📰 آخر الأخبار
الجبهة الفارسيَّة في صدر الإسلام ( برواية تاريخيَّة سُريانيَّة ) أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيالكتَّاب الروس في القرن العشرين، أعمالهم ومصائرهم/فلاديمير أكيموف - ترجمة أنور إبراهيمجمال حمدان … وعقدة القنديل/ محمد جبريليحيى حقي: هذا التاريخ الأدبي! محمد جبريلعوالم الجنيات: بعيدًا وفي الأعماق/مارينا وارنر-ترجمة أسماء الطيفي دَعْ عَنكَ لومي / غدير حميدان الزبون-فلسطينمعارك نزار قباني والإسلاميين/زياد أحمد سلامةتأملات في العقل القوموي التركي/سربست نبيالحضارة /ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنانUnspeakable gifts/ Mohammad Kutubuddinسيدي علي و الشيخ محمد ن افني الرگرگارة : قراءة نقدية في هوية دفيني ضريح سيدي إفني/محمد المبارك الوحدانيأرجوحةُ مهدٍ هجرها الوقت/ عارف عبد الرحمنموسم آسا: بين الروحانية العميقة وذاكرة الصحراء/ محمد عالي الحيرشترددات / سالم الياس مدالوEducation Is Awareness, Education Is Light By Dr Haroon Rashidجيولوجيا الروح /رانية مرجية الوعي واللغة / عبد الله الهميليأصناف العبيد وأخلاقهم/ د. سربست نبيقبل اكتمال القرن… حين تتحول الرواية إلى ذاكرة وطن/اكرم توفيق باربرا تايلور .. تلك الأيام الدراسية الجميلة : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالسكرتيرة/ماري جيتسكيل -  ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيمشيء اسمه الشرف/ شهربان معديكثبان كثيفة / سمية تكجي-لبنانغصن مائل / دارين حومانيالشخصية المنكسرة في مسرح إبراهيم الحسيني/ ا.د علي خليفة
الجبهة الفارسيَّة في صدر الإسلام ( برواية تاريخيَّة سُريانيَّة ) أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيالكتَّاب الروس في القرن العشرين، أعمالهم ومصائرهم/فلاديمير أكيموف - ترجمة أنور إبراهيمجمال حمدان … وعقدة القنديل/ محمد جبريليحيى حقي: هذا التاريخ الأدبي! محمد جبريلعوالم الجنيات: بعيدًا وفي الأعماق/مارينا وارنر-ترجمة أسماء الطيفي دَعْ عَنكَ لومي / غدير حميدان الزبون-فلسطينمعارك نزار قباني والإسلاميين/زياد أحمد سلامةتأملات في العقل القوموي التركي/سربست نبيالحضارة /ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنانUnspeakable gifts/ Mohammad Kutubuddinسيدي علي و الشيخ محمد ن افني الرگرگارة : قراءة نقدية في هوية دفيني ضريح سيدي إفني/محمد المبارك الوحدانيأرجوحةُ مهدٍ هجرها الوقت/ عارف عبد الرحمنموسم آسا: بين الروحانية العميقة وذاكرة الصحراء/ محمد عالي الحيرشترددات / سالم الياس مدالوEducation Is Awareness, Education Is Light By Dr Haroon Rashidجيولوجيا الروح /رانية مرجية الوعي واللغة / عبد الله الهميليأصناف العبيد وأخلاقهم/ د. سربست نبيقبل اكتمال القرن… حين تتحول الرواية إلى ذاكرة وطن/اكرم توفيق باربرا تايلور .. تلك الأيام الدراسية الجميلة : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالسكرتيرة/ماري جيتسكيل -  ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيمشيء اسمه الشرف/ شهربان معديكثبان كثيفة / سمية تكجي-لبنانغصن مائل / دارين حومانيالشخصية المنكسرة في مسرح إبراهيم الحسيني/ ا.د علي خليفة

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

الكتَّاب الروس في القرن العشرين، أعمالهم ومصائرهم/فلاديمير أكيموف – ترجمة أنور إبراهيم

Copilot 20260726 173648

ملاحظات تمهيدية

شارك عدة آلاف من الكتَّاب، الذين دخلت أعمالهم في العملية الأدبية، في أحداث تاريخ الأدب في القرن العشرين. ومن بين الأدباء المحترفين في هذا العصر يمكن أن نجد، بطبيعة الحال، عددًا قليلًا نسبيًّا ورد ذكرهم، من بين مئات الكتَّاب، في المتن الأساسي لهذا الكتاب، في الجزء الخاص ﺑ «الشخصيات» من «دليلنا الموجز». وقد جاء انتقاء «الشخصيات» لهذا القسم من الكتاب وفقًا لوجهة نظر محددة.

لقد جرى، أولًا وقبل كل شيء، تقديم الكتَّاب الروس الذين حدَّدوا سمو الإنجازات الروحية والفنية لعصرهم، وهؤلاء هم الكتَّاب الذين تجاوزوا في تجربتهم الإبداعية الموهوبة الدوجما والأشكال النمطية، تاركين أثرهم الفعال، بطريقتهم الخاصة، على الطموحات الفنية للعصر، وهم أيضًا الذين يشهد مصيرهم الإبداعي على المستوى الرفيع لِما تمتَّعوا به من استقلال روحي وحرية داخلية. باختصار، فإن الحديث يدور هنا عن الكتَّاب الذين تعبِّر كلمتهم الأصيلة عن تعدُّد صور الحقيقة وتناقضاتها في مصير الإنسان والشعب الروسي في القرن العشرين بأكثر الأشكال الفنية والأخلاقية قوة.

وفي بعض الحالات نورد أيضًا معلومات عن كتَّاب مشهورين شغلوا مناصب رفيعةً في منظومة «القيادة» الأدبية، وهؤلاء تركوا بالفعل أثرًا حقيقيًّا على مسيرة الحياة الاجتماعية الأدبية. وفي نهاية كل «شهادة» نقدِّم معلومات ببليوجرافية موجزة، وقد وضعت هذه «الشهادات» في ترتيب زمني وفقًا لسنة ميلاد الكتَّاب، الأمر الذي يتفق مع الهدف الرئيسي للكتاب وهو تقديم صورة حية للأدب الروسي من خلال الأحداث والأشخاص، من خلال طبائعهم ومصائرهم الخاصة، لا مجرد تجميع لعدد من الحقائق فحسب. عمومًا فقد قمنا بكتابة أسماء «الشخصيات» بخط بارز تسهيلًا على القارئ في البحث عن المعلومات الضرورية له.

