مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

صورة الذئب في مسرح الطفل المصري/ا.د علي خليفة

c6c4bd7442ad96851add8d13bfbb04fa

الذئب من أكثر الحيوانات المفترسة شراسة، ونراه يظهر كثيرا في مسرح الطفل المصري على أنه غادر وخائن، وكذلك يظهر فيه على أنه من أهم مصادر الخطر للحيوانات المسالمة، كما أن بعض الحيوانات المتوحشة لا تسلم من مؤامراته وأذاه في تلك المسرحيات.
وأحيانا يصاحبه الثعلب في بعض مسرحيات الطفل، فيأخذ فيها الثعلب دور الشخص الماكر، ويأخذ الذئب فيها دور الشخص الساذج الكثير التباهي بقوته الجسدية.
وهناك مسرحيات أخرى للطفل يظهر الذئب مخدوعا فيها، وتتم السخرية من سذاجته، وهناك مسرحيات أخرى للطفل يشبه بعض البشر المخادعين بالذئب.
وسوف أستعرض في السطور التالية تلك الصور المتنوعة التي ظهر فيها الذئب في مسرح الطفل المصري.
(٢)
ونرى في بعض مسرحيات الطفل أن الذئب يمثل مصدر الخطر الرئيس فيها للحيوانات المسالمة التي تعيش في الغابة أو الحظائر أو الحدائق، كما نرى ذلك في مسرحية الديك الأحمق لصلاح عبد السيد، ففي هذه المسرحية نرى جماعة من الحيوانات المسالمة تعيش في حديقة، ويحيطها سياج يحميها من حيوانات الغابة المفترسة التي تعيش في تلك الغابة القريبة من تلك الحديقة، ويتمرد الديك الذي يعيش في هذه الحديقة على طبيعته كديك، ويحاول أن يكون بهيئة أخرى، كأن يكون حيوانا أو طائرا من الحيوانات والطيور التي تعيش معه في تلك الحديقة، ولكنه لا يستطيع ذلك، وتسخر منه هذه الحيوانات والطيور حين يحاول تقليد بعضها، ويخرج الديك خارج سور هذه الحديقة، ويهاجمه الذئب المفترس، فيصعد الديك لشجرة عالية، ويتذكر أنه ديك، فيصيح بصوت عال، ويسمعه الكلب الكبير في تلك الحديقة، فيأتي إليه، وينقذه من ذلك الذئب، وعند ذلك يدرك الديك ما لديه من موهبة في الصياح كانت سببا في إنقاذه من ذلك الذئب بمساعدة الكلب الكبير؛ فيرضى عند ذلك عن نفسه كديك.
(٣)
ويظهر الذئب في أكثر مسرحيات الطفل التي تتم في الغابة على أنه أكثر الحيوانات تآمرا وخيانة فيها، وأحيانا ينفرد بنفسه في القيام بهذه المهام الشريرة، وكثيرا ما تشترك معه حيوانات أخرى معه في القيام بهذه المهام السيئة.
ونرى الذئب في مسرحية طرزان وعصابة الآثار للدكتور حمدي الجابري ينفرد وحده بالقيام بدور الخيانة والغدر، ويتشابه في هذه المسرحية مع شخصية إياجو في مسرحية عطيل لشكسبير، في أن تحركه الغيرة للانتقام، فيغار الذئب في هذه المسرحية من الطفلة سالي؛ لأن طرزان جعلها مسئولة عن الغابة في غيابه؛ لقيامه بمغامرة لإحضار ثمار الليمون من أرض الليمون؛ لعلاج مربيه القرد ميمون العجوز، ويشعر الذئب بالغيرة الشديدة من سالي؛ لأنه يرى نفسه أحق منها بقيادة الغابة في غياب طرزان عنها، ويشترك مع مارحريت وعصابتها لخطف حيوانات هذه الغابة وسالي، وسرقة الآثار من المعبد الفرعوني الملاصق لهذه الغابة، ولكن طرزان يعود لهذه الغابة، ويفسد مؤامرة مارجريت وعصابتها، كما يفسد على ذلك الذئب خيانته وغدره، ويعيد لتلك الغابة السلام الذي كانت تنعم به قبل رحيله عنها، كما يعيد لذلك المعبد الآثار التي سرقت منه.
