مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

المنهج التحليلي والمنهج النقدي المقارن المنهج التحليلي والمنهج النقدي المقارن وأثرهما في إعادة بناء السردية التاريخية العربية على ضوء المدارس الجديدة في العالم/أ.د. سيّار الجميل

images 3

(رؤية مختزلة عن بحث مطّول القي اليوم في جامعة سكاريا )
اسعدتم صباحا وشكرا لرئيس الجلسة الاخ البروفيسور عبد الله ابراهيم وهو المحاور الاساسي لهذا ” الموضوع” فضلا عن الاخ الدكتور باسم الجمل معنا على المنصة ، متمنيا ان تحقق ندوتنا هذه أهدافها السامية شاكرا دعوتكم الكريمة ، وثنائي الى مركز مجتمع في لندن والى معهد دراسات الشرق الاوسط بجامعة سكاريا في الجمهورية التركية . دعوني اختزل في خطابي ما طلب مني الكلام فيه عن المنهج التحليلي والمنهج النقدي المقارن وأثرهما في أعادة فهم التاريخ لدى العرب المعاصرين على ضوء المدارس الجديدة في العالم اليوم . والحقيقة اذا قارنت بين اجيال ثلاثة من المؤرخين العرب ، سنجد ان جيل الرواد كان افضل بكثير من جيل أتى من بعده .. اما الجيل الثالث فهو لا يرقى ابدا الى مستوى المنهج التحليلي ولا يدرك معنى النقد التاريخي المقارن مع وجود استثناءات هنا او هناك. فكيف سيدرك العمل بالمناهج الجديدة التي تتطور اليوم بشكل كبير ؟ اذ لم يعد التاريخ في الدراسات الحديثة مجرد سرد للأحداث أو تجميع للروايات، بل تحوّل إلى حقل معرفي متعدد التخصصات يتداخل فيه التاريخ مع الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا واللسانيات.والفينولوجيا.. ومع ذلك، ظلّ جانب كبير من الكتابة التاريخية العربية والإسلامية أسير المنهج السردي القائم على نقل الأخبار وتركيبها أو ترجمتها على علاتها أكثر من تفسيرها ونقدها، الأمر الذي أتاح المجال لتسرّب كثير من التشويهات والأحكام الأيديولوجية وتفاقم الاخطاء واستمرارها ناهيكم عن الاحكام المسبقة .والانحيازات بالضد من سلالات وزعماء وعهود ودول ومجتمعات ونخب وطبقات واستهانة بالمصادر مع غلو وتطرف وكراهية فاضحة واثارة للمثالب والسلبيات واخفاء المنجزات والايجابيات . تهدف هذه الدراسة إلى بيان أهمية المنهجين التحليلي والنقدي في إعادة بناء السردية التاريخية العربية والإسلامية، وإبراز دورهما في الانتقال من الرواية إلى التفسير، ومن النقل إلى التحليل، ومن اليقين المطلق إلى المساءلة العلمية.
شهد علم التاريخ خلال القرن العشرين تحولاً عميقاً، فلم يعد المؤرخ يكتفي بجمع الأخبار وترتيبها زمنياً، بل أصبح مطالباً بتفسير الاحداث ليكون مؤرخا وفهم الظواهر التاريخية ليكون تاريخانياً وتحليل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي صنعتها. وثمة ضرورة إلى هذا التحول في الدراسات العربية بسبب تراكم القراءات الأيديولوجية والطائفية والقومية والمنطلقة من زوايا سياسية ومذهبية كلها أسهمت في تشويه كثير من وقائع التاريخ. ومن هنا تأتي أهمية المنهجين التحليلي والنقدي بوصفهما أداتين لإعادة كتابة التاريخ وفق معايير علمية حديثة.
أولاً: مفهوم المنهج التحليلي والمنهج النقدي
يقوم المنهج التحليلي على تفكيك الاحداث او استكشاف الظاهرة التاريخية وتحليلها إلى عناصرها الأساسية، وربطها بالبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي أنتجتها، بحيث لا يقتصر البحث على وصف الحدث، وإنما يسعى إلى تفسيره والكشف عن أسبابه ونتائجه. أما المنهج النقدي فيقوم على إخضاع المصادر التاريخية للفحص والتدقيق، وتحليل ظروف إنتاجها، والكشف عن دوافع مؤلفيها وانحيازاتهم، وعدم التعامل مع الرواية التاريخية او كتب المذكرات بوصفها حقيقة نهائية، بل باعتبارها نصاً يحتاج إلى اختبار ومقارنة. وقد مهّد ابن خلدون لهذا الاتجاه عندما دعا إلى نقد الأخبار وعدم الاكتفاء بالنقل، ولكن لم يطبقه على نفسه في كتابه ” العبر .. ” ثم تطورت هذه الرؤية في الدراسات الحديثة مع أعمال إدوارد كار، ومارك بلوخ، ومدرسة حوليات الفرنسية. ومدرسة فرانكفورت الالمانية ، ومدرسة التحقيب الاميركية .
ثانياً: الجذور العربية الإسلامية للمنهج التاريخي
أسهم الفكر التاريخي العربي الإسلامي في تأسيس عدد من أنماط الكتابة التاريخية التي أصبحت فيما بعد منطلقاً لكثير من المدارس الغربية، ومن أبرزها:
1/ التاريخ الاخباري التداولي( Chronicle History
2/ التاريخ الموسوعي العالمي ( Comprehensive History
3/ التاريخ الحولي ( = الحوليات ( Annals
4/ التاريخ المحلي ( = المدن ( Local History
5/ تاريخ السير التراجم (Biographical History
6/ تاريخ الطبقات النخب والجماعات (Classes and Elets
7/ تاريخ البلدان البلدانيات ( Municipal History
8/ تاريخ الاسر والقبائل الحاكمة (Dynasties History)
9/ التاريخ الجملي الرموز والتعابير والنقوش( Chronographic History)
10/ التدوين على اساس التحقيب والتقسيمات على المراحل (Periodizatin)
ويعد ابن خلدون أبرز من نادى بنقل الكتابة التاريخية من مجرد تسجيل الوقائع إلى البحث في قوانين العمران البشري والعوامل المحركة للتاريخ، وهو ما جعله من أهم رواد الفكر التاريخي العالمي ، لكنه لم يطبق هو نفسه القواعد التي نادى بها على عمله الكبير تاريخ العبر .
ثالثاً: المنهج التحليلي في دراسة التاريخ العربي والإسلامي
يمثل المنهج التحليلي انتقالاً من مجرد جمع المعلومات إلى تفسير العلاقات العميقة التي تربط بينها، فهو يدرس الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة بوصفها منظومات مترابطة. وقد استفاد هذا المنهج من تطور العلوم الاجتماعية، فأصبح المؤرخ يوظف علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والاقتصاد والجغرافية التاريخية لفهم الظواهر التاريخية. ومن تطبيقاته تحليل الفتنة الكبرى باعتبارها صراعاً سياسياً واجتماعياً، ودراسة الدولة الأموية بوصفها تحولاً من الجماعة الدينية إلى الدولة ذات المؤسسات، وكذلك تحليل التحولات الاقتصادية والاجتماعية في العصور العباسية والعثمانية .
رابعاً: المنهج النقدي وإعادة قراءة المصادر
يرتكز المنهج النقدي على مساءلة النصوص التاريخية وتحليل ظروف إنتاجها، والكشف عن علاقتها بالسلطة والاتجاهات الفكرية السائدة. ولا يعني النقد رفض المصادر، وإنما إخضاعها للمقارنة والتحقق، والتمييز بين الرواية الأصلية والإضافات اللاحقة. وقد أسهم هذا المنهج في إعادة قراءة كثير من قضايا التاريخ الإسلامي، ولاسيما نشأة الدولة الإسلامية، والفتنة الكبرى، وتاريخ الخلافة، بعيداً عن القراءات التقليدية التي كرستها الأيديولوجيات المختلفة.
خامساً: نقد السرديات التاريخية العربية ووقفة عند المدرسة التاريخية التركية
تعاني الكتابة التاريخية العربية من عدد من الإشكالات، من أبرزها: نقد النشوّهات والتزيرات في كتابات التواريخ العربية والاسلامية لثلاث زوايا خطيرة :
1/ أزمة المؤرخين العرب
لا تكمن أزمة كثير من المؤرخين العرب اليوم في نقص الأدوات المنهجية بقدر ما تكمن في مناخ اجتماعي ضاغط يفرض رقابة غير معلنة، لكنها أشد فاعلية من أي رقابة رسمية. فثمة خوف متجذر من ردود فعل المجتمع ذاته، لا من المؤسسة السياسية أو الدينية فحسب، بل من جمهورٍ يطالب بتاريخ مُطمئن، يرضي المشاعر لا تاريخٍ صادم، ويبحث عن تأكيد هويته لا عن مساءلتها. لهذا يتردد بعض المؤرخين في الخوض في قضايا حساسة مثل الصراعات المبكرة في الإسلام، أو إعادة تقييم شخصيات تاريخية مُقدّسة في الوعي الجمعي، أو تحليل البُنى القبلية والطائفية بوصفها عوامل فاعلة في تشكيل الحدث. ونجد، على سبيل المثال، أن كثيرًا من الدراسات تتجنب الخوض النقدي العميق في أحداث مثل الفتنة الكبرى، مكتفية بإعادة إنتاج السرديات التقليدية، خشية الاتهام بالتحيّز أو “الطعن في الثوابت”. كما يُلاحظ التردد في مناقشة قضايا مثل العنف السياسي في التاريخ الإسلامي، أو دور الاقتصاد في الفتوحات، رغم حضورها الواضح في الأدبيات العالمية. هذا الخوف الاجتماعي يُنتج نوعًا من “التاريخ المهادن”، الذي يُفضّل السلامة على الحقيقة، ويؤثر التكرار على المغامرة العلمية. والنتيجة هي تعطيل فعلي لوظيفة المؤرخ النقدية، وتحويل التاريخ إلى خطاب تبريري، بدل أن يكون مجالًا للفهم والتفكيك وإعادة البناء. والأكثر خطورة هو صمتهم وسكوتهم على ما ينشر تحريريا وشفويا على الشاشات من اساءات وتدليسات وتزوير فاضح لتاريخنا العربي والاسلامي !! وأستطيع القول ، ان افضل نخبة عربية من المؤرخين هي تلك التي عاشت مرحلة ما بين الحربين العظميين الاولى والثانية اذ تمتعت بمساحة من الحرية وبمناهج حديثة وانتجت في مناخات عربية افضل بكثير من الاجيال التي جاءت من بعدها ، ومنهم : محمد شفيق غربال وطه حسين واحمد امين وأسد رستم ومصطفى جواد وانيس النصولي ونبيه أمين فارس وفيليب حتي وغيرهم ( راجع التفاصيل في : سيار الجميل ، ” الخطاب التاريخي العربي في فترة ما بين الحربين العظميين : محاولة ايبستمولوجية في اثارة بعض الاشكاليات ” ، المستقبل العربي ، السنة 12 ، العدد 123 ، أيار / مايو 1989 ).
2/ التزويرات في صلب تاريخنا العربي والاسلامي
إن استمرار حالة التردد والخشية لدى بعض المؤرخين العرب لا يمكن تبريره أخلاقيًا ولا علميًا، لأنه يمثل إخلالًا جوهريًا بوظيفة المؤرخ بوصفه ناقدًا للحقيقة لا حارسًا للذاكرة المريحة التي تريح وتطرب . فحين يتحول الخوف من المجتمع إلى معيار ضمني يحدد ما يُقال وما يُسكت عنه، يصبح التاريخ رهينة الوعي الجمعي لا موضوعًا للبحث العلمي. إن هذا النمط من “الامتثال المعرفي” لا يقل خطورة عن الرقابة السياسية، لأنه ينبع من الداخل ويُمارَس باسم الانتماء والهوية. والأخطر من ذلك أن بعض المؤرخين يشاركون، عن وعي أو غير وعي، في إعادة إنتاج هذا القيد، عبر تجنبهم المتعمد لموضوعات مثل نقد البنية الطائفية في التاريخ الإسلامي، أو مساءلة الروايات المؤسسة حول الخلافة والشرعية، أو تحليل ظواهر مثل العنف الرمزي والمادي في مراحل مبكرة من التاريخ العربي. أو السكوت على ما يلوكه اليوم رجال دين وكثرة من الاعلاميين من خرافات وخزعبلات باسم التاريخ .. وفي حالات عديدة، جرى التراجع عن أطروحات نقدية أو تلطيفها تحت ضغط ردود الفعل الاجتماعية، كما حدث مع بعض الدراسات التي حاولت إعادة قراءة السيرة أو نقد الروايات التراثية، فواجهت موجات من الرفض الشعبي الحاد. إن هذا الواقع لا يعكس فقط أزمة شجاعة فردية، بل يكشف عن خلل بنيوي في الثقافة التاريخية العربية، حيث يُطلب من المؤرخ أن يكون مؤتمنًا على “قداسة الماضي” بدل أن يكون مسؤولًا عن تفكيكه وتحليله ونقد محتواه . ومن هنا، فإن أي مشروع جاد لتحديث كتابة التاريخ يظل ناقصًا ما لم يترافق مع تحرر فعلي من سلطة المجتمع الرمزية، وإعادة دور المؤرخ فاعلًا نقديًا، لا ناقلًا مطمئنًا لما يُرضي الذاكرة الجمعية.
