في قفص الاهتمام / سميرة جدي -الجزائر

في بداية الأمر، استلطفت الموضوع… أحبت اهتمامه…. بل تفاخرت به
كان يسألها: هل وصلتِ؟
فتبتسم.
_ هل أكلتِ؟
فتشعر أنها ذات أهمية.
_ هل أنتِ بخير؟
فتجيب: … ما دمتَ تسأل عني فأنا بخير.
كان اهتمامه يومها يشبه يدا تربت على كتفها.
ثم تغيرت اليد…. أصبحت تشتد، وصار السؤال تحقيقا.
_ أين أنتِ؟
_ في الجامعة.
_ مع من؟
_ صديقتي.
_ لم تخبريني من تكون.
_ أضن أن الأمر لا يستحق.
_ كل ما يخصك يستحق أن يكون لي به علم.
توقفت عند هذه الجملة ” كل ما يخصك ” ووضعت تحتها خطوطا حمراء.
صحيح أنه قالها بحب. لكنها أحست بها كمكبس.
ومع الأيام أصبح لديها دستور غير مكتوب:
متى تخرج، من تلتقي… متى تعود، … من اتصل بها…. من وضع إعجابا على منشور يخصها.
لم يكن يمنعها من شيء. بل كان يجعلها تشعر أن عليها أن تطلب الاذن قبل كل تصرف أو قرار تتخذه. حتى هاتفها الشخصي أصبح منطقة محاصرة، ليس لأنه يفتشه بشكل دوري، بل لأنه يسألها عن كل اسم يظهر عليه.
كان عليها أن تشرح موضوع كل اتصال أو مراسلة، وأحيانا كانت تنهي الجدال بضحكة.
ثم بدأت تسلك مسالك الكذب.
كذبة صغيرة كي تخرج وكذبة بيضاء كي تلتقي صديقاتها وأخرى ثالثة كي تنام دون أن تشرح ما المانع الذي جعلها لا ترد على مكالماته.
لكن عندما داهمتها لحظة الادراك. ما لذي جعلها تكذب على الشخص الذي تحبه؟ فهمت أن هناك شيئا ما قد تصدع.
في تلك الليلة، وقف خطيبها أمامها وقال:
_ أنا أفعل كل ذلك لأنني أحبك.
نظرت إليه مطولا ثم قالت: لا
تجمد للحظة.
_ ماذا تعنين بلا؟
_ انت تفعل كل ذلك لأنك تخاف أن أنفلت من بين أصابع يديك.
_ وما الفرق بينهما؟
ابتسمت بحزن: الفرق كبير… للأسف.
اقترب منها: أنا أحيط بك… خوفا عليكِ.
تراجعت خطوة للخلف: وأنا أختنق.
صمت الاثنان، ثم أشارت إلى صدرها وقالت:
_ أتدري أين المشكلة؟
هز رأسه…. قالت:
_ كلما قلت “أهتم بك” شعرت بجدار جديد يُبنى بيني وبينك.
_ أنا أحميك.
_ من ماذا؟
لم يجد الجواب.
أجابت بدلا منه: من الأصدقاء؟ أحميكِ منهم…. من الغرباء؟ أحميكِ منهم…. من الهاتف؟ أحميكِ منه…. من ومن ومن ….
ثم رفعت عينيها إليه بثقة.
_ ومن يحميني منك؟
كانت تلك المرة الأولى التي رأى فيها اهتمامه كما تراه هي.
لم يكن الوردة المرجوة، بل السياج المحكم، لم يكن حصنا، بل قفصا.
وفي الصباح التالي، خرجت دون أن تخبره إلى أين، مشت في طريقها إلى الجامعة، التقت صديقاتها كالعادة…. جلست وحدها في المكتبة، أغلقت جوالها وتركت العالم كله ينتظرها، وبعد ساعتين فتحته، … سبع وعشرون مكالمة، واحد وثلاثون رسالة آخرها ” أنا فقط أريد الاطمئنان عليكِ”
قرأت الرسالة وكتبت ” حين يصبح الاطمئنان مشروطا بمعرفة كل خطواتي أصبح رقابة وليس اطمئنان”
أرسلتها ثم أغلقت الهاتف من جديد ورفعت رأسها إل السماء وشعرت وكأن الهواء يدخل رئتيها لأول مرة منذ عرفته.
فهمت أن بعض الأقفاص لا تصنع من حديد، بعضها يصنع من الحب … بعضها من الخوف، وأخطرها… ذلك الذي يسمى اهتماماً.





