الأيديولوجيات والمطلقات حين تدمّر الأخلاقيات والمعرفة والرؤية المتمدنة/سيّار الجميل

الشهادات العليا لا تصنع المواهب والملكات
غدت الشهادات العليا في مجتمعاتنا كالحلوى التي تفرح بها الأطفال!
1- بقايا مؤدلجة، ومصالح بنتهامية، وعلاقات جهوية، ومراكز قوى تتحكّم بالمشهد الثقافي
لا يكتمل مشهد الاختلال هذا من دون الإشارة إلى تلك الشبكات الخفية التي تُدير الثقافة من وراء ستار. فثمة جماعات لا ترى في الإبداع إلا صدى لأيديولوجيتها، تقيس النصوص بمدى خضوعها لا بعمقها، وتمنح الشرعية على أساس الولاء لا الكفاءة. وبموازاتها، تنشط جماعات أخرى لا يحكمها فكر بقدر ما تحكمها علاقات بنتهامية نفعية ضيقة، حيث تتحول الثقافة إلى شبكة مصالح ، هذا يروّج لذاك، وذاك يفتح المنبر لهذا، في تبادلٍ مريب للأدوار والمنافع، تُقصى فيه كلّ قيمة لا تدخل ضمن “حلقة الثقة”. وتزداد الصورة قتامة حين تتدخل رؤوس الأموال، لا بوصفها راعية للثقافة، بل موجِّهة لها، تفرض الأسماء، وتدفع باتجاه ما يخدم حضورها ونفوذها، حتى لو كان ذلك على حساب المعنى ذاته. وهكذا، لا يعود غريبًا أن نرى بعض هذه الوجوه وقد تسلّلت إلى مراكز قوى، تمسك بالإعلام، وتؤثر في القرار الثقافي، بل وتمتد أذرعها أحيانًا إلى المجال السياسي، في تواطؤٍ يجعل من الثقافة أداة، لا رسالة؛ وسوقًا، لا قيمة.
2- السلوكيات والاخلاقيات المدمّرة
على امتداد عقود طويلة، وقع جزء من المثقفين العرب في تناقضٍ مؤلم بين الخطاب والممارسة؛ يرفعون شعار العروبة في المنابر والكتابات، لكنهم عند أول اختبار يقدّمون الولاء القطري الضيق على أي انتماءٍ أوسع، حتى تبدو العروبة عند بعضهم مجرد زينةٍ خطابية لا مشروعًا فكريًا أو أخلاقيًا. حتى وصل الأمر ان تكون معبودته، وعندما رحلت موديلاتها غدا يمّثل دور الاسلامي بتصرفاته وعباراته ومنهم من يحيط نفسه بهالةٍ من التفوق، فينظر إلى أقرانه باستعلاء، ويعامل الاختلاف الفكري بوصفه نقصًا في الآخرين لا مساحةً للحوار أبداً ، فتغدو الثقافة عنده وسيلةً لتكريس المكانة الشخصية بدل أن تكون جسرًا للمعرفة والتنوير. بل ويصل الأمر عند البعض أنه يرى نفسه أعلم من في الوجود .. ويزبد ويرعد في اول مواجهة مع الآخرين . ان العلاقات بين المثقفين العرب خصوصا من أسوأ ما يمكن مع ثمة استثناءات رائعة ان جمعت صداقات عميقة بين المثقفين والاكاديميين . وفي المقابل، برزت نماذج أخرى أسهمت في تعميق الانقسام؛ مثقف يتعصب ضد القوميات الأخرى التي تشاركه الوطن، فيستبدل رسالة الثقافة الجامعة بخطاب الإقصاء والكراهية، وآخر يرهن مواقفه لمصالحه المعيشية، فإذا استقر في بلدٍ ثري خشي على رزقه، فآثر التملق والتزلف على قول الحقيقة، حتى غدا صوته صدىً لما يرضي أصحاب النفوذ لا لما يمليه الضمير. وبين الاستعلاء، والتعصب، والانتهازية، فقدت الثقافة عند هذه النماذج كثيرًا من رسالتها النقدية، وتحوّل المثقف من شاهدٍ على الحقيقة إلى أسيرٍ للمصلحة أو الهوى أو الخوف.
3- كيف تستعيد الثقافة العربية أخلاقياتها؟
استعادة الأخلاقيات في الثقافة ليست شعارًا يُرفع، بل معركة تُخاض. تبدأ أولًا بإعادة الاعتبار للمعيار، لا للشخص؛ للنص، لا للاسم؛ وللمعرفة، لا للانتماء. لا بد من كسر حلقات التواطؤ الصامت، وفضح شبكات المجاملة التي تحوّلت إلى نظام مهترئ غير معلن يُدير المشهد.
كما أن تحرير المنصات الثقافية من سطوة رأس المال والأيديولوجيا شرطٌ لا غنى عنه، لأن الثقافة التي تُدار بالتمويل المشروط أو الولاء الفكري والسياسي والايديولوجي ليست ثقافة، بل دعاية مقنّعة. ثم يأتي الدور الحاسم للمؤسسات التعليمية والإعلامية: إعادة الاعتبار للغة، مع تدريب الأجيال على القراءة العميقة، وتعليمهم أن الثقافة ليست “ظهورًا”، بل مسؤولية. ولا يقلّ أهمية عن ذلك، إعادة الاعتبار للمثقفين الحقيقيين، أولئك الذين أُقصوا لأنهم لا يُجيدون التصفيق، ولا يدخلون في شبكات المصالح ولا المحاصصات. من دون ذلك ، ستظل الساحة ممتلئة بالمهرجين … وخاوية في آنٍ واحد من المبدعين . ان ترسيخ أخلاقيات صارمة في نسب الأفكار، وتجريم الاستلابات الفكرية معنويًا ومهنيًا، لأن الثقافة التي لا تحمي أصحابها، لا تستحق أن تُسمّى ثقافة.
4- حين تصبح الشهادة العليا أداة للتنطّع وغطاءً للعجز الثقافي والعلمي معا
اعتقد ان العلماء المخلصين يشاركونني في نقد ظاهرة أخذت تتسع في عدد من جامعاتنا العربية: التوسع الهائل في منح الشهادات العليا من دون أن يوازيه توسع مماثل في المعرفة والبحث والموهبة والخلق الأكاديمي. ولست هنا ضد التعليم العالي، ولا ضد إتاحة الدراسات العليا أمام أوسع عدد ممكن من أبناء المجتمع؛ بل إنني أرى التعليم حقًا وضرورة. لكنني أميز بوضوح بين إتاحة فرصة التعلم وبين منح لقب علمي لا يستند إلى استحقاق علمي حقيقي. لكن لندرك ان الجامعات في العالم هي ليست مجالات تعليم حسب ، بل ميادين بحوث علمية حقيقية تشارك في تطور الأمم.
فالدكتوراه، في أصل معناها، ليست شهادة مدرسية أكبر من الماجستير، وليست مرحلة إضافية في السلم الوظيفي، وليست وسيلة للحصول على لقب اجتماعي يسبق الاسم. إنها، قبل كل شيء، شهادة على قدرة صاحبها على إنتاج معرفة جديدة، وعلى امتلاك عقل نقدي مستقل، وعلى الدخول في حوار جاد مع المعرفة الإنسانية. ولذلك فإن من يحصل عليها من دون أن يمتلك أدواتها الفكرية إنما يحمل ورقة، لا يحمل قيمة علمية. المشكلة الأكثر خطورة أن بعض جامعاتنا بدأت تتعامل مع الدراسات العليا بمنطق الأعداد: عدد المقبولين، وعدد الخريجين، وعدد الأطروحات، وعدد الألقاب العلمية. وهكذا أصبح النجاح يُقاس أحيانًا بكمية الشهادات التي تُمنح، لا بنوعية العقول التي تُنتجها الجامعة.
5- الانفصال الكبير بين الشهادة العليا والثقافة.العامة والحيز التخصصي
قد تجد شخصًا يحمل الدكتوراه، لكنه لا يستطيع بناء سؤال معرفي حقيقي؛ وقد تجد آخر يكتب عشرات الصفحات دون أن ينتج فكرة واحدة؛ وثالثًا يكرر ما قاله السابقون بلغة ثقيلة ومترهلة؛ ورابعًا يتعامل مع الأستاذية بوصفها سلطة اجتماعية لا مسؤولية معرفية. وقد يحمل أحدهم أعلى الألقاب الجامعية، ولكنه يفتقر إلى القراءة الواسعة، واللغة السليمة، والذائقة الفكرية، والاستقلال في الحكم، بل وربما يفتقر إلى أبسط شروط النزاهة العلمية. وهنا يجب أن نقولها بوضوح: ليست كل شهادة عليا شهادةَ استحقاق معرفي. فقد تكون الشهادة صحيحة من الناحية الإدارية، مستوفية الإجراءات واللوائح، لكنها فقيرة من الناحية العلمية. والفرق بين الأمرين كبير. إن الجامعة تستطيع أن تمنح الورقة، لكنها لا تستطيع أن تمنح صاحبها الموهبة بالقانون، ولا العمق بالتعليمات، ولا الخيال العلمي بقرار إداري، ولا النزاهة بمرسوم. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للجامعة هو أن تتحول الشهادة إلى بديل عن الموهبة.
6- المعرفة : مناهج وابداع : فهل من اعادة تعريف لقيمة الدكتوراه في مجتمعاتنا ؟
فالموهبة هي الأصل، والتدريب يصقلها، والجامعة توسعها، والبحث يختبرها، والمناقشة العلمية تكشف قوتها وضعفها. أما أن نتصور أن مجرد المرور في برنامج دراسات عليا يكفي لصناعة عالم أو مفكر أو باحث، فذلك وهم تربوي وثقافي. ولا يعني هذا أن الموهبة وحدها تكفي. فالعالم يحتاج إلى المعرفة المنهجية، وإلى التدريب، وإلى الصبر، وإلى المؤسسات، وإلى التراكم. لكن التدريب لا يصنع دائمًا موهبة من العدم. يستطيع أن يطور الباحث الجيد، ولكنه لا يستطيع أن يحول العجز الفكري إلى عبقرية بمجرد منحه شهادة. ان الدكتوراه الحقيقية ليست «لقبًا» قبل الاسم، وإنما مسؤولية بعد الاسم. إنها تعني أن صاحبها قادر على أن يقرأ أكثر مما يكتب، ويعرف يتكلم قبل ان يهذي بشعبويته ، وأن يشك فيما يقرأ، وأن يختبر ما يعتقد، وأن يميز بين الحقيقة والرأي، وأن يعرف حدود معرفته قبل أن يدعي امتلاكها. وتعني كذلك أن يكون قادرًا على الاعتراف بخطئه، لأن الباحث الذي لا يستطيع الاعتراف بالخطأ يتحول عاجلًا أو آجلًا إلى موظف يدافع عن أفكاره، لا إلى عالم يبحث عن الحقيقة.
7- الازمة في التيبس الحضاري
ومن هنا فإن أزمة الشهادات العليا ليست أزمة جامعية فقط؛ إنها أزمة ثقافية وأخلاقية. فحين يصبح اللقب أهم من المعرفة، يتحول الأستاذ إلى صاحب امتياز. وحين يصبح المنصب أهم من البحث، يتحول البحث إلى وسيلة للترقية. وحين تصبح العلاقات أقوى من المعايير، وتوحش الاجلاف بقلة الذوق يسبق الاخلاقيات تصبح المناقشة الأكاديمية إجراءً شكليًا. وحين تغيب النزاهة، يمكن أن تنتج المؤسسة عشرات الأطروحات من دون أن تنتج عقلًا واحدًا قادرًا على تغيير المعرفة. وهذا هو التيبس الثقافي الذي ينبغي أن نخاف منه. فالجامعة التي تكثر فيها الشهادات ولا تتسع فيها الأسئلة ليست جامعةً حية، وإنما مؤسسة لإعادة إنتاج الألقاب. والجامعة التي يزداد فيها عدد حملة الدكتوراه بينما ينخفض مستوى اللغة والقراءة والنقد والإبداع واتساع الرؤية وتقبل النقد ، لا ينبغي أن تتباهى بكثرة خريجيها، بل ينبغي أن تسأل نفسها: ماذا أنتجنا فعلًا؟