(١) قائمة أسماء «الكتَّاب الروس في القرن العشرين»

ف. ف. روزانوف، ف. ك. سولوجوب، د. س. ميريجكوفسكي، م. جوركي، ز. ن. جيبيوس، أ. إ. كوبرين، أ. ب. تشابيجين، إ. أ. بونين، ل. ن. أندرييف، م. أ. كوزمين، ف. ي. بريوسوف، م. م. بريشفين، إ. س. شميليف، م. أ. فولوشين، أ. م. ريميزوف، أ. أ. بلوك، أندريه بيلي، أ. ن. تولستوي، ي. إ. زامياتين، ن. أ. كليويف، أ. ك. فورونسكي، فيليمير خليبنيكوف، ن. س. جوميلوف، ف. ف. خوداسيفيتش، س. أ. كليتشكوف، أ. أ. أخماتوفا، ب. ل. باسترناك، أ. إ. ماندلشتام، م. أ. بولجاكوف، م. إ. تسفيتايفا، ف. ف. ماياكوفسكي، إ. إ. بابل، ي. ن. تينيانوف، ج. ف. إيفانوف، ب. أ. بيلنياك، م. م. زوشينكو، س. أ. يسينين، إ. إيلف وي. بيتروف، ك. ك. فاجينوف، ي. ك. أوليشا، أ. ب. بلاتونوف، ف. ف. نابوكوف، ل. م. ليونوف، م. أ. شولوخوف، أ. أ. فادييف، ن. أ. زابولوتسكي، أ. ب. جايدار، د. خارمس، ف. س. جروسمان، د. ل. أندرييف، ف. ت. شالاموف، ي. أ. دومبروفسكي، أ. ت. تفاردوفسكي، ف. ب. نكراسوف، ك. م. سيمينوف، أ. إ. سولجينتسين، ف. أ. أبراموف، ف. ب. أسطافيف، ي. ف. تريفونوف، ف. أ. بوجومولوف، أ وب. ستروجاتسكي، ف. م. شوكشين، ي. ب. كازاكوف، ج. ن. فلاديموف، ف. إ. بيلوف، ن. م. روبتسوف، أ. ف. فامبيلوف، ف. س. ماكانين، ف. ج. راسبوتين، ف. س. فيسوتسكي، ل. س. بتروشيفسكايا، ف. ف. يروفييف، إ. أ. برودسكي.

(١-١) فاسيلي فاسيليفيتش روزانوف

(٢٠ أبريل (٢ مايو بالتقويم القديم) ١٨٥٦م، فيتلوجا، إقليم كوسترومسكايا، ٥ فبراير ١٩١٩م، سيرجييف بوساد بالقرب من موسكو).

وُلد فاسيلي روزانوف في أسرة برجوازية صغيرة كثيرة الأطفال. فقد والده مبكرًا. قضى طفولته في مسقط رأسه، في هذه المدينة التي تركت في نفسه ذكريات أليمةً إلى الأبد. كان قدَره أن يعيش وحيدًا منذ مطلع حياته؛ ففي الثالثة عشرة من عمره فقَدَ أمه أيضًا.

تلقَّى روزانوف تعليمه في ثانوية سيمبيرسك، لينتقل منها إلى ثانوية نيجيجورود. وقد اعتنق الأفكار المادية و«التقدمية» التي كانت سائدةً في ستينيات القرن التاسع عشر آنذاك، ثم خمد حماسه تجاهها بعد ذلك.

الْتحق بجامعة موسكو بكلية الآداب والتاريخ ليتخرَّج فيها بعد اثنَي عشر عامًا، ليعمل بعدها مدرسًا للتاريخ والجغرافيا في المدارس الثانوية في عدد من مدن الأقاليم الروسية (بريانسك، سيمبيرسك، فيازيما، يليتس، بيليسك).

وفي مطلع التسعينيات يبتعد روزانوف عن مجال التعليم ليعكس خبرته في التدريس ودور المعلم وتأمُّله لمغزى التعليم، في واحد من أوائل كتبه المسمى «ظلام التعليم»، حيث جمع فيه مقالاته التي كتبها في الفترة من عام ١٨٩٣م وحتى عام ١٨٩٨م، قدَّم من خلالها رؤيةً نقدية كاملة لنظام التعليم الروسي.

كان روزانوف أديبًا روسيًّا متميزًا، وفي الوقت نفسه كان شخصيةً فريدة في الحياة الأدبية في هذا العصر. وبوصفه مثقفًا متعدد الجوانب أصدر عملًا ذا طابع فلسفي، يُعد الدراسة الأولى له في هذا المجال تحت اسم «عن الفهم» (١٨٨٦م). وقد ظهرت له أعمال كثيرة، باعتباره مؤرخًا دينيًّا وكاتبًا اجتماعيًّا، تتناول موضوعات خاصةً بالكنيسة والدين، منها: «بالقرب من حوائط الكنيسة» (١٩٠٦م)، «الكنيسة الروسية» (١٩٠٩م)، «الوجه الأسود» (١٩١١م)، «أناس ضوء القمر» (١٩١٢م) وغيرها. وفي هذه الكتب اشتبك روزانوف في جدل شديد مع ممثلي الكنيسة الروسية الأرثوذوكسية. كما تناول بالنقد، بوصفه كاتبًا اجتماعيًّا، القضايا المعاصرة في الحياة في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في العديد من الصحف الروسية، الأمر الذي أثار عليه هجومًا عنيفًا في أحيان كثيرة. كان لديه أيضًا أعمال عن الكتَّاب الروس الكلاسيكيين اتسمت بالعمق والتفرد والصراحة، مثل «أسطورة المفتش الأعظم لفيودور دستويفسكي»، ١٨٩١م وغيرها.

احتل روزانوف في الحياة الأدبية الاجتماعية في زمنه مكانةً مستقلة، ولكنه كثيرًا ما كان يتخذ مواقف متناقضةً حول القضايا نفسها، وهو ما جعله يشتهر بكونه صحفيًّا لا مبدأ له. واقع الأمر أن ذلك كان مرجعه إحساسه بالتناقض الهائل بين الحياة الواقعية واستحالة تآلفها مع النماذج البسيطة المتكرِّرة التي لا تُعد. وراء ذلك أيضًا يكمن اهتمامه العميق بعملية الإدراك ذاتها، والحياة الداخلية للتفرد الإبداعي في استمراريتها وتعقُّدها.

وقد عبَّر روزانوف عن نفسه، بوصفه كاتبًا، بشكل أكثر اكتمالًا وأصالة، في كتابين من كتبه، فريدَين من ناحية الشكل والنوع بشكل لم يسبق له مثيل، هما: «الناسك» (١٩١٢م)، «الأوراق التي سقطت، المجموعة الأولى، المجموعة الثانية» (١٩١٣–١٩١٥م). في هذين الكتابين أصبح روزانوف «مؤرخًا لتعبيره الذاتي الخاص» مصورًا ومسجلًا، في أشكال حرة تمامًا، التيار المباشر لحياته الداخلية، كما لو أن الكتابين هما سجل لمذكراته اليومية، أقواله المأثورة، ملاحظاته حول ما يحدث، مقتطفات من كتاباته الخاصة، نقده، تأمُّلاته الدينية، تصويره للأحداث اليومية. يُضفي روزانوف أهميةً خاصة للقيم المأخوذة بشكل مباشر من الحياة السريعة المفعمة بكل أشكال الحقائق، وبكل ما تتميَّز به من «دهشة عَفْوية»، تأتي مباشرةً من الروح، دون افتعال، دون غرض، دون قصد، ودون أي تدخُّل. كتب روزانوف فيما بعد: «كان من الأفضل لي أن أموت؛ فلم أكن لأعتبر نفسي إنسانًا نبيلًا، لو ظل كل شيء صامتًا في مكان ما في الخفاء …» «من «الصدفة» تخرج «الضرورة» … كان أثر «الناسك» هائلًا تمامًا، وعلى النحو الذي كنت أطلبه بجنون من الأدب، سواء الغريب، أو الذي أُبدعه؛ إذلال النفس والتأثير في العواطف وتعميق المشاعر ونزع «المعطف» عنها» (المظاهر والشكليات). كان هذا هو صراع الكاتب من أجل اكتمال التعبير عن فرديته، من أجل تحرُّره من الأشكال الأدبية «الميتة» المعتادة.

استقبل فاسيلي روزانوف أحداث ثورة ١٩٠٥م بمزيد من الأمل، وراح يستمع بتوتر بالغ إلى سير الأحداث، منتظرًا وقوع تحوُّلات مثمرة في الحياة الروسية وتطهِّرها من كل الانقسامات القديمة، أن يلم شتات المجتمع الروسي بأسره من أجل بناء دولة عظمى.

على أن مسيرة التاريخ الواقعية جاءت على خلاف توقعات فاسيلي روزانوف.

عاش روزانوف أحداث ١٩١٧م باعتبارها كارثةً قومية، وكان قد قضى سنواته الأخيرة في سيرجييف بوساد، مسقط رأسه، حيث فقد أفراد عائلته، وحيدًا إلا من بعض المقرَّبين له من الكنيسة، وهناك كتب كتابه «سفر رؤيا زماننا» (الإصدار من ١ إلى ١٠)، وهي مذكرات السنوات الرهيبة التي عاشها.

لقد قضى روزانوف نحبه وهو يخوض صراعًا روحيًّا قاسيًا، دون أن يصل إلى حل نهائي للعديد من القضايا التي عذَّبته.

لم يُعَد طبع أعمال فاسيلي فاسيليفيتش روزانوف بعد وفاته لمدة ما يقرب من سبعين عامًا، لكن اسم روزانوف سيظل في التاريخ الحقيقي للأدب والفكر الروسي واحدًا من الأسماء المهمة، الجذابة والأصيلة.

أعمال ف. ف. روزانوف

الأعمال الكاملة (جمع وإعداد النص والتعليق: أ. ل. ناليبين، ت. ف. بوميرانسكي)، موسكو، دار نشر «سوفيتسكايا روسيا» (روسيا السوفييتية)، ١٩٩٠م؛ الأعمال الكاملة (جمع ب. ف. كورسانوف)، موسكو، «فسيسايوزني مولوديوجني كنيجني تسنتر» (مركز كتب الشباب لعموم الاتحاد السوفييتي)، ١٩٩٠م.

أعمال عن ف. ف. روزانوف

نوسوف ف. ف. روزانوف، جماليات الحرية، سان بطرسبورج، دار نشر «لوجوس»، دوسيلدورف، «جولوبوي فسادنيك» (الفارس الأزرق)، ١٩٩٣م.

نيكوليوكين أ. ن. فاسيلي فاسيليفيتش، روزانوف، موسكو، دار نشر «زنانيا» (المعرفة) ١٩٩٠م.

(١-٢) فيودور كوزميتش سولوجوب

(١٧ فبراير (الأول من مارس بالتقويم القديم) ١٨٦٣م، بطرسبورج، ٥ ديسمبر ١٩٢٧م، ليننجراد). يُعَد ف. ك. سولوجوب (الاسم الحقيقي للعائلة تيتيرنيكوف) كاتبًا كبيرًا ذا موهبة فذة. عانى مصيرًا صعبًا نادرًا منذ ميلاده وحتى الأيام الأخيرة في حياته. كان والده كوزما تيتيرنيكوف ابنًا غير شرعي لمالك أرض من بولتافا إبَّان الإقطاع القيصري. عاش في بطرسبورج بعد إلغاء الإقطاع، ليعمل ترزيًّا ثم ليموت مبكرًا تاركًا الأم مع طفلين، لتعمل خادمةً لدى عائلة أرملة مساعد مستشار. بدا أن الطفلين في وضع ملتبس، فلا هم أطفال بالتبني، ولا هم أطفال لخادمة. كانا يتعرَّضان، وفقًا لسير الأمور، للعقاب الجسدي على سبيل المثال. هنا عانى فيودور تيترنيكوف منذ طفولته من الوجه الآخر المتدني من الحياة. وكذلك بدأ تعليمه أيضًا من أدنى الدرجات؛ مدرسة أبرشية، مدرسة في أحد المراكز التابعة لبطرسبورج، وأخيرًا طالبًا في أحد المعاهد التربوية المغمورة في بطرسبورج، التي تخرَّج فيها في عام ١٨٨٢م. وبعد ذلك يقضي عشرة أعوام في التدريس في الريف، بدءًا من قرى محافظة نوفوجورد. في عام ١٨٩٣م فقط، وبعد تعرُّفه على الشاعر ن. مينسكي، الذي أثنى ثناءً رفيعًا على أعمال فيودور تيتيرنيكوف الأدبية، ينجح، للمرة الأولى، في الانتقال من الريف إلى بطرسبورج ليصبح مدرسًا للرياضيات في معهد روجديستفينسكي في البداية، لينتقل منه إلى معهد أندرييفسكي (ليعمل به مدرسًا لمدة خمسة عشر عامًا أخرى)، ثم ينجح، للمرة الثانية، وقد بلغ من العمر ثلاثين عامًا، في الدخول، أخيرًا، إلى الأوساط الأدبية الجادة.

ومنذ هذه اللحظة يصبح موظفًا في واحدة من المجلات الكبرى؛ «سيفيرني فيستنيك» (بشير الشمال)، التي كان يجتمع حولها «الرمزيون الكبار» (ن. مينسكي، وز. جيبيوس، وس. ميريجكوفسكي، وق. بالمونت). وهناك، في هيئة تحرير المجلة وُلد الاسم الأدبي المستعار للكاتب، ليصبح منذ هذا التاريخ سولوجوب.

ظهرت رواية «أحلام مزعجة» في «روسكي فيستنيك» (البشير الروسي) (١٨٩٤م). وعنوان الرواية يحمل دلالات رمزية؛ فهذه الأحلام هي، من ناحية، صور من حياة الريف المقبضة للنفس، الثقيلة على الروح. إنها تمثِّل الوجود الباهت والتافه لمدرس منزوٍ في أحد أركان الريف. لقد ظهر هذا العنوان مبكرًا عند سولوجوب تحت تأثير الفيلسوف شوبنهاور، وفكرة الحياة باعتبارها كابوسًا، حلمًا عبثيًّا يستغرق الإنسان فيه، ولا يصبح حتى الموت نفسه هو الاستيقاظ منه. إن مواجهة هذا الواقع لا تتم إلا بالخيال («نجمة ماير»، «أرض أويسلي»)، بالصلابة الداخلية فقط للإنسان الوحيد، الذي يدرك أن هذا الواقع لا مخرج منه. وبمرور الأعوام فقط أصبحت هذه المواجهة أكثر وضوحًا ورسوخًا عند سولوجوب، ولم يتغير أي شيء بداخله، بعد أعوام تقول زيانيدا جيبيوس عنه: «لا أعرف شخصًا غيره يمتلك إحساسًا أكثر رهافةً وعمقًا وشمولًا بوحدة الشخصية الإنسانية» (كتب سولوجوب، قائلًا: «أنا إله العالم الخفي»).

في الأعوام التي تلت الثورة الروسية الأولى كتب سولوجوب روايته الشهيرة «الكلب الصغير» (١٩٠٢–١٩٠٥م)، استند فيها على ما لديه أيضًا من مادة عن الحياة الريفية، أما بطل الرواية فهو بيريدنيوف، مدرس الثانوي، الذي أصبح تجسيدًا للحياة المبتذلة في عالم عبثي يدفع إلى الجنون والجريمة. وفي عام ١٩٠٨م يصدر لسولوجوب واحدة من أهم رواياته الشعرية؛ «الدائرة المشتعلة»، حيث تنوَّعت بصدق داخلي عميق نغمة عبثية الحياة والقضاء المحتوم للإنسان.

استقبل الأدباء المعاصرون نزعة التشاؤم والاكتئاب عند سولوجوب بصور شتى؛ فاليساريون والسياسيون (جوركي، فوروفسكي، لينين) استقبلوها بسلبية حادة، بينما قدَّر ألكسندر بلوك موهبة وإخلاص سولوجوب تقديرًا رفيعًا، واعتبر أن موضوع الاغتراب المأساوي للإنسان هو واحد من أهم الموضوعات في الأدب الروسي في القرن العشرين (كتب بلوك في مقالته «اللازمن» يقول: إن سولوجوب يعرف سر التحول الذي يحدث في ظلمات الطبيعة).

وبالإضافة إلى «الكلب الصغير» كتب سولوجوب عددًا آخر من الروايات («سحرة نافي»، ثلاثية «الأسطورة المصطنعة» وغيرها)، وكذلك عددًا من المسرحيات.

كان سولوجوب يأمل في تجديد الحياة الروسية إبَّان الحرب الروسية الألمانية. لم يقبل أحداث أكتوبر ١٩١٧م، حتى إنه طلب في البداية من السلطة أن تسمح له بالهجرة بشكل قانوني، لكن طلبه قوبل بالرفض. وبعد وفاة (انتحار) أقرب إنسان له وأكثرهم أهميةً في حياته، زوجته أنستاسيا تشيبوتاريفسكايا، لم تعاوده الرغبة هو نفسه في ترك بتروجراد، وراح يندمج بالتدريج في الحياة الأدبية بعد أكتوبر (عمل ضمن هيئة تحرير دار نشر «فسيميرنايا ليتيراتورا» (الأدب العالمي)، كما عمل بعض الوقت رئيسًا لإدارة اتحاد كتَّاب ليننجراد، وما إلى ذلك من أعمال). وقد عمل سولوجوب بالترجمة على نحو احترافي رفيع، وله في هذا المجال ترجمات قيمة لأشعار بول فيرلين. إجمالًا فإن سولوجوب، سواء باعتباره فنانًا، أو كشخصية، كان صعب الاندماج مع قانون «الأدب الروسي»، الذي كان سائدًا آنذاك. ظل سولوجوب على مدى خمسين عامًا بعد وفاته، في حقيقة الأمر، كاتبًا منبوذًا يحيطه النسيان.

أعمال ف. ك. سولوجوب

أشعار (المقال الافتتاحي والإعداد والملاحظات، م. ديكمان، ليننجراد، دار نشر سوفيتسكي بيساتل (الكاتب السوفييتي)، ١٩٧٨م (سلسلة مكتبة الشاعر، السلسلة الكبرى)).

