قراءة تأسيسية في أنطولوجيا الموت والولادة:قصص حسين بن قرين درمشاكي: تفكيك الخطاب، نقض المركز، ولاهوت الجسد الجريح /عفاف التاورغي-ليبيا

مدخل نقدي ممتد: نحو تأويل جذري للحظة القصية
”عندما ينكسر الوطن، لا تنكسر مرآته فقط، بل تنكسر اللغة التي تصفه، والقصيدة التي تؤبّنه، والجدار الذي يُخفي وطناً آخر في غباره.”
في كلِّ عصرٍ تحتاجُ فيه البنيةُ السرديةُ إلى إعادةِ تعريفٍ، يظهرُ كتّابٌ يخلقونَ من رحمِ الانكسارِ أشكالاً جديدةً للتعبير. وهكذا هو حسين بن قرين درمشاكي في مجموعته القصصية القصيرة جداً المنشورة في العدد (42) من مجلة “ليال الثقافية” (تموز 2026)، حيث يقدّم لنا ثماني وقائع سردية، أشبه بثماني أيقونات سريالية، أو ثماني محاولات لتفكيك المركز، وفضح التزييف، وكتابة لاهوتٍ جديدٍ للجسد الوطني الجريح.
هذه القراءة لا تكتفي بالتحليل الأسلوبي، بل تسعى إلى تأويلٍ جذريٍّ للنصوص، يكشف عن طبقاتها الميتافيزيقية، ويغوص في فلسفتها الوجودية، ويتتبّع خيوطها اللاهوتية، ويكشف عن الجيوبوليتيكا الخفية في كلِّ كلمة. إنها قراءةٌ تستثمرُ في النصِ أكثر مما يستثمرُ النصُ فيها، وتفترضُ أن القصةَ القصيرةَ جداً ليست مجرد جنسٍ أدبيٍّ، بل هي فعلُ مقاومةٍ وجودية، وهندسةُ خلاصٍ بالغةِ التكثيف.
المحور الأول: انهيار المركز وتفكيك الهوية
مرآة الوطن بين التشظي والتشرذم
في قصة “قُدَّاسُ رَصَاصَة”، يكتب درمشاكي:
”انكسرت مرآة الوطن، تشرذمت ملامحنا. رصاصةٌ أخرست مآذن الإخاء؛ شُيِّعَت البلاد إلى مقبرة الضغائن.”
هذا النص، على قِصَرِه، يحملُ نظريةً كاملةً في انهيار الدولة القومية الحداثية. فالوطنُ هنا ليس كياناً سياسياً فقط، بل هو “مرآة” تعكس “ملامحنا” الجماعية، أي أن الهوية الوطنية هي انعكاسٌ بصريٌّ، قائمٌ على الرؤية المشتركة، وعلى الاعتراف المتبادل. عندما تنكسر المرآة، تتحطّم هذه الرؤية، وتتشرذم الملامح، فلا تعود تعكس صورةً واحدة، بل شظايا متناحرة.
ولكن الأعمق من ذلك: “رصاصةٌ أخرست مآذن الإخاء”. هنا، يتجاوز الكاتب المجازَ السياسي إلى المجاز اللاهوتي. فالمآذن ليست مجرد مناراتٍ للصلاة، بل هي رموزٌ للنداء، للأذان، للدعوة إلى الاجتماع تحت رايةٍ واحدة. إن إخراسها يعني إسكات خطاب التضامن، وإلغاء فكرة الأمة الواحدة، واستبدالها بخطابٍ طائفيٍّ أو جهويٍّ أو قبليٍّ.
والخاتمة المدوية: “شُيِّعَت البلاد إلى مقبرة الضغائن”. هنا، تصبح البلادُ جثةً تُشيَّع، والضغائنُ هي القبر الذي ستُدفن فيه. لكن من يُشيّع البلاد؟ ومن يحمل نعشها؟ الكاتبُ لا يُجيب، تاركاً السؤالَ يتردد كصدىً في ذهن القارئ: هل نحن، نحن الليبيين، من شيّعنا بلادنا بأيدينا؟ أم أن هناك قوىً خارجيةً هي التي دقّت المسامير الأخيرة في نعش الوطن؟
الجدار: موت الذات وولادة الوطن البديل
في قصة “الجِدَار”، نقرأ هذه الملحمة المصغّرة:
”لم يترك صوتا.. ترك فراغا. ارتبك الشارع. تلعثمت اللافتات، وذاب الضجيج. لم يلتفت لجذور جحدته. نفض غبار ماض مكفوف، وأسلم الروح. حملته الريح.. نبت وطنا كاملا.”
هنا، يقدّم درمشاكي نظريةً وجوديةً في الموت والخلاص. فالجدارُ الذي يموت لا يتركُ صوتاً، بل يتركُ “فراغاً”، وهذا الفَراغُ أكثرُ إزعاجاً من الصوت، لأنه يخلقُ ارتباكاً في الشارع (رمز الجمهور، المجتمع)، ويتسبّب في تلعثم اللافتات (رموز الخطاب الرسمي، السلطة، التوجيه)، ويُذيبُ الضجيجَ (الفوضى الصاخبة التي كانت تخفي الفراغ).
ولكن المفارقة الكبرى تأتي في أن الجدار “لم يلتفت لجذور جحدته”، أي أنه تجاهل ماضيه السلبي، ماضيه الذي ينكره وينفيه، وتخلّى عنه بـ”نفض غبار ماض مكفوف” (ماضٍ لا يبصر، ماضٍ أعمى). ثم جاءت لحظة التسليم: “أسلم الروح”. إنها لحظة استشهاد، لكنها لحظة ولادة أيضاً، لأن الريح حملته، وفي مكان آخر، “نبت وطناً كاملاً”.
ما الذي يقوله هذا النص؟ ربما يقول: إن الوطن القديم الذي نعرفه، والمتمثل في الجدران (الحدود، المؤسسات، الأبنية)، يجب أن يموت، يجب أن يسلم الروح، كي ينبت وطنٌ جديد، وطنٌ متحرّرٌ من غبار الماضي المكفوف، وطنٌ تحمله الريح (رمز التغيير، التجدّد، الروح). لكنه يطرح سؤالاً مرعباً: هل الوطنُ الجديدُ هو وطنٌ حقيقيّ، أم أنه مجرد وهمٍ تحمله الريح؟ هل “نبت” فعلًا، أم أنه سرابٌ آخر؟
المحور الثاني: الجسد الجريح كلاهوتٍ للخلاص
رصاصة الإنقاذ: مفارقة الموت المُنقِذ
في قصة “رصاصة أنقذتني”، يقدّم درمشاكي واحدة من أكثر مفارقاته عمقاً:
*”تمدد فوق سرير المشفى الأبيض. تحسس ضماداً عريضاً يطوق قلبه. ابتسم بوهن لثقب في الجدار؛ يتنفس بعمق لم يعهده. خلف الباب، الطبيب يواسي زوجته الباكية، يسلمها ممتلكاته الراحلة: محفظة ممزقة، ساعة متوقفة، وبقايا ورقة مخضبة بالدماء كُتبت بخط مرتجف: “الليلة.. سأنهي حياتي بيدي”.”
الرجل على سرير المشفى “يبتسم بوهن لثقب في الجدار”، و”يتنفس بعمق لم يعهده”. إنه يعيش لحظةً وجوديةً فريدة: لحظة الانفصال عن الجسد، لحظة الاقتراب من الموت التي تمنحه وعياً جديداً بالحياة. لكن الطبيب، خلف الباب، يُعلن موته الرسمي، ويسلّم زوجته ممتلكاته. الورقة المخضبة بالدم تقول: “الليلة.. سأنهي حياتي بيدي”.
هنا، ينهار التباعد بين الحياة والموت، بين الإرادة الذاتية والقدر الخارجي. الرجل أراد أن يموت بيده، لكن رصاصةً ما (هل هي رصاصته؟ أم رصاصةٌ أخرى؟) أنقذته من الموت الذي اختاره. لكنه، في الوقت نفسه، يموت في المشفى (بحسب الطبيب). هل مات فعلاً؟ أم أن الطبيب أخطأ؟ أم أن الرجل يعيشُ موتاً جديداً، موتاً رمزياً، حيث يُفارق حياته القديمة (المليئة باليأس) ليبدأ حياةً جديدة (مليئة بالتنفس العميق الذي لم يعهده)؟
السؤال الأعمق: لماذا كان الرصاص منقذاً؟ الجواب المحتمل: لأن الرصاص، في هذه اللحظة، أوقف رغبته في الموت، وأجبره على مواجهة الحياة. لكنه، في النهاية، يموت في المشفى. هل هي سخرية القدر؟ أم أن الموت الحقيقي هو موت الإرادة، وليس موت الجسد؟ الجسدُ الآن يعيش، لكن الإرادةَ التي أرادت الموتَ قد ماتت، وُلدت إرادةٌ جديدة، لكنها وُلِدت بعد فوات الأوان.
السجود الطويل: الموت كفرار من الوحشة
في قصة “نَجَاة”، نقرأ:
”إن غبتُ صلاتين؛ فابحثوا عني. وصيةٌ أودعها إمامَ المسجدِ فراراً من وحشة جدرانه. في الصلاة التالية.. استطال سجوده. عادوا به إلى بيته.. امتلأ بالمعزين!”
هذا النص يكاد يكون مرثيةً للحياة الدينية الخاوية. الراوي يفرّ من “وحشة جدران” المسجد، أي أن المسجدَ نفسه، وهو مكان العبادة والتواصل مع الله، أصبح وحشياً، خاوياً، مليئاً بالجدران الباردة التي تزيده عزلةً، لا قرباً إلى الله. يلجأ إلى الإمام ليودع وصيته، وكأن الإمام لا يستطيع أن يمنحه الخلاص، بل فقط أن يستقبل وصيته.
ثم يأتي المشهد الدرامي: في الصلاة التالية، “استطال سجوده”. السجودُ الطويل، في السياق الديني، هو علامةُ خشوعٍ وتقرّبٍ إلى الله. لكن هنا، السجودُ الطويل هو مقدمة للموت. إنه سجودٌ لا يقوم منه، سجودٌ يتحول فيه الجسدُ إلى جثة، والمسجدُ إلى مشرحة، والصلاةُ إلى جنازة.
وعندما يُعاد إلى بيته، “امتلأ بالمعزين”. المفارقة: لم يمتلك بيتُه هذا الامتلاءَ في حياته، لكنه امتلأ بعد موته. إنه نقدٌ قاسٍ للعلاقات الاجتماعية: نحن لا نُقدّر الناس إلا بعد أن يغادروا، ولا نمتلئ بهم إلا عندما يفرغون.
السؤال التأويلي العميق: هل كان هذا الموتُ “نجاةً” حقاً؟ نجاةً من وحشة المسجد، من وحشة الحياة، من جدران العالم التي تضيق به. أم أن الموتَ هو النجاة الوحيدة من وطأة الوجود؟
المحور الثالث: العمى والبصيرة – إعادة تعريف الرؤية
الطفلة العمياء: رؤيةُ الرماد خلف العتمة
في قصة “بعث معكوس”، نصل إلى ذروة السردية الدرمشاكية في التعامل مع البصر والعمى:
”دويّ.. تهاوت معه طفلة حافية، فقدت بَصَرَها وعَلِقَ ذهولها. فرّ الناجون يجرّون ملامحها الممزقة، يتحاشون عَتَمَة وجهها. وفي مهبّ الرماد، رَمَقَتْ جثثهم داخل الإطار!”
هذا النص يعيد تعريف العمى كقوةٍ معرفية، لا كعجزٍ حسي. الطفلة التي فقدت بصرها بسبب الانفجار، أصبحت تمتلك “بصيرة” جديدة: إنها ترى في الرماد جثث الناجين، أي أنها ترى الموتَ في الحياة، بينما الناجون يرون الحياةَ في الموت (أو يحاولون التمسك بها).
”فرّ الناجون يجرّون ملامحها الممزقة، يتحاشون عتمة وجهها”. هذه العبارة تحمل دلالةً نفسيةً عميقة: الناجون يحملون معهم شظايا الطفلة، لكنهم لا يستطيعون النظر إلى “عتمة وجهها”، أي إلى حقيقة المأساة. هم يرفضون رؤية ما حدث، لأن رؤيته تعني مواجهةَ موتهم هم أيضاً، موتهم الروحي، موتهم الإنساني.
وفي النهاية، “رَمَقَتْ جثثهم داخل الإطار”. الفعل “رمقت” يعني نظرتْ بإمعان وتأمل، وهو فعلٌ يدل على الوعي والانتباه. الطفلة العمياء ترى جثث الناجين، بينما هم لا يرونها، ولا يرون أنفسهم. إنها لعبة رؤيةٍ مقلوبة: المبصرون عميان، والعمياء مبصرة.
التأويل الجذري: هل الموتى هم من يرون الحقيقة، والأحياء هم من يعيشون في وهم؟ هل العمى الجسدي هو شرطٌ للبصيرة الروحية، كما هو الحال في الأساطير القديمة (تييرسياس، إيديبوس، شامان الشعوب البدائية)؟ درمشاكي هنا يكتب نصاً وجودياً، بل نصّاً غنوصياً، حيث المعرفة تأتي من فقدان الحواس، والخلاص يأتي من تدمير ما هو مادي.
صناديق العمى: الحقيقة المدفونة تحت غبار السراب
في قصة “صناديق العَمَى”، يستمر هذا الاهتمام بالعمى، لكنه يتحول من صفةٍ فردية إلى بنيةٍ اجتماعية:
”قاده السراب إلى قصر من الغبار. عند العتبة، مزق حرير الهودج.. انكشف الصندوق عن رؤوس حجرية، تطالع مأزقه بأعين عمياء.”
هنا، يصبح العمى سمةً للبنية، للسلطة، للماضي المتصلّب. “السراب” يقود البطل إلى “قصر من الغبار”، أي إلى وهم السلطة، إلى بناءٍ زائفٍ لا أساس له. وعند العتبة (حدّ الفصل بين الداخل والخارج، بين الوهم والحقيقة)، يمزّق حرير الهودج (رمز الستر، الخداع، التزييف). ثم ينكشف الصندوق عن “رؤوس حجرية” (رموز السلطة المتجمّدة، القيادة الجامدة، الأحجار التي لا تتغير) والتي “تطالع مأزقه بأعين عمياء”.
هذه الرؤوس الحجرية هي النخبة الحاكمة، أو المؤسسات التقليدية، أو الآباء المؤسسين، الذين ينظرون إلى مأزق الإنسان المعاصر بعيونٍ عمياء، أي أنهم لا يرون مشكلته، لا يفهمون معاناته، لا يستطيعون إرشاده. بل هم جزءٌ من المأزق نفسه، لأنهم جامدون، متحجرون، لا يتغيرون، ولا يسمحون بالتغيير.
التحليل النفسي السياسي: هذه القصة تعكس حالةً سياسيةً عربيةً عامة، حيث النخب الحاكمة متجمّدة في الماضي، تنظر إلى الحاضر بعيونٍ عمياء، ولا تستطيع أن تدرك مأزق الشعوب. إنها رؤوسٌ حجرية في قصورٍ من غبار، تحكمُ باستخدام السراب، وتُخفي حقيقتها وراء ستارٍ من الحرير الممزّق.
المحور الرابع: السردية الزمكانية – تفكيك الإطار
بوابة السلام: الهروب من الجنة
في قصة “بوابة”، يعالج درمشاكي السخرية الوجودية للخلاص:
”مسح جبينه زَهْواً.. تأمل اللافتة العملاقة: “بوابة السلام”. استدار.. نَسِيَ المفاتيح.. في الدَّاخِل!”
إنها قصةٌ صغيرةٌ تشبه النكتة الفلسفية، لكنها تحمل عمقاً وجودياً هائلاً. البطل يصل إلى “بوابة السلام” (الهدف النهائي، المدينة الفاضلة، الخلاص)، ويمسح جبينه بزهوٍ (فخر، ثقة، شعور بالإنجاز). لكنه، بدلاً من أن يدخل، يستدير (لأي سبب؟)، ثم يكتشف أنه نسي المفاتيح في الداخل! أي أنه كان في الداخل، ثم خرج، والآن هو في الخارج، والمفاتيح في الداخل، فلا يستطيع العودة.
التأويل العميق: السلامُ ليس مكاناً نصل إليه، بل هو حالةٌ نعيش فيها، وعندما نخرج منها (نستدير، نتردد، نغفل) نفقد مفاتيحها، فلا نعود إليها. أو ربما السلامُ هو الوهمُ نفسه، لأن من يدخلُه لا يحتاج إلى مفاتيح، ومن يخرجُه لا يستطيع العودة إليها. المفارقة الأكبر: اللافتة تقول “بوابة السلام”، لكن البطل يستدير وكأن هناك شيئاً ما في الخارج أهم من السلام. إنها رؤية ساخرة للطبيعة البشرية: نحن نبحث عن الخلاص، لكننا عندما نصل إليه، نجد أنفسنا نتمسك بما هو خارج عنه، فنفقده.
التضاد: كتابة الضوء في زمن الاقتحام
نبدأ حيث ينتهي، أو ننتهي حيث بدأنا. في قصة “تضاد”:
”خط قصائده على ورق من ضوء. اقتحموا صومعته. جدران تضج بالبياض، ورجل في الزاوية.. يقرأ ما لا تراه بصائرهم.”
هذه القصة هي المفتاح التأويلي لكل ما سبق. فهي تضعنا أمام “المبدع” (النبي، الشاعر، الكاتب، الصوفي) الذي يكتب على ورقٍ من ضوء، أي أنه يخلق من النور، من الروح، من المعنى. لكن الآخرين (السلطة؟ المجتمع؟ العامة؟) يقتحمون صومعته، ليحولوا ضوءه إلى جدرانٍ “تضج بالبياض”. البياض كان نوراً، لكنه أصبح ضجيجاً، أي أن النورَ تحوّل إلى صخبٍ فارغ.
ورجلٌ في الزاوية، مقهورٌ، مهمّش، يقرأ ما لا تراه بصائرهم. هذا الرجل هو الكاتب نفسه، أو هو القارئ المثالي، أو هو الضمير اليقظ. إنه يقرأ الحقيقةَ التي تخفى على الآخرين، الحقيقةَ التي لا تُرى بالعين، بل تُقرأ بالروح.
هذا النص هو البيان الشعري لمجموعة درمشاكي كلها: الكتابةُ فعلُ نورٍ في زمن الظلمات، لكن النورَ يُقتحم، ويُحوّل إلى ضجيجٍ أبيض، وفي زاويةٍ ما، يبقى رجلٌ يقرأ ما لا يراه الآخرون. هذا الرجل هو نحن، قرّاء درمشاكي، الذين نحاول أن نقرأ وراء الكلمات، خلف الجدران، في عتمة الوجوه، وفي مهبّ الرماد.
المحور الخامس: مقاربات ما بعد حداثية
تفكيك المركز ورفض الرواية الكبرى
نصوص درمشاكي تتفق مع فلسفة ما بعد الحداثة في رفضها للروايات الكبرى (الدولة، الوطن، الدين، الهوية الجامعة). فالوطنُ في قصصه هو مرآةٌ مكسورة، والبلادُ هي جثةٌ تُشيَّع، والدينُ (المسجد، الإمام، الصلاة) هو وحشةٌ وفراغ، والهويةُ هي ملامحُ ممزّقةٌ يجرّها الناجون.
لكن درمشاكي لا يقع في فخّ الرفض المطلق، بل هو يقدّم بديلاً: روحاً تبتكرُ وطناً جديداً، طفلةً عمياءَ ترى الحقيقة، رجلاً يقرأ في الزاوية ما لا يراه الآخرون. إنه يقدّم “روايةً صغرى” بدلاً من الرواية الكبرى، “رؤيةً جانبيةً” بدلاً من الرؤية المركزية، “معرفةً باطنيةً” بدلاً من المعرفة الرسمية.
نقد العنف المؤسّسي والمقدس
تُشكّل قصص درمشاكي نقداً لاذعاً للعنف المؤسّسي (العسكري، السياسي، الديني). ففي “قداس رصاصة”، العنفُ يُقدَّس (الرصاصةُ تصبح قداساً)، وفي “رصاصة أنقذتني”، العنفُ يُخلّص (الرصاصة تنقذ من الانتحار)، وفي “بعث معكوس”، العنفُ يُعمي (يخلق طفلةً عمياء، لكنها تبصر أكثر من المبصرين).
هذا النقد ليس مباشراً، بل يتم عبر المفارقة، عبر تقديم العنف في صورةٍ معكوسة، حيث يصبح موجِداً بدلاً من مُفنٍ، خالقاً بدلاً من مدمّر. لكن المفارقة نفسها تكشف عن بشاعة العنف الأصلي، لأننا لا يمكن أن ننسى، لحظة قراءة هذه النصوص، أن الرصاصَ يقتل، وأن القنابلَ تفجّر، وأن الصواريخَ تُعمي الأطفال.
النص المفتوح والتأويل اللامتناهي
جميع قصص درمشاكي تنتهي بنهاياتٍ مفتوحة، غامضة، قابلةٍ لتأويلاتٍ متعددة. فمن يقرأ “وطنًا كاملاً” في نهاية “الجدار” يمكن أن يفسرها كأملٍ، أو كوهمٍ، أو كسخرية. ومن يقرأ “جثثهم داخل الإطار” في نهاية “بعث معكوس” يمكن أن يرى فيها رؤيةً صوفية، أو كابوساً، أو واقعاً.
هذا الانفتاح يجعل النصوصَ حيّةً، قابلةً للإعادة، للقراءة المتجدّدة. ففي كلِّ مرةٍ نقرأها، نكتشفُ فيها شيئاً جديداً، لأنها لا تُقدّم لنا إجابةً، بل تطرح علينا أسئلةً، وهي الأسئلة التي لا تجيب عنها الحياةُ نفسها.
خلاصات تأسيسية
درمشاكي ككاتب وجودي
ليس من المبالغة أن نصنف حسين بن قرين درمشاكي ضمن كتاب الوجودية في الأدب العربي. فنصوصه تتناول الموتَ، العبثَ، الحريةَ، القلقَ، المسؤوليةَ، بطرقٍ تذكّرنا بكتابات ألبير كامو، جان بول سارتر، وفيكتور فرانكل. لكن درمشاكي يُضيف إلى هذه الرؤية الوجودية بُعداً شرقياً، صوفياً، يتجلى في العلاقة بين العمى والبصيرة، بين الجسد والروح، بين الظاهر والباطن.
درمشاكي كناقد سياسي شرس
وراء الجمالية السريالية، واللغة الشفيفة، والصور المكثفة، يختمر ناقدٌ سياسيٌّ شرس، يرفضُ الانحياز إلى أي فريق، ويكشفُ عن فساد النظام الذي يحوّل البلاد إلى جثة، والمواطنين إلى ناجين يجرّون ملامحهم الممزّقة. إنه يكتبُ من موقع الضحية، لكنه لا يتباكى، بل يُفكّك، يُحلّل، يكشف الآليات التي تنتج الضحايا.
درمشاكي كمؤسس لـ”الواقعية السريالية” في القصة الليبية
إذا كان هناك تيارٌ أدبيٌّ يمكن أن يُنسب إليه درمشاكي، فهو “الواقعية السريالية”: واقعيةٌ في الموضوع (الحرب، الموت، الوطن، المجتمع)، لكنها سرياليةٌ في الشكل (الصور المدهشة، التوليفات الغريبة، المنطق الحلمي). هذا المزج يخلق نوعاً من التوتر الذي يمنح النصوص قوّتها الاستثنائية.
قراءة استشرافية: درمشاكي والمستقبل
مع هذا المستوى الإبداعي العالي، يُتوقّع أن يحتل حسين بن قرين درمشاكي مكانةً مهمةً في الأدب الليبي والعربي الحديث. إن قدرته على التكثيف، وعمقه الفلسفي، وجرأته السياسية، وإتقانه للغة، كلها عناصر تجعل منه كاتباً واعداً، يمكن أن يُنتج في المستقبل أعمالاً أكثر امتداداً، ربما روايةً قصيرة، أو مجموعةً قصصيةً مترابطة، أو كتابةً نقديةً تأملية.
أما في الحاضر، فهذه القصص الثماني كافيةٌ وحدها لتثبيت اسمه في خريطة الأدب الليبي المعاصر، وكافيةٌ لجعل القارئ يترقّب كل ما سيصدر عنه في المستقبل.
في النهاية، نعود إلى بدايتنا: “خط قصائده على ورق من ضوء”.
حسين بن قرين درمشاكي يكتب على ورقٍ من ضوء، لكنه ضوءٌ قادمٌ من عمق العتمة، من قلب الرماد، من خلف الجدران التي تضج بالبياض. إنه ضوءُ الطفلة العمياء التي ترى جثث الناجين، وضوءُ الرجل الذي يقرأ في الزاوية ما لا تراه البصائر، وضوءُ الجدار الذي نبت وطناً كاملاً بعد أن أسلم الروح.
هذا الضوء، على الرغم من غربته، وعزلته، وقلة من يقرؤونه، يبقى شاهداً على أن الحياةَ تستمر، وأن الإبداعَ ينتصر، وأن القصةَ القصيرةَ جداً يمكنها أن تحمل أكثر مما تحمله الروايات، إذا كُتبت بروحٍ ثائرة، وعقلٍ ناقد، وقلبٍ جريحٍ لكنه لا يزال ينبض.
إهداء القراءة
وإلى الكاتب المتميز حسين بن قرين درمشاكي، الذي منحنا في هذه النصوص فرصةً للتأمل، ومتعةً نادرةً في زمنٍ تُسرع فيه القراءة، وتتباطأ فيه المعاني.
وإلى كلِّ من يقرأ في الزاوية ما لا تراه بصائر الآخرين، ونرجو أن يجد في هذه القراءة ما يُضيء له بعضاً من عتمة الطريق.