8- العالم لا يعترف بكم كما كان بسبب فوضى المعايير
إن معيار الجامعة ليس عدد من منحتهم الدكتوراه، وإنما عدد الأفكار الجديدة التي خرجت منها، وعدد الأسئلة التي فتحتها، وعدد الأبحاث التي غيرت فهمنا للإنسان والمجتمع والتاريخ والطبيعة، وعدد الباحثين الذين استطاعوا أن يقفوا على أقدامهم الفكرية بعيدًا عن سلطة الأستاذ والجامعة والوظيفة. والاعتزاز بمن هو افضل ومنحه مكانته لا عزله وتهميشه من قبل الاخرين . وان الدولة التي تحترم نفسها ينبغي ان تختار وزراء تعليم عالي وعمداء ورؤساء مجامع علمية من ذوي الخبرة والمكانة العلمية بعيدا عن سياسيين تافهين . ان وزراء التعليم العالي والبحث العلمي ورؤساء الجامعات الفارغين دمّروا من خلال محسوبياتهم على هذا الحزب وتلك المشيخة وذاك الفصيل اغلب مرافق التعليم العالي والبحث العلمي العربي منذ أكثر من خمسين عاما .
9- الخصال والمواهب وقوة الشخصية وقياس الابداع
ولهذا أقول إن الشهادة العليا ينبغي أن تكون امتيازًا معرفيًا لا حقًا آليًا. ليس المقصود أن نجعلها امتيازًا طبقيًا أو أن نغلق أبواب الدراسات العليا أمام الناس، وإنما أن نجعل الوصول إليها مرتبطًا باستحقاق حقيقي: موهبة، وقدرة، ومعرفة، ومنهج، ونزاهة، وإنتاج علمي يمكن الدفاع عنه أمام النقد. أما أن يصبح الحصول على الدكتوراه هدفًا في ذاته، وأن تتحول الجامعات إلى خطوط إنتاج للشهادات، وأن يتساوى صاحب العقل الخلاق مع صاحب الأطروحة الضعيفة لمجرد أن كليهما يحمل اللقب نفسه، فهذه ليست ديمقراطية في التعليم؛ إنها تسطيح لمفهوم العلم نفسه. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كم دكتورًا لدينا؟ بل: كم واحدًا منهم يستطيع أن يضيف شيئًا إلى المعرفة؟ ويبرز ليكون علامة فارقة في بلده ومنطقته والعالم أجمع . فبين الدكتوراه بوصفها شهادة، والدكتوراه بوصفها استحقاقًا معرفيًا، مسافة شاسعة. وبين ذوي رتب الاستاذية بلا استحقاق وبين العلماء الحقيقيين مسافات ضوئية ! وقد يكون أخطر ما فعلناه في ثقافتنا الجامعية الحديثة أننا ملأنا هذه المسافة بالألقاب، وتركناها فارغة من المعرفة.
10- الخاتمة:
في النهاية، ليست المشكلة في أن الثقافة العربية تمرّ بأزمة، فكل ثقافة تعرف لحظات ضعفها، بل في أن كثيرين ممن يتصدّرونها ( من اساتذة جامعات ) لا يعترفون بوجود هذه الأزمة أصلًا. يتصرفون كأن كل شيء على ما يرام وعال العال ، بينما السفينة تمتلئ بالماء. لكن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: لا يمكن لثقافةٍ أن تستعيد عافيتها ما دامت تكافئ الرداءة، وتُقصي الجدارة، وتُجمّل الفشل. وتدافع باللسان السيئ ، وما لم يُرفع هذا الغطاء السميك من المجاملات أو السفاهات قليلة الأدب ، وما لم يُفتح الباب على مصراعيه لنقدٍ صريحٍ لا يخشى الأسماء ولا المناصب ولا السلطات سياسية كانت ام اجتماعية مسؤولين كانوا ام رجال دين أم ( اساتذة جامعات) ، فإن ما نراه اليوم ليس سوى بداية الانحدار… لا نهايته.