انسجام: قصائد شعراء المهجر، ترجمة إ. أنينسكي، ف. سولوجوب (تقديم أ. فيودوروف)، موسكو، دار نشر «بروجرس» (التقدم)، ١٩٧٩م.

«الكلب الصغير»: رواية، موسكو، خودوجستفينايا ليتيراتورا، ١٩٨٩م.

«أحلام مزعجة»: رواية، «قصص قصيرة»، موسكو، خودوجستفينايا ليتيراتورا، ١٩٩٠م.

أعمال عن ف. ك. سولوجوب

انظر: المقالات والمقدمات في طبعات دُور النشر المشار إليها، يروفييف فيك. على حافة الانفجار («الكلب الصغير» سولوجوب على خلفية تقاليد الواقعية الروسية). مجلة «قضايا الأدب»، ١٩٨٥م، العدد ٢، ص١٤٠–١٥٨.

(١-٣) ديمتري سيرجيفيتش ميريجكوفسكي

(٢ (١٤) أغسطس ١٨٦٥م، سان بطرسبورج، ٩ ديسمبر ١٩٤١م، باريس).

وُلد د. س. ميريجكوفسكي في عائلة نبيلة كثيرة العدد لموظف في البلاط، وصل بعد خدمته الطويلة إلى رتبة مستشار. كان الأب مشغولًا كليةً بمستقبله العملي، وكان فظًّا بارد المشاعر، أما الأم فكانت تعني الكثير بالنسبة للصبي («بفضل حنانك المفعم بالعذاب والألم/أدين بكل ما أملك في الحياة لك»). قضى د. س. ميريجكوفسكي «السنوات العجاف» في الدراسة في إحدى الثانويات التقليدية، كان في طفولته خجولًا منطويًا، يتعرَّف على أترابه بصعوبة بالغة، وقد بدأ كتابة الشعر في سن مبكرة. وفي عام ١٨٨٠م اصطحبه أبوه في زيارة إلى فيودور دستويفكسي، الذي كان يتعامل مع الشعر بحرص شديد. وهناك قال له دستويفكسي: «لكي تكتب شعرًا جيدًا، عليك أن تكابد الألم، أن تكابد الألم!» وقد تعرَّف الشاعر الشاب آنذاك على س. ي. نادسون، ليدخل بعد ذلك إلى عالم الأدب. كان ميريجكوفسكي يرى أن ن. ك. ميخايلوفسكي، وج. إ. أوسبينسكي هم معلموه. وبتأثير من أوسبينسكي شرع ميريجكوفسكي في القيام برحلته؛ إلى الشعب. كان يأمل في الوقت نفسه، وبعد أن أنهى الجامعة، في أن يصبح مدرسًا ريفيًّا. وكان ميريجكوفسكي قد تلقَّى تعليمه في كليتَي الآداب والتاريخ بجامعتَي سان بطرسبورج وموسكو.

شهد عام ١٨٨٨م صدور أول ديوان شعري لميريجكوفسكي، وفي العام نفسه تعرَّف في أثناء رحلته إلى جورجيا، بعد أن أنهى الجامعة، على زينايدا ن. جيبيوس في منتجع بورجومي ليتوِّجا تعارفهما بالزواج في يناير ١٨٨٩م، وقد احتلَّت هذه العائلة مكانةً بارزة في الحياة الأدبية الروسية.

بدايةً من مطلع التسعينيات، ربط ميريجكوفسكي نشاطه الأدبي بمجلة «سيفرني فيستنيك» (بشير الشمال)، التي أصبحت لسان حال «الرمزيين الكبار». كان كتاب د. س. ميريجكوفسكي «حول التيارات الجديدة في الأدب الروسي المعاصر وأسباب سقوطها» (١٨٩٢م) بداية حركة الرمزية الروسية باعتبارها اتجاهًا أدبيًّا منهجيًّا. وقد أصدر ميريجكوفسكي في العام نفسه ديوانًا شعريًّا حمل اسم «الرموز». وكان يرى أن أسباب الأزمة تكمن في التوجه الضيق الأفق للأدب «الوطني» منذ الستينيات وحتى الثمانينيات، وكذلك في التصوير الاجتماعي والفلسفي الضحل والفقر الروحي الذي ميَّز هذا الأدب، معتبرًا أن الخروج من هذه الأزمة يكمن في تعميق المضمون الديني الصوفي والوصول إلى الرموز في الجوانب العميقة الغامضة في الحياة من خلال اللغة، وتحقيق الحرية الكبرى ومرونة الشكل الفني.

دخل د. س. ميريجكوفسكي إلى الأدب الروسي الذي أبدعه «العصر الفضي» باعتباره فيلسوفًا دينيًّا، هذا الإبداع الباحث عن إجابات على الأسئلة المطروحة حول مغزى التاريخ ومعنى الحياة الإنسانية. وقد خضعت كتابات ميريجكوفسكي، سواءً الاجتماعية والنقدية، أو رواياته العديدة ومسرحياته، بل مجمل نشاطه الأدبي والاجتماعي بأكمله إلى هذا التيار الإبداعي.

وقد طوَّر ميريجكوفسكي أفكاره في كتابه «الرفاق الخالدون» (١٨٩٧م)، وهو مجموعة من المقالات، ثم في بحثه الموسع الصادر في مجلدين بعنوان «ليف تولستوي ودستويفسكي» (١٩٠١-١٩٠٢م)، وكذلك في رواياته من ثلاثية «المسيح والمسيح الدجال» حيث تضمنت «موت الآلهة (يوليان المرتد)» (١٨٩٨م)، «بعث الآلهة (ليوناردو دافينشي)» (١٩٠١م)، «المسيح الدجال (بيوتر والكسي)» (١٩٠٥م). وبوصفه روائيًّا يستلهم التاريخ، فقد تعامل ميريجكوفسكي مع الأحداث والوقائع التاريخية الحاسمة، حيث تظهر الصدمات بين أقطاب القوى الروحية في الكون.

برز ميريجكوفسكي إبَّان سنوات الثورة الروسية الأولى باعتباره كاتبًا مستقلًّا حادًّا، يقدِّم تفسيره الخاص للقوى الاجتماعية، التي ظهرت في سياق أحداث هذه الثورة («الوغد القادم» (١٩٠٦م)، «روسيا المريضة» (١٩١٠م) وغيرها). وقد احتلت الجمعية الفلسفية الدينية التي أسَّسها ميريجكوفسكي بالاشتراك مع كل من ز. ن. جيبيوس، ود. ف. فيلوسوفوف في عام ١٩٠١م مكانةً مهمة في الحياة الثقافية الروسية، وكان هدف الجمعية هو مكافحة الأفكار المادية من أجل خلق وعي ديني جديد وتجاوز النزعة الدوجمائية لدى الأرثوذوكسية الرسمية، وتوحيد الكنيسة مع العالم باعتبارها طريقًا نحو النهضة الروحية. وقد قوبل نشاط هذه الجمعية بهجوم حاد في الحياة الأدبية والكنسية في تلك الأعوام.

تشغل الأعمال المسرحية لميريجكوفسكي مكانةً بارزة في إبداعه (مسرحيات «بافل الأول» ١٩٠٨، «القيصر ألكسي» ١٩١٠م، وجميعها لاقت نجاحًا كبيرًا عند عرضها على خشبات المسارح الكبرى). وقد كتب ميريجكوفسكي روايات عن الحياة الروسية في مطلع القرن التاسع عشر («ألكسندر الأول» (١٩١١م)، و«الرابع عشر من ديسمبر» (١٩١٨م)).

اتخذت عائلة ميريجكوفسكي والمحيطون بها موقفًا من أحداث ثورة ١٩١٧م، فقد استقبلوا أحداث فبراير ومارس بروح مفعمة بالأمل، بينما أعرضوا بشدة عن أكتوبر. وبعد مرور بعض الوقت على محنة «عصر الشيوعية العسكرية»، قامت العائلة في ديسمبر ١٩١٩م بالهروب من روسيا السوفييتية إلى بولندا أولًا، ثم إلى باريس ليقيموا بها حتى أيامهم الأخيرة. وفي باريس كان بيت عائلة ميريجكوفسكي واحدًا من مراكز أدب المهجر الروسي. وقد ظل آل ميريجكوفسكي على موقفهم السلبي تجاه الحركة البلشفية لم يغيِّروه حتى النهاية، الأمر الذي كان له بعض الأثر على عُزلتهم في أوساط المهجر. على أن اتهام عائلة ميريجكوفسكي بتورُّطهم في علاقات مشبوهة مع دوائر رجعية وخاصةً مع دوائر فاشية، ليس له أي أساس من الصحة. لقد جرى ترشيح ميريجكوفسكي (إلى جانب شميليف وبونين) للحصول على جائزة نوبل، والآن توضع على بيته في باريس لوحة تذكارية.

بعد نسيان لأعمال د. س. ميريجكوفسكي في وطنه امتدَّ لنصف قرن، تعود هذه الأعمال مرةً أخرى لتأخذ مكانها في الأدب الروسي، ولتجتذب حياته ومؤلفاته اهتمام الباحثين المعاصرين.

أعمال د. س. ميريجكوفسكي

الأعمال الكاملة في أربعة مجلدات، دار نشر «برافدا» (الحقيقة)، ١٩٩٠م، (مكتبة أوجينيوك (الشعلة)).

المختارات: رواية، أشعار، مقالات، أبحاث (الإعداد والمقال الختامي بقلم أ. جورلو كيشيينيوف، دار نشر «ليتيراتورنايا أرتيستيكا»، ١٩٨٩م).

أعمال عن د. س. ميريجكوفسكي

جيبيوس ميريجكوفسكايا، ز. ديمتري ميريجكوفسكي: مذكرات ديمتري ميريجكوفسكي، ١٤ نوفمبر … موسكو، دار نشر «موسكوفسكي رابوتشي» (العامل الموسكوفي)، ١٩٩١م، وكذلك المقالات المشار إليها في طبعات كتب د. س. ميريجكوفسكي.

(١-٤) مكسيم جوركي

(١٨ (٢٨) مارس ١٨٦٨م، نيجني نوفوجورود – ١٨ يونيو ١٩٣٦م، ضاحية جوركي بالقرب من موسكو).

وُلد مكسيم جوركي (الاسم الحقيقي ألكسي مكسيموفيتش بيشكوف) في عائلة مدير في مكتب لإحدى شركات الملاحة العاملة في نهر الفولجا. فقد والده وهو في الثالثة من عمره. تنتمي أمه لأسرة كان عائلها يمتلك مصبغة. وبعد وفاة جده ثم أمه من بعده، عاش جوركي مرارة الوحدة واليتم المبكر، واضطُر للخروج للحياة «وسط الناس» ليصبح أكثر صلابةً في مواجهة الظروف من حوله. عاش في مدينة قازان بدايةً من عام ١٨٨٦م، وهناك اقترب من الشباب الراديكالي، وانضم إلى الحلقات الماركسية، وقد فشل في محاولته الدعوة للمذهب الماركسي بين الفلاحين. وعندما بلغ العشرين، قام برحلة طاف فيها أرجاء روسيا، وهي رحلة تركت لديه انطباعات عديدةً متنوعة، كما تركت لديه إحساسًا عميقًا بكراهية نمط الحياة التقليدي الذي يعيشه الفلاحون الروس.

في عام ١٨٩١م يكتب مكسيم جوركي أول قصة قصيرة له بعنوان «ماكار تشودرا»، ليحترف الأدب منذ عام ١٨٩٢م. وكان أول اسم مستعار يستخدمه هو إيوجوديل خلاميدا، أما أبطال نثره المبكر فهم: إيزيرجيل، لويكو، دانكو، تشيلكاش، مالفا وغيرهم. وهؤلاء هم المهمَّشون، الذين خرجوا على نمط الحياة العادية، وعلى رأسهم الذين وضعوا استقلالهم وإرادتهم وحقهم في مواجهة الحياة «المعتادة». كانت هذه القضية واحدةً من أكثر القضايا التي سادت الأدب الروسي على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين شعبية. وقد اكتسب اسم مكسيم جوركي شهرة، وزاد من تألُّقه أنه الكاتب القادم من جماهير الشعب. وفي عام ١٨٩٨م، صدرت «مقالات وقصص» جوركي في مجلدين.

بحلول القرن العشرين أصبح مكسيم جوركي في قلب الحياة الأدبية والاجتماعية. وقد تعرَّض للاضطهاد السياسي لمجرد أنه بات كاتبًا ذائع الصيت، واختارته أكاديمية العلوم الروسية أكاديميًّا فخريًّا بها، لكن هذا الاختيار أُلغي بناءً على تعليمات خاصة من القيصر نيكولاي الثاني. انتهت مشاركة جوركي الفعالة في أحداث الثورة الروسية الأولى بالاعتقال والحبس لمدة قصيرة في قلعة بتروبافلوفسك، وهناك كتب مسرحية «أبناء الشمس». وقد عُرضت مسرحياته الأخرى بنجاح بالغ في كل أرجاء روسيا وخاصةً «الحضيض». تم نفي الكاتب ليعيش في الولايات المتحدة الأمريكية عامَي ١٩٠٦م، ١٩٠٧م، ليذهب بعدها للعيش في إيطاليا في جزيرة كابري حتى عام ١٩١٣م، وطوال هذه السنوات واصل عمله الأدبي المبدع على نحو متميز. وفي سياق بحثه عن أُسس يستند إليها في نضاله ضد العالم «القديم»، اتجه مكسيم جوركي للتحالف مع الاشتراكيين الديمقراطيين. وقد استخدم جوركي بشجاعة الثوريين السريين ليكونوا أبطال روايته «الأم» (١٩٠٧م) (وصوَّرهم في بعض الأحيان بشكل بلاغي صريح)، وهي رواية تفتقر إلى العمق والواقعية. وقد نالت الرواية مزيدًا من الإطراء والمديح إبَّان العهد السوفييتي، وإن تناولها النقد الجاد عند ظهورها بتحفُّظ شديد، وكذلك فعل تجاهها الفيلسوف والناقد جيورجي بليخانوف. زد على ذلك أن علاقة مكسيم جوركي بالعقائد الجامدة (الدوجما) التي اعتنقها الاشتراكيون الديمقراطيون، وخاصةً العقائد البلشفية، بدت في أحيان كثيرة مثارًا للجدل الحاد. وعشية الانقلابات الكبرى راح الكاتب يفكِّر مليًّا في مصير الشعب الروسي. وعلى الرغم من أنه تناول الحياة الروسية بشكل سطحي في بعض أعماله، فإنه توصَّل إلى إدراك كنه هذه الحياة على نحو أكثر عمقًا واكتمالًا في أعمال أخرى مثل: «حياة ماتفي كوجيمياكين»، «جورودوك أوكوروف»، «حكايات روسية» وغيرها. أمَّا سيرته الذاتية التي سجَّلها في ثلاثية «الطفولة، بين الناس، جامعاتي» (١٩١٦–١٩٢٣م)، فهي واحدة من الأعمال التي كُتب لها الخلود.

وعلى مدى سنوات الثورة والحرب الأهلية، ظل جوركي ينشر في صحيفة «نوفايا جيزن» (الحياة الجديدة) ملاحظات لاذعةً دفاعًا عن الثقافة، تضمَّنت هذه الملاحظات «أفكارًا سابقة لأوانها»، كان يدخل من خلالها في جدل مع البلاشفة. وفي هذه السنوات كان يصنع الكثير من أجل إنقاذ الإنتليجنسيا الروسية. وفي نهاية ١٩٢١م يسافر إلى الخارج، في الواقع فقد هاجر ليعيش نمطًا مختلفًا من الحياة في إيطاليا، في سورينتو.

كانت هذه الفترة من أكثر الأوقات من الناحية الإبداعية نضجًا وقوة (ملاحظات من المذكرة، «المذاكرات»، «قضية آل أرتومونوف»، «حياة كليم سامجين»، قصص قصيرة). إجمالًا فقد كان وضع جوركي ملتبسًا؛ فمن ناحية، لم يدعم علاقاته بأدب المهجر تمامًا، وباعتباره كاتبًا حساسًا يعبِّر عن مجتمعه، فقد كان بحاجة إلى قوة إضافية وإلى الاعتراف به، وهو ما أعاده إلى روسيا السوفييتية، في عام ١٩٢٨م يسافر للاحتفال بيوبيله الستيني، وفي عام ١٩٣١م يعود بصفة نهائية إلى الاتحاد السوفييتي.

وكسابق عهده يعمل بوصفه روائيًّا (رواية «حياة كليم سامجين»، مسرحيات، مقالات). كتب روايته «الأخيرة» بصعوبة بالغة لتجيء مفاجئةً للجميع، رواية «مخالفة لجوركي» في شيء ما. وكان جوركي عادةً مستعدًّا، وهو يدعو لأكذوبة أن النشاط الإنساني يكمن في إعادة بناء العالم، «للتضحية بالمسيرة الطبيعية للحياة». وفي قلب الرواية كان سامجين يبدو بائسًا على نحو واضح، «مثقفًا متوسط القيمة»، وكان الإنسان ضحيةً لهذه الأكذوبة. قد يُرينا الكاتب هنا، فجأة، أن التدخُّل المتعسِّف في الحياة يكون قاتلًا، في الواقع؛ فقد أصبحت شخصيات الرواية رهن التاريخ. إننا نعرف بشكل واضح، لماذا أصبحت «حياة كليم سامجين» الأقل «طلبًا» من بين أعمال الكاتب الأخرى العظيمة.

ها هو مكسيم جوركي يعود إلى الاتحاد السوفييتي من جديد ليأخذ مكانه في قلب الحياة الأدبية والسياسية. أما النظام الشمولي، الذي توطَّدت أركانه، فقد سعى على نحو فعَّال لاستغلال طاقة وشهرة مكسيم جوركي لدعم هذا النظام. على أي حال، فقد كان من الواضح أن وجوده قد حال، جزئيًّا، من تطرف سلطة السياسة الأدبية. انبرى جوركي للدفاع عن زامياتين وبيلنياك، حافظ على هيبة يسنين وماياكوفسكي، ولكنه لم يستطع أن يكون مستقلًّا عن النظام.

ما من شك في أن مكسيم جوركي كان فنانًا وإنسانًا عظيمًا، ذا شخصية مركبة ومتناقضة. كان واحدًا من هؤلاء الكتَّاب الروس الكبار في القرن العشرين، الذين يجب علينا دراسة خبرتهم الروحية والفنية بجد وأمانة.

أعمال مكسيم جوركي

طبعات السيرة الذاتية لجوركي لا يمكن حصرها. ينبغي الاهتمام بواحد من أهم أعماله التي صدرت حديثًا، وهو «أفكار سابقة لأوانها، ملاحظات عن الثورة والثقافة». ريبرنت، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بياستل» (الكاتب السوفييتي)، ١٩٩٠م.

أعمال عن مكسيم جوركي

من بين المراجع الحديثة المهمة عنه التي تلفت الانتباه مقالة ن. بارامونوف «جوركي، الحلقة المفقودة»، مجلة «أوكتيابر» (أكتوبر)، ١٩٩٢م، العدد ٥، وهناك عديد من الإصدارات الأخرى. نوصي أيضًا بالاطلاع على «المذكرات» التي صدرت مؤخرًا (في مجلدين) ك. إ. تشوكوفسكي.

(١-٥) زينايدا نيكولايفنا جيبيوس

(٨ (٢٠) نوفمبر ١٨٦٩م، في بيليف بمحافظة تولسكايا – ٩ سبتمبر ١٩٤٥م، باريس).

وُلدت ز. ن. جيبيوس في عائلة رجل القانون ن. ر. جيبيوس، وترجع أصوله إلى بوميرانيا، وقد استقرَّت في موسكو في الضاحية الألمانية منذ أوائل القرن السادس عشر. كان والدها كثيرًا ما يغيِّر أماكن عمله بسبب ضرورات العمل أو تبعًا لحالته الصحية (تولا، ساراتوف، بيليف، خاركوف، نيجين). وبعد وفاة الوالد المبكرة اضطُرت العائلة إلى التنقل أيضًا عدة مرات (يالطا، تفليس، وغيرها). كما كان على ز. ن. جيبيوس أن تبدأ في التعلم بشكل أساسي على يد مدرسين بالمنزل. وها هي تبدأ في كتابة الشعر في مطلع حياتها.

كان لقاؤها في ١٨٨٦م، في منتجع بورجومي في جورجيا بالشاعر الشاب د. س. ميريجكوفسكي هو الحادث الأهم في حياتها، وقد تزوَّجا في يناير ١٨٨٩م، واستقر بهما المقام في بطرسبورج، التي ارتبطت حياتها الإبداعية والاجتماعية بها على مدى العقود الثلاثة التالية. اقتربت من حلقة «الرمزيين الكبار» (ن. مينسكي، أ. فولينسكي، ف. سولوجوب)، ونشرت قصائدها في مجلة «سيفيرني فيستنيك» (بشير الشمال)، وشاركت في تأسيس الجمعية الفلسفية الدينية، ومجلة «نوفي بوت» (الطريق الجديد) لسان حال الجمعية (١٩٠٣-١٩٠٤م).

كانت قصائدها الأولى، ثم نثرها فيما بعد، يعكسان مشاعر إنسان يعاني الوحدة على نحو مؤلم ورباطة جأش فائقة في عالم يفتقر إلى الكمال، كما عبَّرت فيها عن البحث عن القيم الروحية الرفيعة ومواجهة ركاكة الحياة، وعن إحساسها بتفوُّقها وقدرتها على تحمُّل مسئولية البقاء. وفي تلك السنوات كان موضوع «الإنسان الإله» ومساواة الإنسان به، واحدًا من الموضوعات الأساسية في شعر ز. ن. جيبيوس. وقد نشرَت أول «ديوان شعري» لها في عام ١٩٠٤م، تلاه الديوان الثاني في عام ١٩١٨م. كل من الديوانين تضمَّن أعمالًا مهمة تم اختيارها بعناية، وقد حوى ديوانها الثالث «القصائد الأخيرة»، بشكل خاص، أشعارها عن سنوات الحرب والثورة المأساوية (١٩١٤–١٩١٨م).

ز. ن. جيبيوس كاتبة تمتلك إمكانات أدبيةً عريضة؛ فهي تكتب النثر (ولها في هذا النوع حوارات روائية سياسية ودينية: «الدمية الشيطانة» ١٩١٧م، «ملكة الروايات» ١٩١٣م؛ مجموعة قصصية: «أسود على أبيض» ١٩٠٨م، «أعشاب القمر»)، كما أنها ناقدة أدبية شاركت بنشاط فعَّال في الدوريات الأدبية في تلك الفترة، ونشرت فيها مجموعةً من المقالات بعنوان «المذكرة الأدبية» ١٩٠٨م، تحت اسم مستعار هو «أنطون كرايني».

لم تكن الخبرة الثقافية التي تملكها جيبيوس، وكذلك القيم الروحية التي تدافع عنها تتماشى مع واقع الثورة البلشفية، يدل على ذلك ما دوَّنته في يومياتها عن ١٩١٧–١٩١٩م، عندما راحت تراقب عن كثب «الحياة الجديدة». وفي أواخر عام ١٩١٩م فرَّت بصحبة د. س. ميريجكوفسكي من روسيا السوفييتية لتذهب في البداية إلى بولندا، ثم إلى فرنسا، حيث عاشت بها ما يزيد على ربع قرن، أدَّت خلالها دورًا مهمًّا في الحياة الاجتماعية والأدبية والفلسفية للمهجر الروسي. وفي عام ١٩٣٩م يصدر إبَّان حياتها ديوانها الأخير «إشراق»، ضمَّنت جيبيوس كتابها الذي حمل اسم «وجوه حية» (١٩٢٥م)، مادةً حادة وموضوعية. وقد عملت جيبيوس في سنواتها الأخيرة على كتابة مذكراتها عن د. س. ميريجكوفسكي، وقد صدر بعد وفاتها.

ظلت أعمال ز. ن. جيبيوس ممنوعةً من النشر في وطنها على مدى سبعين عامًا. كان اسمها مرفوضًا، ولكن أعمالها عادت للظهور في السنوات الأخيرة بوفرة وعلى نطاق واسع لتعود من جديد إلى ذاكرتنا الأدبية.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة