اللعنة : كلمة غير لائقة أبداً ✍سيّار الجميل

انتقلت من خطاب ديني إلى ممارسة سياسية
ثم عادة اجتماعية متوارثة وبالية منذ القدم حتى اليوم !
1- اللعنة : جذورها الإقصائية ورسوخها في الذاكرة اللاواعية
ليست اللعنة مجرد لفظ عابر في اللغة العربية ، بل هي مفهوم ثقيل الجذور، يمتد في عمق التاريخ الديني للإنسان، حيث ارتبطت بفكرة الطرد من الرحمة الإلهية، أو الإبعاد عن الجماعة، أو الحكم الأخلاقي النهائي على الآخر. وقد حضرت اللعنة في نصوص الأديان التوحيدية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام بوصفها تعبيرًا عن العدالة الإلهية في سياقات محددة، لا بوصفها أداة يومية في التخاطب بين الناس. في أصلها، لم تكن اللعنة موجهة للاستهلاك البشري العام، بل كانت جزءًا من خطاب ديني يحدّد معايير الانحراف والالتزام ضمن أطر عقدية صارمة. غير أن ما حدث عبر الزمن هو انتقال هذه الكلمة من مجالها اللاهوتي الضيق إلى المجال السياسي حيث اقرأ في كتب التاريخ ان يلعن هذا على المنابر عهودا طوال ، فانتقلت بالضرورة الى الفضاء الاجتماعي الواسع، حيث تحولت من حكم ميتافيزيقي إلى شتيمة متداولة، ومن تعبير عن موقف إلهي إلى وسيلة بشرية للتفريغ والانفعال. بل وغدت مثلاً تهكميّاً أو ساخراً في مجتمعات عدة كما يطلقه ممثلون وفنانون في الكوميديا العربية !
2- هنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.
في كثير من المجتمعات الإسلامية، على وجه الخصوص، لم تعد “اللعنة” مجرد لفظ نادر أو استثنائي، بل أصبحت جزءًا من اللغة اليومية، تُقال بسهولة في الخلافات، وتُرددت كثيرا في مختلف العهود على المنابر، وتُورث عبر الأجيال دون مساءلة. ليستخدمها الناس أداة للسبّ والقذف والشتم ، ففقدت بذلك معناها الأصلي ، وتحولت إلى أداة اختزال للآخر، وإلغاء رمزي له، بدل أن تكون تعبيرًا عن موقف أخلاقي مدروس. بل وزادوا عليها، فهناك ملعون جثة، وملعون روح ، ومشعول صفحة ، وملعون لشّة ، وملعون الوالدين … الخ في اللغات العامية وفي اللغة المقعرة للملالي والخطباء فيكتفون بـ : لعنه الله أو لعنة الله عليه .. ولعنهم الله .. وعليك اللعنة وعليه لعنته الى يوم الدين .. لعنك الله الخ ان كثرة ترديدها جعلت المجتمعات تلوكها باستهتار مفجع !
3- حساسّية المعالجة وصعوبة التغيير
أعتقد ان القراء الكرام سيدركون تمامًا حساسية هذا الطرح ، لكن من المهم أن نعالجه بطريقة فكرية تحليلية لا دينية ولا إدانة جماعية؛ لأن الدخول في التعميم أو التوصيف الحادّ لأي مذهب ديني يحوّل النقاش من تحليل ظاهرة لغوية–تاريخية إلى اصطفاف وتخندق وسبّ وقذف وصبّ اللعنات، وهذا يضعف الفكرة التي أريد تطويرها أصلًا. كيف ؟ لا يمكنني أن أمنع الناس من استخدام لغة إقصائية لكن المهم هنا أن نحافظ على مسار معرفي واحد: تحليل الظاهرة وتفكيكها نقدياً واقتراح تجاوزها معرفيًا، لا الدخول في سجالات لا طائل منها . وعليه، يمكننا التعامل مع الظاهرة بوصفها ثقافة جدل ديني تاريخي داخل الإسلام وغيره من الأديان، ونحلل “اللعن” كأداة خطابية تراكمت عبر القرون. إن استمرار استخدام “اللعن” في الجدل الديني بين المذاهب الإسلامية، أو في بعض الخطابات التي تعود إلى شخصيات تاريخية من صدر الإسلام، لا يمكن فهمه خارج سياق طويل من تشكّل الهويات العقائدية والصراعات التأويلية التي رافقت التاريخ الإسلامي المبكر. فقد تحوّل الخلاف التاريخي، مع مرور الزمن، من مجال للاجتهاد والنقاش إلى مجال للذاكرة العقائدية المغلقة والكراهية العميقة ، حيث أعيد إنتاج الماضي بوصفه حكمًا نهائيًا لا بوصفه حدثًا تاريخيًا قابلاً للفهم. من طرف آخر غدت كلمة ” ملعون” اداة تفكه وتحبّب أحياناً.
4- شيوع اللعنة ومعنى اللعنات
باختصار : معنى اللعنة هو خروج الانسان من رحمة الله ، وهو أمر يعود لله وحده وليس للانسان أي دخلٍ فيه . هذه المسألة تعكس خللًا أعمق في البنية الذهنية لعموم المجتمع ، وقد غدا وسيلة اقصاء وشتيمة في حالة انفعال، وغضب وعنجهية، واطلاق حكم نهائي باللعنة . فاللعن، في جوهره، ليس نقاشًا، بل إغلاق للنقاش؛ وليس تفسيرًا، بل إدانة مطلقة. وليس مجرد تجريح للانسان وتشهير به ، ليغدو وسيلة قمع واضطهاد واتهام وشتيمة . وإذا نظرنا إلى السياق التاريخي، فإن شيوع اللعن يرتبط غالبًا بفترات الصراع والانقسام والاهتراء ، حيث تُستخدم اللغة كسلاح، لا كوسيلة تواصل. ومع مرور الزمن، تستقر هذه اللغة في اللاوعي الجمعي، وتتحوّل إلى تقليد “طبيعي” مبرّر لا يُسائل، رغم ما تحمله من آثار نفسيّة وتجريحات ثقافية سلبية في عموم المجتمع.
5- لكن العالم اليوم تغيّر!
لم يعد الإنسان بحاجة إلى أن يلعن ليعبّر عن رفضه، ولا إلى أن يقصي ليؤكد هوّيته. لقد أصبحت المجتمعات الحديثة – على اختلاف درجاتها – تميل إلى لغة الحقوق، والنقد، والمساءلة، بدل لغة الإدانة المطلقة. ولم يعد مقبولًا أن تستمر ألفاظ ذات حمولة إقصائية فجة في التداول وكأنها جزء بريء من التراث. انّ الكلمة الطيبة صدقة ، وان لسان الانسان حصانه، وان الابتسامة نعمة ربانية ، فالشرير يعاقبه القانون ويقتص منه من دون ان ينزل الانسان نفسه الى حضيض البذاءة حيث المستويات المتدنّية فلا تنفع معهم ان وجّهت اليه اللعنة آلآف المرات !
إن الدعوة إلى التخلّي عن اللعن ليست دعوة دينية ضدّ الدين، ولا موقفًا أخلاقيًا متعاليًا، بل هي دعوة إلى ترشيد اللغة، وتهذيب المجتمع ،وإعادة الاعتبار للأخلاقيات بدل الانفعال وصبّ الشتائم واللعنات . فالمجتمعات التي تهوى التقدّم لا يمكن أن تبني وعيها على كلمات تلغي الآخر، بل على مفاهيم تفهّمه وتناقشه. إن الكلمة ليست بريئة. وما نكرره يوميًا يتحوّل، مع الزمن، إلى بنية تفكير. وإذا بقي المجتمع مع لغة اللعن، فسيبقى يعيد إنتاج عقلية الإقصاء نفسها التي تعيق أي إمكانية حقيقية للتقدّم والتحضّر . لذلك، ربما حان الوقت لطرح سؤال بسيط لكنه حاسم:
6- هل نحتاج فعلًا إلى أن نلعن… أم أننا بحاجة إلى نفكر قليلاً بقوّة الكلمة الناعمة بدل هذا الميراث من التجريح ؟
لقد ظلّ سؤال التقدّم والتعثّر في مجتمعاتنا سؤالًا مركزيًا يتجاوز التفسير السطحي الذي يُرجع كل شيء إلى السياسة أو الاقتصاد وحدهما. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير، إذ ترتبط ببنية ذهنية وتاريخ طويل من التراكمات التي لم تُفكَّك بعد بصورة نقدية كافية. لقد شهدت هذه المجتمعات لحظات ازدهار لافتة، أسهمت خلالها في إنتاج المعرفة، والفكر، والتنظيم الاجتماعي، لكنها في المقابل عاشت أيضًا فترات طويلة من الانغلاق وإعادة إنتاج التقليد بدل مراجعته. ولا يمكن فهم هذا التناقض إلا إذا أدركنا أن التاريخ في هذه المنطقة لم يكن خطًّا تصاعديًا مستمرًا، بل كان أقرب إلى موجات من النهوض والانكفاء. فكلّ محاولة تحديث كانت تصطدم، في لحظة ما، ببنى عميقة مقاومة للتغيير: بنى ثقافية، ودينية مؤوَّلة بشكل مغلق، ونُظم تعليمية تكرّس الحفظ أكثر مما تشجّع التفكير، وسلطات سياسية تخشى من إطلاق طاقات النقد والحريات . وهكذا ظلّ التقدّم هشًّا، قابلًا للانتكاس في أي لحظة. فما بالك أن في مقدمة من يستخدم اللعنة هم الملالي ورجال الدين الذين اعتبروهم أوصياء على المجتمع منذ مئات السنين ، فكيف ان غدت الدولة بأيديهم؟
7- ليس كل الموروث سامياً او راقياً وأصيلاً !
ومن جهة أخرى، فإن العلاقة مع الماضي بقيت ملتبسة. فبدل أن يُنظر إلى التراث بوصفه مادة للفهم والتحليل والنقد ، جرى التعامل معه في كثير من الأحيان كمرجعية نهائية مكتملة، لا يجوز الاقتراب منها إلا بالتقديس أو التبرير. وهذا ما جعل العقل الجمعي يعيش نوعًا من الازدواجية، فهو من جهة يستعمل أدوات العصر، لكنه من جهة أخرى يفسّر العالم بمنطق موروث لم يُختبر نقديًا بما يكفي. كما أن تأثير العوامل الخارجية، من استعمارٍ سابق وأدوات قديمة إلى عولمةٍ راهنة وشاشات بأيدي الملايين ، أسهم في تعقيد المشهد بدل تبسيطه. فقد دخلت هذه المجتمعات في تفاعل غير متكافئ مع العالم، استوردت فيه مظاهر التحديث في المدن وبقي المجتمع يتنطع بالحداثة دون أن تُنتج شروطها العميقة، فبدا التحديث والحداثة معا أحيانًا كقشرة سطحية لا تمسّ البنية الذهنية. وهذا ما يفسّر لماذا يمكن أن نجد مؤسسات حديثة شكليًا، لكنها تعمل بعقلية تقليدية في جوهرها ومن (طيحة )حظهم انهم يعتبرونها أصالة أو ورع وتقوى .
8- هل ستعيد الأجيال القادمة النظر في التناقضات ؟
لذلك، فإن الحديث عن “تخلّف” أو “تقدّم” لا ينبغي أن يكون حكمًا نهائيًا، بل محاولة لفهم سيرورة معقّدة لم تُحسم بعد. فهذه المجتمعات ليست خارج التاريخ، بل تعيش داخله بكلّ تناقضاته وبلاياه، وهي تحمل في داخلها إمكانات التغيير بقدر ما تحمل أسباب التعثّر. ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى المسألة بوصفها صراعًا داخليًا بين أنماط تفكير مختلفة، لا مجرد نتيجة لعوامل خارجية أو ظرفية. وهكذا، ستنفصل أجيالنا عن المستقبل، وأرى أن الاجيال القادمة ستحاول تعيد التفكير في تناقضات ليشكّلوا معًا رؤية واحدة تربط بين جذور التعثّر وإمكانات التحوّل.فهل عرفنا موقعنا في العالم؟
9- هل سينتهي العمل بهذه ” اللعنة ” ؟
وفي هذا السياق، أصبحت اللغة – بما فيها لغة اللعن – جزءًا من ” لا اخلاقية سياسية” أو “اقتصاد رمزي” للصراع الهوياتي، تُستخدم فيه الكلمة لا لتوصيف الوقائع، بل لتثبيت الموقف العقائدي وإعادة ترسيم الحدود بين الجماعات. يمارسها البعض ضد البعض بلا أي حياء ولا خجل ولم يغسلوا وجوههم ليأتوا بعد سنين يعلنون محبتهم المزيفة .. فاحداهن تشتغل في السياسة على هذا العهد لعنت أهل مدينة بالكامل واتهمتهم بأبشع التهم ، واليوم تعلن محبتها لهم بعد زيارتها لمدينتهم بلا أيّ خجل !
ومع أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على شخص معيّن أو جهة واحدة، ولا على دين واحد، إلا أنها تعكس في جوهرها استمرار حضور منطق الإدانة المطلقة داخل بنية التفكير الديني الشعبي، بدل الانتقال إلى منطق الفهم التاريخي والنقد المعرفي. لكن الإشكال الأعمق اليوم ليس في أصل هذه الظاهرة التاريخي، بل في استمرار تداولها في سياقات معاصرة مختلفة جذريًا عن سياقات نشأتها. فالعالم الحديث لم يعد يحتمل لغات الإقصاء الرمزي بوصفها أدوات للتواصل، لأن هذه اللغة تعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه، وتُبقي الماضي حاضرًا بوصفه صراعًا لا بوصفه تاريخًا. وهو هو حال مجتمعاتنا التي تهتكت اليوم بانقساماتها وتعصباتها ، وكل يوم تجدّد الفتنة بين الجماعات .
10- وأخيراً: متى تتحرّر مجتمعاتنا من تقاليدها البالية ؟
ومن هنا، تصبح الحاجة ملحّة لإعادة تفكيك مفهوم “اللعن” نفسه، ونقله من دائرة الانفعال العقائدي إلى دائرة التحليل التاريخي، بحيث يُفهم بوصفه أثرًا من آثار تشكّل الوعي الديني، لا أداة لإعادة إنتاجه في مجتمعات القرن الحادي والعشرين ، بل واقترح احالة كل من يمارس هذه اللغة الهجينة الى القضاء لمحاسبته وردعه . إن تجاوز هذه اللغة لا يعني إلغاء الذاكرة الدينية أو التقليل من شأنها، بل يعني تحريرها من الاستخدام الجدلي اليومي الذي يحوّل التاريخ إلى ساحة صراع دائم. فالمجتمعات التي تريد أن تبني مستقبلًا معرفيًا مشتركًا تحتاج إلى أن تُراجع ليس فقط أفكارها، بل أيضًا مفرداتها، لأن الكلمات ليست محايدة، بل تصنع أنماط التفكير بقدر ما تعكسها.