وهناك مسرحيات للطفل كثيرة يكون الذئب فيها ضمن العصابة المتآمرة فيها، حتى لو كانت هذه العصابة تظهر على أنها بطانة للملك الأسد، كما نرى ذلك في مسرحية الثعلب الحسود لأحمد سويلم، فإننا نرى فيها الذئب يشترك مع باقي البطانة السيئة للأسد في مؤامرة للتخلص من الثور الوافد على هذه الغابة، والذي صار بحسن خلقه من أقرب مستشاري الأسد، وقد حركت الغيرة من ذلك الثور تلك البطانة السيئة – وهي الثعلب والقرد والغراب والذئب – للغدر بذلك الثور، وكادت تنجح في ذلك لولا ذكاء الثور، وكشفه للأسد مؤامرة هذه الحيوانات عليه، وعند ذلك يأمر الأسد بطرد الذئب وباقي رفاقه المتآمرين من الغابة.
ومن الواضح أن أحمد سويلم قد استلهم أحداث هذه المسرحية من القصة الإطار لكتاب كليلة ودمنة، ولكنه غير نهايتها، فجعل الثور فيها ينتصر على هؤلاء المتآمرين عليه، خلاف ما حدث له في تلك القصة الإطار لكتاب كليلة ودمنة.
وكذلك نرى الذئب ضمن البطانة السيئة للأسد في مسرحية كلني يا مولاي لسعيد حجاج، وقد استلهم هذه المسرحية من إحد قصص كتاب كليلة ودمنة.
وفي هذه المسرحية يؤمن الأسد جملا وافدا على الغابة، ويأمر حيوانات تلك الغابة المفترسة بعدم التعرض له، ولكن هذا الأسد يمرض، ويعجز عن الصيد، فتقوم هذه الحيوانات المتآمرة – وهي الثعلب والذئب والقرد والضبع والغراب – بمؤامرة يتفقون عليها مع الأسد؛ لتخليصه من وعده لهذا الجمل بعدم التعرض له بالأذى، وينجحون في ذلك، فيعرض كل حيوان منهم نفسه للأسد ليأكله ليتقوى بلحمه في مرضه، ويعتذر عنه حيوان آخر بأن لحمه غير مفيد أو هو ضار، ويعرض الجمل نفسه للأسد ليأكله، ويظن أن هناك من تلك الحيوانات من سيحاول ذكر أن لحمه غير مفيد أو أنه ضار للأسد، ولكن لا يحدث ذلك، بل إن الأسد نفسه يقبل عرض الأسد له بأكله، فيهجم عليه مع بقية هذه الحيوانات، ومنها ذلك الذئب الغادر.
ومن الغريب أن ذلك الجمل قد أدرك بنفسه ومن حديثه مع الفيل في تلك الغابة أن النفاق يستشري بين كثير من حيواناتها، وأنه لذلك لا يجب أن يشعر بالأمان فيها، ورغم ذلك نراه في نهاية تلك المسرحية يقع في تلك الحيلة التي دبرتها له تلك الحيوانات.
(٤)
ومن شدة غدر الذئب وخيانته – كما تصوره بعض مسرحيات الطفل – أنه يغدر ويخون حتى من رباه، كما نرى مثالا على ذلك في مسرحية الشاطر والذئب لشاكر صبري، ففي هذه المسرحية يقوم طفل بتربية ذئب صغير، ولكنه بعد أن يكبر يقوم – في عياب ذلك الطفل – بخطف الكتاكيت من الحظيرة التي يربيها فيها ذلك الطفل، ويمهد بذلك لأكلها فيما بعد، ويصدق على ما فعله ذلك الذئب قول أعرابي في ذئب رباه، وأكل شويهة له بعد أن كبر:
أكلت شويهتي ونشأت فينا فمن أنباك أن أباك ذيب
(٥)
ونرى الذئب في بعض مسرحيات الطفل يجمع إلى غدره وشراسته ذكاءه وسعة حيلته، كما نرى مثالا على ذلك في مسرحية الذئب والغنم لمحمد الهراوي، فقد ادعى الذئب في هذه المسرحية أنه أصيب بالعمى، وطلب إلى بعض الغنم أن تقوم واحدة منهن برعايته، وانخدعت إحدى الغنم بحيلته، ورافقته، وكشف لها – بعد أن ابتعد بها مسافة قصيرة عن باقي الغنم – عن حيلته، وهم بأكلها وهنا قام راعي هذه الأغنام من نومه، وصوب بندقيته على ذلك الذئب، وقتله، ونجت هذه الغنمة منه.
(٦)
وفي بعض مسرحيات الطفل نرى ذلك الثنائي المثير، وهو الثعلب الماكر والذئب الساذج، وينتج عن ذلك الثنائي فكاهة كبيرة، فالذئب الساذج يظن أنه لا يمكن لأي حيوان أن يتغلب عليه لقوته الجسدية، ولكن الثعلب يسخر منه، ويريه أن ذكاءه أقوى من قوته الجسدية، ويشتركان معا في بعض المؤامرات، ولكنهما يفشلان فيها، كما نرى مثالا على ذلك في مسرحية كتاب التاريخ لأحمد طوسون، فقد سرقا في هذه المسرحية كتاب التاريخ المدون في أجزاء منه جرائمهما السابقة، ولكن يتم القبض عليهما، واستعادة كتاب التاريخ منهما، وكذلك يتم عقابهما في تلك المسرحية من قبل الأسد وبعض أعوانه من الحيوانات فيها.
(٧)
وهناك مسرحيات للطفل يتم تشبيه بعض الشخصيات الشريرة فيها بالذئب في الغدر والخيانة، كمسرحية الذئب لأنس داود، فقد ظهر عواد فيها شخصا شديد الغيرة من جاسر؛ لكونه تزوج المرأة التي يحبها – وهي سلمى – وأنجب منها ابنه بسام، وكان عواد في حسده لجاسر، ورعبته في الإضرار به وأسرته يشبه الذئب، ووسوس الشيطان في هذه المسرحية لعواد لاغتصاب سلمى، وخطف ابنها بسام، وإلقائه في وسط الغابة؛ لتأكله الحيوانات المفترسة بها، ولكنه حين يعثر على بسام داخلا في تلك الغابة للوصول لسجن الذئب والثعلب بها – يرق له حين يذكر له كلام جدته الطيب عنه، فيشفق على ذلك الطفل، ويعيده لأسرته، وينتزع بذرة الشر من داخله، وهو تطور سريع لشخصية عواد في هذه المسرحية، ولم يكن مقنعا فيها.
وكذلك يتم تشبيه بعض البشر الغادرين والمخادعين بالذئب – الموجود في قصة ذات الرداء الأحمر القديمة – في مسرحية ذات والرداء الأحمر لوليد كمال محمد ، ففي هذه المسرحية استغل بعض الأشخاص الأشرار صداقتهم للطفلة ذات عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وهموا بالغدر بها حين التقت بهم بناء على رغبتهم، وبدوا كالذئاب، ولكنها استخدمت ذكاءها وسعة حيلتها، واستطاعت أن تنجو منهم، وتدرك عند ذلك أنه يجب عليها ألا تسيء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ حتى لا تتعرض لهذه المخاطر التي تعرضت لها في هذه المسرحية مرة أخرى.
(٨)
وإذا كنا قد رأينا من تعرضنا لكثير من مسرحيات الطفل المصري أن الذئب فيها يمثل مصدر الخطر الرئيس لكثير من الحيوانات في الغابة والحظائر والحدائق، أو يكون ضمن عصابة الحيوانات الشريرة والبطانة الفاسدة – فإننا نراه في بعض مسرحيات الطفل المصري يظهر أحيانا ساذجا، ويسهل خداعه، كما نرى ذلك في مسرحية أرنوب يتحدى أشبول للدكتور السيد فهيم ، فقد انخدع الذئب الصغير في هذه المسرحية – مع بعض الحيوانات الأخرى – بالحيلة التي قام بها الأرنب الصغير أرنوب، حين ادعى أنه يمتلك قوة خارقة، يمكنه بها هزيمة أي حيوان يصارعه، وصدق كلامه ذلك الذئب الصغير، وبعض الحيوانات الأخرى فى تلك الغابة التي كانوا يعيشون فيها.
وهكذا رأينا تنوع الصور التي ظهر من خلالها الذئب في مسرح الطفل المصري، وظهر في أكثر مسرحيات الطفل غادرا ومخادعا، ومصدرا أساسيا للشعور بالخطر للحيوانات المسالمة فيها. عرض أقل

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة