وانقسامات، وتراجع في إنتاج المعرفة، وأزمات تعليمية واقتصادية، وتصدّعات في الدولة والمجتمع، وكل ذلك يحتاج إلى نقد صارم لا إلى مجاملة. لكنني أرفض أن يتحوّل النقد إلى قدرية تاريخية أو دعوة للشلل الجمعي. فالتاريخ لا يقول لنا إن شعباً ما محكوم عليه بالموت الحضاري. التاريخ يقول إن المجتمعات تصعد وتهبط، وتتغير وتعيد تشكيل نفسها ، وتتعلم أحياناً من هزائمها أكثر مما تتعلّم من انتصاراتها. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: “هل سينقرض العرب؟” بل: هل يستطيع العرب أن يحولوا ما بقي لديهم من رأس مال بشري وثقافي وتاريخي إلى قوة فاعلة تصنع المستقبل؟ وهذا سؤال مفتوح. وربما كانت مهمتنا اليوم، بدلاً من صناعة اليأس، أن نبحث في شروط الإجابة عنه: دولة أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر عقلانية، وتعليم ينتج المعرفة لا يحفظها فقط، واقتصاد ينتج القيمة لا يستهلكها، وعلم وتكنولوجيا، وثقافة قادرة على الحوار مع العالم من موقع الفاعل لا التابع ، ومفكر يقرأ أكثر مما يتكلم !
إنني لا أرى في ذلك رومانسية قومية، بل أراه واجباً تاريخياً. أما أن نقول لشباب عربي لم يولد بعد إنه سينقرض، فذلك ليس تنبؤاً بالمستقبل؛ إنه محاولة لإغلاق المستقبل قبل أن يبدأ. والتاريخ، يا سادة، لم ينته بعد ، ولا يزال العرب قادرين على أن يكتبوا فصولاً لم تُكتب. فالنهضة التي لم تكتمل ليست نهضة لم توجد، والمجتمع الذي تعثّر ليس مجتمعاً محكوماً عليه بالفناء، والتاريخ الذي أثقلته الهزائم ليس تاريخاً بلا مستقبل. إن أخطر ما يمكن أن ينقرض اليوم ليس العرب، بل الإيمان بقدرة الإنسان العربي على الفعل. لا يمكن ابدا استسهال التنكيل باي شعب من الشعوب ان جيل اليوم وجدته أكثر انفتاحا على المستقبل ، ولم تعد تهمه العنعنات العنصرية والطائفية ، خصوصاً ، فمستقبلنا افضل بكثير من ماضينا ، وكفى الجيل الماضي وهو يعلن دوماً عن ازماته وأمراضه النفسية وتناقضاته دون أي ذكر لأية إيجابيات .
6/ مجتمعاتنا ليست بحيرة أسماك يأكل أحدها الآخر !
المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد من مساءلة الوقائع إلى بناء صورة أحادية لا ترى في تاريخنا ووجودنا إلا العجز والانقسام والعنف، فتغيب عنها تماماً لحظات الإبداع، وتجارب الإصلاح، ومنجزات العلماء والمفكرين والمبدعين، والتحولات التي صنعتها أجيال عربية متعاقبة. عندئذ لا يعود الأمر نقداً للذات، بل يصبح اختزالاً للذات وسعياً لانقراضها .
لابد ان ندافع عن حق التاريخ في أن يكون مركباً. فالعرب ليسوا ملائكة، ولكنهم ليسوا أيضاً “أسماكاً متوحشة يأكل بعضها بعضاً”. وهذه صورة غير مقبولة وتثير الاشمئزاز ، فالمجتمعات البشرية كلها عرفت الصراع والاقتتال والانقسام، لكن تاريخها لا يُختزل فيها ، ولا يتم التنكيل به . وإلا فما الذي بقي من تاريخ أوروبا بعد الحروب الدينية وحربين عالميتين؟ وما الذي بقي من تاريخ روسيا بعد ستالين؟ وما الذي بقي من تاريخ الصين بعد الثورة الثقافية؟ وما الذي بقي من تاريخ الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية والعبودية؟ هل نحكم على شعب من خلال أسوأ لحظاته فقط؟ قلت لصاحبي قبل أن اكتب هذا المقال : هذه دعوات يأس تصدر من رجل متشائم ، أجابني : أبداً ، هذا الرجل بمنتهى النشوة ، وهو يطلق أحكامه كونه يقصدها . فهل تأمل المرء في مثل هذه الأحكام وأسبابها ومسبباتها ؟
دعونا نتفاءل بمجتمعات جديدة، فلنبدأ أولاً باستعادة هذه القدرة على الفعل ، فاعادة التفكير سيغير حتما من اسلاب وبقايا القرن العشرين الى ثمار ناضجة في نهايات القرن الحادي والعشرين .



