مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

دولة الحيتان العميقة … ووطن الأشلاء والغرقى ✍سيار الجميل

qwqwqw

“ليست المشكلة أن العراق يمتلأ بالفاسدين..بل إن الفساد نفسه أصبح، في نظر كثيرين، جزءًا من طريقة إدارة الدولة. فالفساد لا ينتهي بصيد الاسماك ، بل ينتهي تماما بالقضاء على الحيتان وأحزابهم والبدء بالتغيير الجوهري ” .
1- حين يصبح الفساد نظامًا… هل تكفي العدالة؟
إن أخطر ما واجهه العراق بعد عام 2003 لم يكن الإرهاب وحده، ولا الانقسام السياسي وحده، بل ولادة نظامٍ جعل المحاصصة بديلاً عن المواطنة، والولاء الحزبي بديلاً عن الكفاءة، وتقاسم الدولة بديلاً عن بنائها. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الوزارات مؤسسات وطنية خالصة، بل أصبحت، في نظر كثيرين، ساحات نفوذ تتنازعها القوى السياسية، لكل منها حصتها، ولكل منها رجالها، ولكل منها أدواتها. فكيف يُنتظر من حكومةٍ جاء جانب من أركانها عبر تفاهمات ومحاصصات حزبية أن تخوض معركةً وجودية ضد المنظومة التي أسهمت في تشكيلها؟ وكيف يمكن لمجلسٍ تشريعي يضم قوىً مشاركة في الحكم أن يمارس رقابة صارمة على نظام هو جزء منه؟ إن السؤال لا يتعلق بنزاهة هذا الوزير أو ذاك، ولا بإخلاص هذا المسؤول أو ذاك، بل ببنيةٍ سياسية جعلت الانتماء الحزبي في كثير من الأحيان يسبق الانتماء إلى الدولة.
2- الدولة المختطفة… والبحث عن العدالة
لا أحد يعترض على الترحيب بأي خطوة جادة لمكافحة الفساد. بل إن فرحة العراقيين بأي إجراء يُشعرهم بأن القانون بدأ يستيقظ هي فرحة مفهومة، لأنها تعكس تعطشًا عميقًا للعدالة بعد سنوات طويلة من الإحباط.
إن المشكلة ليست في “الأسماك الصغيرة”، بل في البيئة التي سمحت للحيتان بأن تكبر حتى أصبحت أقوى من بعض مؤسسات الدولة. فإذا بقيت مراكز النفوذ بمنأى عن المساءلة، وإذا استمرت شبكات المصالح قادرة على حماية نفسها، فإن الفساد سيعود بأسماء جديدة ووجوه جديدة، لأن المنظومة التي تُنتجه لم تتغير. إن العدالة الاجتماعية ليست مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل هي ثمرة دولةٍ يشعر فيها المواطن أن القانون لا يميز بين قوي وضعيف، ولا بين حزب وآخر، ولا بين طائفة وأخرى ، ولا بين مسؤول ومواطن. وهي لن تنمو ما دامت مؤسسات الدولة تُدار بمنطق الغنيمة، وما دامت الكفاءة تُزاحمها المحاصصة، وما دام الولاء السياسي يسبق الولاء للوطن.
3- من يحاكم من؟ عندما تصبح المؤسسات أسيرة النظام الحاكم
إن العراق لا يحتاج إلى استبدال وجوه بوجوه، وإنما إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها؛ دولةٍ تُدار بالمواطنة لا بالمحاصصة، وبالكفاءة لا بالمحسوبية، وبسيادة القانون لا بسيادة النفوذ. وعندها فقط يمكن أن تتحول مكافحة الفساد من حملة مؤقتة إلى مشروع وطني دائم، وأن تستعيد العدالة الاجتماعية معناها الحقيقي، لا بوصفها شعارًا في الخطب، بل واقعًا يلمسه المواطن في حياته اليومية. ويبقى السؤال الذي سيظل يلاحق كل حكومة: هل تملك الإرادة لتفكيك المنظومة التي صنعت الأزمة، أم أنها ستكتفي بإدارة الأزمة نفسها بوجوه جديدة؟ إن مستقبل العراق لن يتوقف على عدد المسؤولين الذين يُحاسَبون، بل على قدرة الدولة على بناء مؤسسات لا يحتاج فيها المواطن إلى واسطة لينال حقه، ولا يخشى فيها المسؤول من القانون لأنه يعلم أن القانون لا يستثني أحدًا، ولا يجامل أحدًا.
4- المحاصصة : الفساد الذي ابتلع الدولة
إن أخطر ما واجهه العراق بعد عام 2003 لم يكن الإرهاب وحده، ولا الانقسام السياسي وحده، بل ولادة نظامٍ جعل المحاصصة بديلاً عن المواطنة، والولاء الحزبي بديلاً عن الكفاءة، وتقاسم الدولة بديلاً عن بنائها. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الوزارات مؤسسات وطنية خالصة، بل أصبحت، في نظر كثيرين، ساحات نفوذ تتنازعها القوى السياسية، لكل منها حصتها، ولكل منها رجالها، ولكل منها أدواتها. فكيف يُنتظر من حكومةٍ جاء جانب من أركانها عبر تفاهمات ومحاصصات حزبية أن تخوض معركةً وجودية ضد المنظومة التي أسهمت في تشكيلها؟ وكيف يمكن لمجلسٍ تشريعي يضم قوىً مشاركة في الحكم أن يمارس رقابة صارمة على نظام هو جزء منه؟ إن السؤال لا يتعلق بنزاهة هذا الوزير أو ذاك، ولا بإخلاص هذا المسؤول أو ذاك، بل ببنيةٍ سياسية جعلت الانتماء الحزبي في كثير من الأحيان يسبق الانتماء إلى الدولة.
5- العدالة لا يمكن ان تكون انتقائية في زمن الدولة المتهالكة :
لا أحد يعترض على الترحيب بأي خطوة جادة لمكافحة الفساد. وخطوة السيد رئيس الوزراء الجديد مشكورة جداً بل إن فرحة العراقيين بأي إجراء يُشعرهم بأن القانون بدأ يستيقظ هي فرحة مفهومة، لأنها تعكس تعطشًا عميقًا للعدالة بعد سنوات طويلة من الإحباط والنكوص والفساد وانسحاق الناس . لكن التاريخ يعلمنا أن محاربة الفساد لا تُقاس بعدد أوامر القبض، ولا بعدد المؤتمرات الصحفية، بل بقدرة الدولة على الوصول إلى كلّ من تثبت مسؤوليته ، مهما علا منصبه أو اشتد نفوذه، ومن خلال قضاء مستقل ومحاكمات عادلة وعلنية تكشف الحقيقة أمام الرأي العام. وادانة كل من امتدت يده الى المال العام وتفشي الرشاوي وشراء الذمم بالحرام ويبقى السؤال الذي سيظل يلاحق كل حكومة: هل تملك الإرادة لتفكيك المنظومة التي صنعت الأزمة، أم أنها ستكتفي بإدارة الأزمة نفسها بوجوه جديدة؟ أو تكون مجرد عملية مرحلية ؟؟ إن مستقبل العراق لن يتوقف على عدد المسؤولين الذين يُحاسَبون، بل على قدرة الدولة على بناء مؤسسات لا يحتاج فيها المواطن إلى واسطة أو رشوة لينال حقه، ولا يخشى فيها المسؤول من القانون لأنه يعلم أن القانون لا يستثني أحدًا، ولا يجامل أحدًا.
6- هل تموت منظومة الفساد من داخلها؟ التغيير بديل الاصلاح
أختتم مقول قولي بسؤال كبير: هل تستطيع منظومة صاغت قواعدها بنفسها أن تُصلح نفسها، أم أن التغيير بات ضرورة تاريخية لا لمجرد الإصلاح ، بل ببدء حياة تاريخية جديدة تسودها المواطنة والعدالة والنزاهة والكفاءة والقانون وقوة الانتاج .. يبدأ عندما تصبح الدولة وحدها بمؤسساتها ، لا الأحزاب ومحاصصاتها ، وهي رأس الخراب ، وتكون الدولة وحدها هي المرجع الأعلى في إدارة الشأن العام وتبديل كل الادارات والنظم والغاء كل التشريعات السيئة التي صدرت لاكثر من عشرين سنة مضت . فهل سيتحقق مثل هذا الذي يحلم به كل العراقيين ؟ أتمنى حصول ذلك بحول الله .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة