حَبٌ في جُبّ / سميرة جدي – الجزائر

لم يكن لقياها من جديد هو الشيء الذي يخافه، بل كان يخشى من برود مشاعره تجاهها في لحظة اللقيا تلك.
عشرون عاما كانت كفيلة لتغيير كل شيء، البلدة، الوجوه، الملامح وحتى الكنيات التي كان يُعرف بها عند الناس.
اليوم هو زوج وأب، ورجل يجيد توزيع وقته بيع الوظيفة والبيت وكيف يبتسم في كل الأحوال.
كان يعتقد أن الحب الأول قد انتهى بانتهاء الحكاية.
لكن الحقيقة أن الحب لا ينتهي في أغلب الأحوال …إنما يغير موضعه.
في يوم، كانت ابنته تلخص فصول قصة سيدنا يوسف عليه السلام، استوقفتها كلمة الجُبّ فسألته:
_ أبي… هل يخرج كل من يُلقى في الجب؟
صمت لبرهة ثم أجاب:
_ أحيانا وليس دائما.
ابتسمت الصغيرة وعادت إلى كتابها، أما هو فقد ظل عالقا عند ذلك السؤال.
في تلك اللية أدرك أن في أعماقه جُبٌ أيضا.
لم تكن هي هناك، فقد غادرت منذ سنوات، ربما نسيت اسمه كما نسي الناس وجوه رفقاء الطفولة، المتبقي لم يكن امرأة، بل ذلك الشاب الذي أحب لأول مرة وارتبك لأول مرة وخسر لأول مرة.
كلما ضحك مع اسرته، كان يضحك بصدق، وكلما احتضن أبناءه يستدعي قلبه ليكون في الصورة، لم يكن ماضيه ينافس حاضره ولا يطالبه بشيء.
غير أن النفس كانت أدهى من الذاكرة، فقد كانت تخبئ آثار الحب في مواقع لا تبلغها الأيام، تتجلى أحيانا في رائحة كتاب قديم، أو في لحن عابر، أو في دعاء عن ظهر غيب لشخص غاب اسمه… لم يكن ذلك حنينا إليها، بل إلى الأثر الذي كان قبل أن يتعلم أن بعض الأمنيات قد لا تتحقق.
أغلق النافذة، وأطال النظر إلى السماء ثم ابتسم.
لم يكن في قلبه فراغ ينتظر أن يملأ ولا باب ينتظر أن يُطرق فقد كانت أموره كلها على ما يرام وكل شيء عنده في مكانه الطبيعي.
حتى ذلك الحب…
لم يمت…وأيضا لم يعش.
فقد ألقته الظروف في جبّ الروح، بعيد عن ضوضاء الأيام، فاستقر هناك، لا يمد يده إلى الحاضر ولا يسمح للحاضر أن يطمسه.
ومنذ تلك الليلة كلما سأل نفسه أين مضى ذلك الحب، لم يبحث في الأزقة ولا في الوجوه. لأنه ببساطة كان يعرف أنه ما يزال يقبع هناك.
حب في جُبّ.
ذلك الأثر الدفين القاطن في قرار مكين.