3/ غلو النزعات الايديولوجية في القرن العشرين
لا يقتصر تشويه قراءة الحقبة العثمانية على الخطاب القومي العربي فحسب، بل يتقاطع معه – على نحو paradox – فان كلا من الطرح الماركسي الراديكالي والكتابة السلفية المتشددة، رغم تناقض مرجعياتها النظرية. فالخطاب القومي، كما تبلور في كتابات القرن العشرين، سعى إلى تصوير العهد العثماني بوصفه “عصر انحطاط” لتكريس سردية النهضة والانبعاث، بينما ذهب بعض المؤرخين الماركسيين إلى اختزاله ضمن نموذج جامد من “الاستبداد الشرقي” وركود البنى الاقتصادية، متجاهلين التباينات الإقليمية والديناميات الداخلية للمجتمعات العثمانية في تاريخ اسميته بالتاريخ الموازي ( كتابي : العثمنة الجديدة والتاريخ الموازي بين العرب والاتراك) . وفي المقابل، وقعت الكتابة السلفية في النقيض التمجيدي، إذ تعاملت مع الدولة العثمانية بوصفها امتدادًا مثالياً للخلافة، فغضّت الطرف عن تناقضاتها السياسية والاجتماعية. وهكذا، التقت هذه الاتجاهات – على اختلافها – في إنتاج قراءات أحادية مغلقة، إما شيطنةً أو تقديسًا .
سادساً:آفاق تطوير الدراسات التاريخية
يتطلب تجديد الكتابة التاريخية العربية اعتماد مناهج أكثر انفتاحاً، وفي مقدمتها: التاريخ الاجتماعي. والتاريخ الثقافي. وتاريخ الذهنيات. والتاريخ الاقتصادي. والتاريخ المقارن. والتاريخ المحلي. والتاريخ الموازي. وتحليل الخطاب. والتحقيب التاريخي. والدراسات البين تخصصية التي تجمع التاريخ بالعلوم الاجتماعية.كما ينبغي تحرير البحث التاريخي من الضغوط السياسية والأيديولوجية، وتعزيز الوصول إلى الوثائق والأرشيفات، وتشجيع الدراسات النقدية الرصينة. وعدم الاستعجال بالنشر دون تدقيق ولا نقد ولا تخريجات ، فالمواد الوثائقية الخام لا ينفع نشرها على عواهنها من دون درس ولا فهم.
سابعاً: فلسفة التجديد التاريخي في حياتنا المعرفية العربية والاسلامية
إن تجديد الدراسات التاريخية العربية والإسلامية لا يقتصر على الإفادة من المناهج التحليلية والنقدية والتفكيكية، بل يتطلب توسيع أفق البحث نحو ميادين جديدة قادرة على استيعاب تعقيد الظاهرة التاريخية. ومن أبرز هذه الميادين: التاريخ الاجتماعي، والتاريخ الثقافي، وتاريخ الذهنيات، والتاريخ الاقتصادي، والتاريخ المحلي، والتاريخ المقارن، والتاريخ الموازي، وتحليل الخطاب، والجغرافية التاريخية، والتاريخ الكمي، والتحقيب التاريخي، والدراسات البينية التي تجمع التاريخ بالعلوم الاجتماعية والإنسانية. ويُضاف إلى ذلك ما يمكن تسميته بالمنهج الرؤيوي، الذي تبنياه منذ ثمانينيات القرن العشرين الذي لا يكتفي بتحليل الماضي، وإنما يربط حركته بآفاق المستقبل، ويقرأ الظواهر التاريخية ضمن مساراتها الممتدة وتحولاتها بعيدة المدى. فالرؤية التاريخية لا تعني التنبؤ بالمستقبل، بل استشراف الاتجاهات الكبرى التي يكشف عنها التراكم التاريخي، وهو ما يجعل التاريخ أداة لفهم المستقبل بقدر ما هو وسيلة لفهم الماضي. كما يبرز من ثناياه مفهوم المخيال التاريخي بوصفه ميداناً بحثياً واعداً، إذ يدرس الصور الذهنية والرموز والتمثلات التي تصوغ وعي المجتمعات بماضيها ، وتؤثر في بناء هوياتها الجماعية، وفي تفسيرها للأحداث وصناعة ذاكرتها. فالمخيال التاريخي لا يقتصر على ما وقع فعلاً، بل يشمل أيضاً ما آمنت به الجماعات وتداولته بوصفه جزءاً من تاريخها، سواء استند إلى وقائع أو إلى أساطير أو إلى سرديات رمزية. ومن هنا، فإن مستقبل الكتابة التاريخية العربية لا يكمن في استبدال منهج بآخر، بل في بناء منهج تركيبي متكامل يجمع بين التحليل والنقد والتفكيك، ويستفيد من الرؤية المستقبلية والمخيال التاريخي، مع المحافظة على صرامة التوثيق العلمي والانفتاح على المناهج العالمية الحديثة. وبهذا يصبح التاريخ علماً لتفسير التحولات الإنسانية وإعادة بناء الوعي الحضاري، لا مجرد سجل لتدوين الوقائع.
ثامناً: الخاتمة : نحو مستقبل معرفي لفهم التاريخ
إن تجديد الكتابة التاريخية العربية والإسلامية لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة معرفية تفرضها طبيعة الدراسات التاريخية المعاصرة. فالمنهج التحليلي يمنح المؤرخ القدرة على تفسير الظواهر التاريخية في سياقاتها المركبة، بينما يوفر المنهج النقدي أدوات فحص الروايات وكشف انحيازاتها وإعادة تقييمها. ولا يتحقق هذا التجديد إلا بالانتقال من السرد إلى التفسير، ومن النقل إلى التحليل، ومن التسليم بالرواية إلى مساءلتها علمياً، مع الإفادة من المناهج الحديثة دون التفريط بخصوصية التراث العربي والإسلامي. وتخلص الدراسة إلى أن التاريخ الحديث لم يعد مجرد وصف للماضي، بل أصبح علماً لإعادة بناء الإنسان في الزمن، عبر تحليل الوقائع وتفسيرها ونقدها ضمن رؤية معرفية متعددة التخصصات، قادرة على إنتاج سردية تاريخية أكثر عمقاً وموضوعية.
إن المؤرخ في القرن الحادي والعشرين لم يعد مجرد جامعٍ للروايات، ولا ناقدٍ للمصادر فحسب، بل أصبح مهندساً للمعرفة التاريخية والمبدع من يهندس المفاهيم ، ويعيد تركيب الماضي، ويفسر الحاضر، ويستشرف المستقبل. ومن هنا، فإن الرؤيوية التاريخية والمخيال التاريخي يغدوان امتداداً طبيعياً للمنهج التحليلي والنقدي، لا خروجاً عليهما، لأن التاريخ في جوهره ليس ذاكرة للماضي وحده، بل وعيٌ متجدد بحركة الإنسان عبر الزمن وآفاقه الحضارية. وأخيرا ، أعتقد أن هذه الفكرة ستمنح الدراسات التاريخية في الامم الاسلامية قاطبة بصمتها الخاصة، وتميزها عن عشرات الدراسات التي تكتفي بعرض المناهج الغربية دون أن تقدم إسهاماً منهجياً عربياً أو اسلاميا جديداً، وهو ما ينسجم مع مشروعنا العلمي الممتد منذ عقود في تطوير مفاهيم مثل الرؤيوية والتاريخ الموازي وتحقيب الأزمنة ونظرية الأجيال والمخيال التاريخي ضمن إطار منهجي واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة