سور من نور/ سميرة جدي – الجزائر

كلما حاول فتح نافذة على العالم، وجد يدا تغلقها برفق، كانت تلك يد والده.
لم يكن يمنعه من الخروج فحسب، بل من بعض الرفقة، بعض الأماكن، العبارات وحتى من بعض الأحلام التي كانت في نظره بريئة.
كان يظن أن الحب لا يستدعي كل تلك اللاءات، ما يراه من أبيه ليس حبا بالأساس …بل خوفا بقناع الحب، لذلك، كان كلما أغلق الباب من خلفه، يشعر أنه يهرب من البيت لا يغادره.
حين أصبح طالبا جامعيا اكتشف أن المدينة لا تشبه الصورة التي كان قد رسمها في مخيلته عنها.
هناك كان أقرانه متحررين… الجميع قائد نفسه. لكن كثيرا منهم كانوا يسيرون بأقدامهم نحو هاويات هم من اختاروها، شباب صدقوا أن التجارب لا تكتمل إلا بتجربة المحظور، فقدوا أنفسهم، وآخرين استبدلوا طموحاتهم بإعجابات عابرة على شاشات الهاتف، وفتيات دفعن ثمن ثقتهن بمن أتقن ارتداء زي الاعجاب.
كانت الحرية تعرض مفاتنها في كل ركن… أما الثمن فلم يكن معلق في الواجهات.
وفي كل مرة كان يشهد سقوطا جديدا، كان يسمع في داخله صدى صوت أبيه لكن هذه المرة ليس كآمر، بل كتحذير تأخر عن فهمه.
هناك بدأ في مراجعة ذاكرته.
ذلك المنع الذي أغضبه يوما، لم يكن نتاج شك، بل حصيلة سنوات عديدة من رؤية الناس وهم يكررون نفس الأخطاء بمسميات مختلفة.
أدرك أن نية والديه ليست بناء نسخة منهما، بل محاولات منهما ليجنياه من أن يكون نسخة من ندم الأخرين.
في إحدى الليالي، عاد متأخرا كعادته… فتح الباب بهدوء فوجد والده نائما على الأريكة والمصباح مضاءً في يد وفي يد أخرى أنهكها الانتظار يتدلى مفتاح البيت. أما والدته فقد كانت تتظاهر النوم حتى لا تشعره بثقل القلق الذي تخفيه في كل ليلة.
لأول مرة فهم أن التعب الذي كان يراه تشددا ما هو إلا حبا ضاع بين طرقات الحماية.
اقترب من النافذة التي طالما تمنى أن تفتح، ونظر إلى الشارع…. لم يتغير في الخارج شيء… ما تغير هو نظرته إلى الداخل.
اكتشف أن بعض الأسوار لا تبنى لضعف من بداخلها، بل لأن من شيدها سبق وأن رأى العواصف وهي تقتلع كل من لم يجد جدارا يحتمي به.
ابتسم وهمس لنفسه: كنت أظن أن والدي يحاصر خطواتي…لكنه كان يحاصر الطرق التي قد تضيعني.
منذ ذلك اليوم، لم يعد يرى حدود والديه جدرانا تعيق العبور، بل خطوطا مضيئة رسمتها خبرة سنين حول قلبه حتى إذا اشتدت عتمة الحياة، عرف أن أجمل ما أحاطه يوما هو… سور من نور.





