الكتَّاب الروس في القرن العشرين، أعمالهم ومصائرهم/فلاديمير أكيموف – ترجمة أنور إبراهيم
أعمال أ. ب. جايدار
الأعمال الكاملة في أربعة أجزاء، موسكو، دار نشر «دييتسكايا ليتيراتورا» (أدب الطفل)، ١٩٦٤-١٩٦٥م.
الأعمال الكاملة في أربعة أجزاء، موسكو، «دييتسكايا ليتيراتورا»، ١٩٧١–١٩٧٣م، وفي طبعات أخرى كثيرة.
أعمال عن أ. ب. جايدار
أركادي جايدار، حياته وإبداعه (إعداد: ن. إ. ريباكوف)، موسكو، دار نشر «بروسفيشينيا» (التنوير)، ١٩٩١م.
جايدار ت. أ. جوليكوف، أركادي من أرزاماس، موسكو، دار نشر «بوليتيزدات»، ١٩٨٨م.
(١-٤٨) دانييل خارمس
(١٧ / ٣٠ ديسمبر ١٩٠٥م، بطرسبورج – ٢ فبراير ١٩٤٢م، في السجن).
الاسم الأصلي للكاتب هو يوفاتشيف. والده، إيفان بافلوفيتش يوفاتشيف، نبيل، ضابط بحري، شارك في شبابه في حركة نارودنايا فوليا (الإرادة الشعبية)، قضى عقوبة الحبس في قلعتَي بتروبافلوفسك وشليسيلبورج، وتم نفيه بعد ذلك إلى جزيرة ساخالين، أعلن عن توبته عن ذنوبه ﻟ «ميوله الثورية»، كانت بينه وبين ليف تولستوي خطابات متبادلة، تحوَّل في نهاية حياته إلى أرثوذوكسي شديد التدين. أطلق على ابنه اسم دانييل تيمنًا باسم النبي دانييل.
الاسم الأدبي الأساسي للكاتب هو «د. خارمس»، وكانت لديه، فضلًا عن ذلك، عدة أسماء مستعارة: د. شاردام، داندان، إيفان توبوريشكين، وأسماء أخرى، وهي أسماء عكسَ تنوُّعها وغموضها الطابع الجروتسكي «المبهم» في إبداع د. خارمس.
الْتحق في عام ١٩١٥م بأحد المعاهد، التي كانت جزءًا من مدرسة سان بيتر الألمانية، ولكنه أنهى دراسته الثانوية في الفترة السوفييتية (١٩٢٤م) في مدرسة ديتسكو الصناعية، والتي كانت عمته ن. إ. كاليوباكينا، مدرِّسة الأدب الروسي، مديرًا لها. وفي العام نفسه الْتحق بمعهد ليننجراد للكهرباء (لم يُكمل الدراسة به)، وفي عام ١٩٢٦م الْتحق بالدورات الحكومية التي كان ينظِّمها معهد تاريخ الفنون (ولم يُكمل الدراسة به أيضًا).
وفي تلك السنوات شعر د. خارمس بشكل محدَّد تمامًا أنه خُلق ليكون شاعرًا، فراح ينظِّم العديد من القصائد (تعود إحدى أوائل قصائده الباقية حتى الآن إلى عام ١٩٢٢م). في عام ١٩٢٥م تقدَّم د. خارمس بطلب انضمام إلى اتحاد شعراء عموم روسيا فرع ليننجراد (بعد أن ترك للاتحاد كُراستين ضمَّتا أشعارًا لم تُنشر). وقد قُبل طلبه في مارس ١٩٢٦م. وتعوَّد معرفته بالكتَّاب الحداثيين (ن. كليويف وغيره) إلى هذه الفترة؛ حيث توطَّدت صِلاته الودية بالأدباء الشباب الذين كانوا ينهجون نهجه الإبداعي نفسه (أ. فيينسكي، ك. فاجينوف، ن. زابولوتسكي، أ. توفانوف وغيرهم).
في عام ١٩٢٦م، ظهرت جماعة شعراء «تشينار» (من الصعب أيضًا تفسير هذا الاسم، الذي يحمل ربما، طابعًا هزليًّا غريبًا). وفي هذا العام بدأت الجماعة في تقديم عروضها الأدبية المسرحية المشتركة. وقد أصبحت هذه الجماعة نواةً لإبداع طليعي بروح جماعة أوبيريو (جماعة الفن الحقيقي)، التي تشكَّلت مع مطلع عام ١٩٢٨م. بحلول هذه الفترة أصبح د. خارمس مؤلفًا للعديد من الأعمال التي لم تُنشر؛ قصائد شعرية، مسرحيتان: «يليزافيتا بام»، «كوميديا مدينة بطرسبورج» وغيرها.
أثارت العروض الجماعية لجماعة «أوبيريو» انتقادات عدوانيةً حادة في صحافة الكومسومول (الشبيبة الشيوعية) في تلك السنوات، الأمر الذي أدَّى على الفَور إلى استحالة وجود هذه الجماعة بشكل قانوني. كما أدَّى حظر الأشكال الحرة للتعبير الأدبي أيضًا إلى اضطرار د. خارمس ورفاقه إلى اللجوء للاشتغال بأدب الأطفال (ويعود الفضل في جذبهم إلى عالم أدب الأطفال بالدرجة الأولى إلى كلٍّ من س. ي. مارشاك وق. إ. تشوكوفسكي).
وفي الفترة من ١٩٢٧م إلى ١٩٤٠م استطاع د. خارمس أن ينشر أعماله بوصفه كاتبًا للأطفال فحسب (وقد حظي بنجاح عظيم). عمل د. خارمس بشكل نشيط في مجلات الأطفال التي كانت تصدر في ليننجراد «تشيج»٢٩ و«يوج»،٣٠ وفي هذه السنوات صدر له ما يزيد على عشرة كتيبات للأطفال، تضمَّنت أشعارًا مبتكرة للأطفال بعضها من نظم د. خارمس، والبعض الآخر من ترجمته. على أن أعماله الرئيسية ﻟ «الكبار» ظلَّت غير منشورة إبَّان حياته، بل لسنوات طويلة بعد وفاته التي جاءت مبكرة.
تعرَّض د. خارمس للملاحقة منذ بداية الثلاثينيات، فاعتُقل للمرة الأولى في ديسمبر ١٩٣١م (أطلق سراحه في يونيو ١٩٣٤م، ولكنه أُرسل للمنفى في كورسك ليعود منها في نوفمبر من العام نفسه).
في عام ١٩٣٤م تم قَبول د. خارمس في اتحاد الكتَّاب السوفييت. وقد استمرَّ في العمل على كتابة أعمال ذات مضمون عبثي، وظل على علاقة إبداعية وودية طيبة مع عدد محدود من الأصدقاء المقرَّبين له (ل. ليبافسكي، ي. دروسكين، أ. فيدينيسكي، ف. بيتروف، ن. أولينيكوف وغيرهم). وعلى مدى هذه السنوات ظل د. خارمس بعيدًا عن الصدام مع «الجهات الأمنية»، وإن ظل تحت الرقابة، ومن حين إلى آخر كانت هذه الجهات «تختبره»، وما إن اندلع أُوار الحرب حتى تم اعتقاله من جديد في أغسطس ١٩٤١م. ووفقًا لمعلومات غير مؤكدة تمامًا فقد استُدعي من ليننجراد ليموت في مستشفى السجن في الثاني من فبراير ١٩٤٢م.
دخل د. خارمس إلى عالم الأدب باعتباره كاتبًا تميَّزت مؤلفاته بالغرابة وانتفاء المنطق واستخدام المبالغة (الجروتسكية) للتعبير عن احتجاجه على انهيار النسيج الثقافي والمعيشي للحياة والانحطاط الروحي للناس، وهي أمور كان الكاتب شاهدًا عليها في العشرينيات والثلاثينيات. وفي مسرحيتي «يليزافيتا باك» و«كوميديا مدينة بطرسبورج» (كُتبتا عام ١٩٢٧م)، وفي قصة «العجوز» (١٩٣٩م)، وسلسلة «الوقائع» (١٩٣٦–١٩٣٩م) وغيرها، أصبح الجروتسيك (المبالغة) والعبث واللامعقول يمثِّلون الأسلوب الفني المعبِّر عن اغتراب شامل لا يُقهر لإنسان سقط في تبعية لا يمكنه تجاوزها لقوًى عدوانية مناوئة للحياة.
بعد إعادة الاعتبار للكاتب في الخمسينيات أُعيد نشر مؤلفاته (النصوص المكتوبة ﻟ «الأطفال» أولًا). وفي الأعوام الأخيرة الماضية تم نشر كل أعمال الكاتب التي اكتُشفت، وهي محل دراسة الباحثين في روسيا وفي الخارج أيضًا، بعد أن تم ترجمة العديد منها. يُعد د. خارمس واحدًا من مؤسسي أدب العبث الأوروبي الحديث. وفي الوقت نفسه فقد نال شهرةً واسعة وشعبية كبيرة باعتباره كاتبًا لامعًا للأطفال.
أعمال د. خارمس
الطيران إلى السماء، شعر، نثر، دراما، خطابات (المقال الافتتاحي، إعداد النص والتعليقات: أ. أ. ألكسندروف)، ليننجراد، «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٨٨م.
حمَّام أرشميدس، قنسطنطين فاجينوف، نيكولاي زابولوتسكي، دانييل خارمس، نيكولاي أولينيكوف، ألكسندر فيدرينيسكي، إيجور باختيريف (إعداد النص، المقال الافتتاحي والتعليقات: أ. أ. ألكسندروف)، ليننجراد، «خودجستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٩١م.
أعمال عن د. خارمس
شيشمان ي. ي. بعض الحكايات السعيدة والحزينة عن دانييل خارمس وأصدقائه، ليننجراد، ١٩٩١م؛ وكذلك مقالات لألكسندر ألكسندروف في الأعمال السابق ذكرها لدانييل خارمس.
(١-٤٩) فاسيلي سيميونوفيتش جروسمان
(٢٩ نوفمبر/١٢ ديسمبر ١٩٠٥م، بيرديتشيف – ١٤ سبتمبر ١٩٦٤م، موسكو).
وُلد ف. س. جروسمان (الاسم الحقيقي يوسيف سولومونوفيتش) في عائلة مهندس كيمياء، كانت والدته مدرِّسةً للغة الفرنسية. في عام ١٩٢١م التحق بمعهد كييف للتعليم الشعبي، انتقل في عام ١٩٢٣م إلى جامعة موسكو الأولى ليلتحق بكلية الفيزياء والرياضيات (قسم الكيمياء)، ليُنهي الدراسة بها في عام ١٩٢٩م. عمل في المناجم في منطقة الدونباس، ثم انتقل منها إلى موسكو في عام ١٩٣٢م لأسباب صحية. ومنذ هذا التاريخ بدأ ف. س. جروسمان نشاطه الأدبي. وقد لفت إليه الانتباه بعد صدور قصته القصيرة «في مدينة بيرديتشيف»، ثم قصته «منجم»، «كليوكاوف» (العملان ظهرا عام ١٩٣٤م). واصل ف. ي. جروسمان عمله متناولًا موضوع «الطبقة العاملة والثورية» في رواية «ستيبان كالتشوجين» (١٩٣٧–١٩٤٠م). وفي الوقت نفسه فقد بدأت خبرته الذاتية في الظهور في الأدب الجديد الحر، فكتب قُبيل الحرب مسرحية «إذا كنت تؤمن باتباع فيثاغورس»، طرح فيها موضوعات التكرار القدري للأحداث العالمية (نُشرت عام ١٩٤٦م، وقد قوبلت باستهجان حاد من دوائر النقد الرسمي).
جاءت الحرب لتُصبح هي المرحلة المهمة في مصير ف. س. جروسمان الإبداعي والروحي. كانت رواية «الشعب هو الخالد» (١٩٤٢م) واحدةً من أفضل الأعمال التي كُتبت عن الحرب في تلك الفترة، ثم تبعها بعدد من المقالات تحت عنوان «سنوات الحرب»، التي أصبحت بمثابة المسوَّدات والمخزون الأول لمؤلفاته الأساسية التي وضعها بعد ذلك.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها بدأ ف. س. جروسمان في كتابة روايته الأولى «من أجل القضية العادلة» (١٩٥٢م). وقد خلقت هذه الرواية جوًّا من الإثارة الأدبية نظرًا لِما احتوت عليه من أفكار هائلة عن الحرب، ومع ذلك فقد استقبلها النقد الرسمي بشيء من الشك، وبعد إدخال بعض التعديلات عليها أُعيد نشرها في عام ١٩٥٤م.
وفي سنوات «ذوبان الجليد» بدأ ف. س. جروسمان العمل في الجزء الثاني من حكايته لأحداث الحرب برواية «الحياة والقدر» لينتهي منها عام ١٩٦١م، وعندما قدَّمها إلى مجلة «زناميا» (الراية) رفضت رئاسة المجلة نشرها لأسباب أيديولوجية. وسرعان ما صادرت لجنة الأمن القومي (كي. جي. بي) الرواية، أمَّا قيادات الحزب (وعلى رأسهم ميخائيل سوسلوف) فقد أعلنت أن الرواية «معادية للشعب السوفييتي»، وأنها لن تُنشر أبدًا. على أن مسوَّدة الرواية كُتب لها النجاة، ممَّا أتاح الاحتفاظ بها وإعادتها للحياة.
كان للصدمة الكبيرة التي تلقَّاها الكاتب بسبب مصير روايته، أثر كبير على تدهور صحته، فأُصيب بالسرطان ليقضي نحبه وهو في التاسعة والخمسين من العمر.
كان ف. س. جروسمان يعمل، في الوقت نفسه الذي كتب فيه روايته «الحياة والقدر»، في قصة «كل شيء يمضي»، التي بدأها في عام ١٩٥٥م، وهو عمل «هجين» يجمع بين النثر الاجتماعي والفلسفي، سعى الكاتب من خلاله، وكما قدَّم من قبل في رواية «الحياة والقدر»، أن يفهم تاريخ روسيا، وما وقع فيه من أحداث طوال سنوات السلطة السوفييتية.
وقد ظلَّت هذه المؤلفات، شأنها في ذلك شأن مؤلفات «الساميزدات» لسنوات طويلة تمثِّل حقائق أدبيةً سرية «خفية». وعندما صرَّح بنشرها أثارت جدلًا حادًّا.
أعمال ف. س. جروسمان
الحياة والقدر، رواية، موسكو، ١٩٨٨م.
بضعة أيام حزينة، قصص طويلة وقصيرة، موسكو، ١٩٨٩م.
الحياة والقدر، مدينة تالين، ١٩٩٠م (أكثر الطبعات اكتمالًا).
أعمال عن ف. س. جروسمان
بوتشاروف أ. فاسيلي جروسمان، حياته وإبداعه ومصيره، موسكو، ١٩٩٠م؛ «حياة وقدر» فاسيلي جروسمان، موسكو، ١٩٩١م (من وجهات نظر متعدِّدة).
(١-٥٠) دانييل ليونيدوفيتش أندرييف
(٢ نوفمبر ١٩٠٦م، برلين – ٣٠ مارس ١٩٥٩م، موسكو).
وُلد د. ل. أندرييف في عائلة الكاتب الروسي ل. ن. أندرييف. والدته ألكسندرا ميخايلوفنا (اسمها قبل الزواج فييلجورسكايا) تُوفيت بعد ولادته بعدة أيام. جرى نقله إلى موسكو في طفولته، حيث ترعرع وتربى وسط عائلة دوبروف. أمَّا رأس العائلة فكان الطبيب الموسكوفي الشهير ف. أ. دوبروف. وكان عرَّابه هو مكسيم جوركي. في الواقع إن دانييل عاش طفولته وشبابه دون أبيه، الذي نادرًا ما كان الفتى يذهب إليه للزيارة في بطرسبورج وفي بيته الصيفي في فنلندا (على نهر تشيورنايا) أو يراه في أثناء زياراته القصيرة بصحبة أخيه فاديم إلى موسكو. كان بيت آل دوبروف بيت كرم وحسن ضيافة، وكثيرًا ما كان يأتي إليه شاليابين٣١ وبونين وممثلو المسرح الفني. كانت عائلة دوبروف، عائلةً روسية أرثوذوكسية ودودةً عميقة التدين، يسود أطرافها الوئام والمحبة المتبادلة. يتذكَّر د. ل. أندرييف هذه الأيام بقوله: «كان أمرًا حسنًا أن أترعرع لدى آل دوبروف، وليس لدى أبي.» وقد ساد بينه وبين أبيه — والذنب على كاهل الأب — شعور بالاغتراب لا يمكن تجاوزه. سُرعان ما تُوفي الأب بعد اندلاع الثورة، بينما أصبح الأخ فاديم مهاجرًا. ولم يلتقِ الأخوان مرةً أخرى إلا بعد مرور أربعين عامًا، قُبيل وفاة د. ل. أندرييف (بالمناسبة، ظل فاديم بعد عودته إلى الوطن محتفظًا بعلاقاته في الخارج. وهو تحديدًا الذي نقل الميكروفيلم المسجَّل عليه نص كتاب ألكسندر سولجنتسين «أرخبيل جولاج» إلى الخارج، حيث تم نشره).
تلقَّى د. ل. أندرييف تعليمه في المنزل أولًا على يد مدرِّس جرت دعوته لهذا الغرض، ثم في مدرسة خاصة تمتلكها الأخوات ريبمان. أنهى تعليمه الثانوي في العشرينيات في مدرسة عمالية سوفييتية مشتركة. لم تقبله جامعة موسكو بسبب انتمائه «لطبقة اجتماعية أخرى». أنهى دورات الدراسات الأدبية العليا. كان أندرييف يكسب عيشه من خلال عمله في صف حروف الطباعة. لم ينشر د. ل. أندرييف في حياته عملًا واحدًا نثرًا أو شعرًا، على الرغم من أنه نظم في الثلاثينيات عددًا كبيرًا من المؤلفات الشعرية، كما بدأ آنذاك العمل في كتابة رواية «جوَّالو الليل»، حكى فيها عن زمنه، وعن الحياة الشخصية لبطله وعن الناس المحيطين به.
شارك في الحرب الوطنية العظمى جنديًّا غير محارب، دخل إلى ليننجراد المحرَّرة مع الفرقة ١١٩ مشاة (قصيدة «سفر الرؤيا الليننجرادي»، ١٩٤٩–١٩٥٣م، التي عكست انطباعاته عن هذا الزمن).
أقام في موسكو بعد الحرب مدةً قصيرة، وكان قد تزوَّج في عام ١٩٤٥م من أللا ألكسندروفنا بورجي، ابنة عالم الفسيولوجيا الموسكوفي (وكانا قد تعارفا في عام ١٩٣٧م). اعتُقل في عام ١٩٤٧م نتيجة وشاية، وُجهت إليه تهمة الإعداد لاغتيال ستالين وغيره، وحُكم عليه بالعقوبة القصوى؛ السجن لمدة خمسة وعشرين عامًا (صدر هذا الحكم في تلك الفترة القصيرة، التي أُلغي فيها حكم الإعدام). وقد حُكم أيضًا على أللا ألكسندروفنا أندرييفا بالسجن خمسةً وعشرين عامًا في معسكرات موردوفسك.
وقد قضى الكاتب الجزء الأكبر من العقوبة في سجن فلاديميرسك المركزي.
أُطلق سراح د. ل. أندرييف وزوجته بعد قضاء عشر سنوات في السجون، عندما بدأت موجة إعادة الاعتبار للذين جرى اعتقالهم دون سند قانوني. وبعد إطلاق سراحه عاش ثلاثةً وعشرين شهرًا في ظروف بالغة الصعوبة كتب خلالها بحثه المسمَّى «زهرة العالم» جمع فيه أشعاره وقصائده التي فقدت أو أصابها التلف. قضى د. ل. أندرييف نحبه بعد معاناة مرضية شديدة، نتيجة تفاقم مرض انسداد شرايين القلب، الذي أُصيب به في أثناء وجوده في السجن عام ١٩٥٥م.
ارتبط إبداع د. ل. أندرييف بتقاليد ثقافة «العصر الفضي» الدينية والفلسفية. وتُعد «الثلاثية» هي عمله الرئيسي، وهي مكوَّنة من بحثه «زهرة العالم»، وقصيدة «الغموض الحديدي»، والمجموعة الشعرية «الآلهة الروسية»، وتبلغ مجموعة القصائد بها ما يزيد على عشر قصائد، إلى جانب العديد من الأشعار العاطفية والملحمية (ما وراء التاريخية، إن شئنا الدقة).
تعرَّضت رواية «جوَّالو الليل» مبكِّرًا للتدمير وهي لا تزال مخطوطةً في أثناء اعتقاله، ولم يكن من الممكن إحياؤها. ويقع الذنب فيما حدث لهذه الرواية إلى د. ل. أندرييف نفسه؛ فقد أتاح قراءتها لعدد محدود من الناس، وكان هذا سببًا كافيًا لأن توجَّه للكاتب وللذين استمعوا للقراءة كافةً اتهامات سياسية أدَّت إلى صدور أحكام قاسية بشأنهم.
نُشرت كل أعمال د. ل. أندرييف بعد وفاته، ويرجع الفضل في ذلك إلى زوجته أ. أ. أندرييفا، التي احتفظت بنصوص زوجها وأعادت تجديدها وأتاحتها للنشر. وقد صدرت حديثًا «الأعمال الكاملة» لدانييل أندرييف في ثلاثة أجزاء، تتضمَّن شعره ونثره، فضلًا عن خطاباته ويومياته.
يُعتبر إبداع د. ل. أندرييف، شعره ونثره، سبيكةً مبتكرة للفكر الفني والفلسفي والدراسة الروحية. إن هذا الإبداع هو ثمرة موهبة مبشِّرة تسمح بالنفاذ إلى «السامي والعميق»، وإلى إدراك الأبعاد ما وراء التاريخية للوجود.
أعمال د. ل. أندرييف
الأعمال الكاملة في ثلاثة أجزاء، الآلهة الروسية، المجموعة الشعرية، إعداد النص والمقال الافتتاحي والتعليقات: أ. أ. أندرييفا، المقال الختامي: ب. م. رومانوف، موسكو، دار نشر «موسكوفسكي رابوتشي» (العامل الموسكوفي)، وشركة أليس، ١٩٩٣–١٩٩٥م.
زهرة العالم، ما بعد فلسفة التاريخ (المقال الختامي: ف. جروشيتسكي)، موسكو، دار نشر «بروميتيه» (بروميثيوس)، ١٩٩١م (ودُور نشر أخرى).
«الغموض الحديدي»، قصيدة (المقال الافتتاحي والتعليقات: ف. جروشيتسكي)، موسكو، دار نشر «مولودايا جفارديا» (الحرس الفتي)، ١٩٩٠م؛ بلوتارك الحديث، قاموس بيوجرافي مصور، موسكو، بالاشتراك مع ف. ف. بارين، ول. ل. راكوف، موسكو، «موسكوفسكي رابوتشي»، ١٩٩١م.
أعمال عن د. ل. أندرييف
أندرييف أ، حياة دانييل أندرييف كما حكتها زوجته، مجلة «نوفي مير» (العالم الجديد)، العدد ٧؛ بيجين ل، الألم من أجل زهرة … مجلة «زنانيا»، ١٩٩٤م، العدد ٣.
(١-٥١) فارلام تيخونوفيتش شالاموف
(١٨ يونيو/١ يوليو ١٩٠٧م، فولوجدا – ١٧ يناير ١٩٨٢م، موسكو).
وُلد ف. ت. شالاموف في عائلة قس. كان قريبًا روحيًّا من والده، وكان يدين له بالكثير من وجهات نظره في الحياة. قصَّ ف. ت. شالاموف الكثير عن طفولته في كتابه «فولوجدا الرابعة»٣٢ (١٩٧١م). انتقل للحياة في موسكو فَور انتهائه من المدرسة. عمل لمدة عامين في مصنع للجلود، ثم أصبح طالبًا بكلية القانون السوفييتي بجامعة موسكو. شارك بحيوية كطالب في الحياة الثقافية والاجتماعية في موسكو عشية «الانعطافة الكبرى» (عن هذه الفترة كتب سيرته الذاتية تحت عنوان «العشرينيات (مذكرات طالب بجامعة موسكو)»).
في عام ١٩٢٩م، تم القبض عليه بتهمة توزيع «وصية» لينين، وكذلك «خطابه للمؤتمر». وعن ملحمة السجن الأول في بوتيريسك ثم في سجن فيشيرا، حيث قضى ثلاث سنوات في شمال الأورال، حكى ف. ت. شالاموف في كتابه «فيشيرا» (١٩٧٣م).
عمل شالاموف في المجلات النقابية بعد عودته إلى موسكو. نَظَم أشعارًا وقصصًا قصيرة، نشر بعضًا منها، ولكنه اعتُقل مرةً أخرى وحُكم عليه بالنفي خمس سنوات إلى معسكرات كوليما.٣٣ وبمرور مدة العقوبة تم تعديل الحكم ليزداد «عشرًا» أخرى بموجب المادة الخاصة «بالدعاية المناهضة للنظام السوفييتي»، حيث وصف شالاموف الكاتب إيفان بونين بأنه كلاسيكي روسي. بدأ شالاموف في عام ١٩٤٦م الدراسة بدورات إعداد الممرضين، ليعمل بعدها في مستشفيات معسكرات كوليما، وهو ما أنقذ حياته. يعود ف. ت. شالاموف مرةً أخرى لكتابة الشعر، وفي عام ١٩٥١م يُطلق سراحه فيغادر المعسكر، ولكنه يظل مقيمًا في القرية.
يسافر ف. ت. شالاموف بعد وفاة ستالين في نهاية عام ١٩٥٣م إلى موسكو، لكن إقامته بها لم تستمرَّ طويلًا؛ إذ كان ممنوعًا من المعيشة في موسكو، فذهب إلى العمل في محافظة كالينين، حيث اشتغل بأعمال البناء وغيرها. وبعد إعادة الاعتبار إليه عاد إلى موسكو ليعمل في مجلة «موسكفا» (موسكو) بوصفه مراسلًا حرًّا، وتعود مراسلاته مع بوريس باسترناك إلى الفترة من ١٩٥٢م وحتى ١٩٥٦م.
ومنذ هذا التاريخ بدأ ف. ت. شالاموف عمله الدءوب، الذي استمرَّ لعدة سنوات في «قصص من كوليما» (١٩٥٤–١٩٧٣م)، وهي قصص لم ترَ النور إبَّان حياة الكاتب في وطنه (لكنها نُشرت وعلى نطاق كبير في الخارج في الستينيات والسبعينيات). ولم تجد سبيلها إلى القارئ في بلده سوى أشعاره («الزناد» ١٩٦١م، «حفيف الأوراق» ١٩٦٤م، «طرق ومصائر» ١٩٦٧م، «سُحب موسكوفية» ١٩٧٢م، «نقطة الغليان» ١٩٧٧م). وفي مطلع الستينيات كتب شالاموف مسرحيةً استلهمها من حياة المعسكرات بعنوان «أنَّا إيفانوفنا»، بينما بقيت هناك عدة مسرحيات أخرى لم تُستكمل.
منذ عام ١٩٧٩م عاش ف. ت. شالاموف في مدرسة داخلية تابعة للصندوق الأدبي،٣٤ حيث وافته المنية.
إن هذا الأدب الذي كتبه شالاموف يقدِّم على نحو ملحمي عنيف وبصدق شديد القسوة، بانوراما لمعاداة الحياة، التي عاشتها بلادنا وشعبها في القرن العشرين. إن هذه الملحمة القومية الجديدة التي لا نظير لها في هذا القرن تمثِّل نظرة الشعب والإنسان لذاته، هذا المستوى من الوعي بالذات، الذي يجب أن يدخل في الثقافة القومية وأن يندمج فيها، لكي يصبح من الممكن بعثه روحيًّا.
يُعد ف. ت. شالاموف واحدًا من الفنانين القلائل، الذين استندوا في إبداعهم على معرفة شخصية، شديدة الخصوصية، معرفة مرعبة بالحياة (يقول شالاموف: «هناك الكثير ممَّا لا يجب على الإنسان أن يعرفه، ألَّا يراه، فإذا ما رأى، فالأفضل أن يموت.»)، ومن هنا جاءت هذه المعرفة التي استوعبها بداخله ليجسِّدها في أدبه. وكان محقًّا على طريقته، لقد وقف ف. ت. شالاموف، الفنان و«المعتقل» في مواجهة «استغلال» الأدب في الصراع السياسي، كما أخذ موقفًا سلبيًّا من الأدب الإرشادي ومن تدخُّل الأدب في الدفع بالتغيرات. كان الكاتب مؤمنًا بأن تدمير المسار الطبيعي للحياة سيؤدِّي حتمًا إلى جحيم كوليما.
أعمال ف. ت. شالاموف
الطبعات الأجنبية: قصص من كوليما، لندن، ١٩٧٨م.
بعث شجر الأرز، باريس، ١٩٩٥م؛ الطبعات الوطنية: فيسشيرا، لا رواية، موسكو، ١٩٨٩م، «روسيسكي ليتوبيسيتس» (مدوِّن التواريخ الروسي)؛ بعث شجرة الأرز، قصص قصيرة، موسكو، ١٩٨٩م.
الضفة اليسرى، قصص قصيرة، موسكو، ١٩٨٩م.
«حرب الكلاب»،٣٥ مقالات عن عالم الإجرام، موسكو، ١٩٨٩م.
فيسشيرا، سجن بوتيرسك، القفاز أو ك ب-٢، موسكو، ١٩٩٠م.
قصص من كوليما، في جزأين، موسكو، ١٩٩٢م.
أعمال عن ف. ت. شالاموف
شكلوفسكي ي، فارلام شالاموف، موسكو، ١٩٩١م.
(١-٥٢) يوري أوسيبوفيتش دومبروفسكي
(١٢ / ٢٥ مايو ١٩٠٩م، موسكو – ٢٩ مايو ١٩٧٨م، موسكو).
وُلد ي. أ. دومبروفسكي في عائلة محامٍ بارز في موسكو. أنهى ثانوية ميدفيدنيكوفسكايا، ثم التحق للدراسة في الدورات الأدبية الحكومية العليا (١٩٢٦–١٩٣٢م). وفي نهاية «الانعطافة الكبرى»، في عام ١٩٣٣م، تم نفيه من موسكو إلى كازاخستان بسبب اتجاهاته الفكرية. وفي عام ١٩٣٦م، أُلقي القبض عليه في ألما-أطا٣٦ بناءً على المادة ١٠–٥٨ «الدعاية المناهضة للنظام السوفييتي». يقول دومبروفسكي: «ربع قرن تقريبًا قضيتها في ظروف بالغة القسوة في منتجعات ستالين؛ المنافي، والسجون ومعسكرات الاعتقال. لم أكن مذنبًا مرةً واحدة لأقضي هذه السنوات في غياهب السجون، ولو حتى بسبب تصرُّف طائش بسيط صدر مني دون حذر، أو لزلة لسان، فهذا أمر جعلوني أُقلع عنه تمامًا.» وبعد مرور فترة من الزمن أُطلق سراحه. وخلال وجوده في ألما-أطا كتب ي. أ. دومبروفسكي رواية عن ديرجافين،٣٧ نُشرت في عام ١٩٣٩م. وفي العام نفسه أُعيد اعتقاله بالتهمة نفسها. ثم أُطلق سراحه مرةً أخرى بعد بضع سنوات، وفي الفترة التي أُطلق سراحه فيها كتب رواية «القرد ينتصر على جمجمته» (١٩٤٣م، نُشرت في عام ١٩٥٩م). ثم حلَّ موعد اعتقاله الثالث في عام ١٩٤٩م، وكانت الرواية المذكورة من بين التهم التي وُجهت إليه. وقد قضى الكاتب سنوات السجن في معتقلات كوليما وفي الشرق الأقصى وفي تايشيتسكي أوزيرلاج.
في عام ١٩٥٦م، عاد ي. أ. دومبروفسكي ليعيش في موسكو، وهنا قضى سنوات طويلةً في كتابة روايته الكبرى المكوَّنة من جزأين: «كلية الأشياء غير الضرورية»، صدر الجزء الأول منها في عام ١٩٦٤م، في مجلة «نوفي مير» (العالم الجديد) التي يرأسها تفاردوفسكي. وصدر الجزء الثاني في وطن الكاتب، بعد سنوات طويلة، في عام ١٩٨٨م. كما كتب دومبروفسكي أيضًا قصةً طويلة عن شكسبير بعنوان «السيدة السمراء» (١٩٦٩م) وبعض الأعمال الأخرى.
كان ي. أ. دومبروفسكي، الكاتب والإنسان، في منأًى دائمًا عن البيروقراطية الأدبية، كان عنيدًا، مستقيمًا، وهو ما صعَّب عليه أمور النشر. لم يكن مرتبطًا بأي قيود عائلية، وكان شديد الحساسية ثقافيًّا، سواء فيما يخص إبداعه أو حياته الشخصية. كان مؤرخًا، «حارسًا للتراث»، مفكرًا موسوعيًّا وفنانًا، خاض تجربته المريرة هو وآخرون، لكنه حكى معاناته بطريقته. تفيض روايات دومبروفسكي وقصصه وأشعاره (وكان كثيرًا ما ينظم الشعر) بإحساس قوي بالحياة واستمراريتها، بالشمس الساطعة والهواء العليل، لكنه كان يمتلك أيضًا رصيدًا هائلًا من المعرفة المرعبة بأجواء غُرف التحقيق المعتمة وأقبية السجون المظلمة. كان الكاتب شديد الاهتمام بشكسبير وديرجافين، بالرُّحل البدائيين وبالمسيح، بعمارة مدية ألما-أطا، وبعلم الأجناس، بحفريات القبور القديمة وبالفلسفة العنصرية لدى الفاشيست. لكن أكثر ما شغله واستنفر كل قواه وحِنكته تمثَّل في استخدامه الكلمة في تجسيد عصور «الإرهاب الكبير». إن الصورة التي رسمها دومبروفسكي في رواية «كلية الأشياء غير الضرورية»، وهو عمل يُعد في الوقت نفسها ملحمةً ومهزلة ومأساة اجتماعية وحكاية فلسفية واجتماعية ومغامرة.
أعمال ي. أ. دومبروفسكي
الطبعات الأجنبية: حارس التراث، الطبعة الكاملة، باريس، ١٩٧٨م.
كلية الأشياء غير الضرورية، باريس، ١٩٧٨م.
الطبعات الوطنية: السيدة السمراء، قصة، رواية (ديرجافين، القرد ينتصر على جمجمته) وثلاث قصص طويلة عن شيكسبير، موسكو، ١٩٨٥م.
كلية الأشياء غير الضرورية، رواية في جزأين، موسكو، ١٩٨٩م.
أعمال عن ي. أ. دومبروفسكي
دافيدوف ي، «لنتحدث عن أيام القوقاز العاصفة …» مقدمة لكتاب السيدة السمراء، موسكو، ١٩٨٥م.
إسكندر ف، «الوثائق لا تحترق، عندما تطبع …» أنيسيموف ج، يمتسيف م، هذا الرجل حارس التراث، في كتاب كلية الأشياء غير الضرورية، موسكو، ١٩٨٩م.
نيبومنياشي ف، Homo liber (يوري دومبروفسكي)، في كتاب دومبروفسكي ي، حارس التراث، رواية، قصص طويلة، مقالات، موسكو، ١٩٩١م.
(١-٥٣) ألكسندر تريفونوفيتش تفاردوفسكي
(٨ / ٢١ يونيو ١٩١٠م، قرية زاجوري بمحافظة سمولينسك – ١٨ ديسمبر ١٩٧١م، كراسنايا باخرا بالقرب من موسكو، دُفن في مقبرة نوفوديفيتشي).
وُلد أ. ت. تفاردوفسكي لأب فلاح، انتُزعت أملاكه منه في أعوام تعميم النظام التعاوني في الزراعة، وقد تم نفي العائلة على أثر ذلك إلى سيبيريا. استطاع الشاعر الهروب من المنفى ليعيش في سمولينسك ويواصل كتابة الشعر ونشره. وقد ظهرت أشعاره الأولى في صحف الأقاليم في منتصف العشرينيات. تلقَّى تفاردوفسكي تعليمه في معهد المعلمين بسمولينسك، ولكنه لم يُكمل الدراسة به. ومنذ منتصف الثلاثينيات استقرَّ أ. ت. تفاردوفسكي في مدينة موسكو، وفي عام ١٩٣٩م أنهى دراسته بمعهد موسكو للفلسفة والأدب والتاريخ.
دخل أ. ت. تفاردوفسكي إلى عالم الأدب في سنوات «الانعطافة الكبرى»، التي استوعبها الشاعر في كثير من جوانبها من خلال الأوهام الأيديولوجية التي كانت سائدةً آنذاك. راح تفاردوفسكي يكتب القصائد تلو الأخرى: «الطريق إلى الاشتراكية» (١٩٣١م)، «الدخول» (١٩٣٣م) وغيرها من الأشعار والمقالات. صدر أول ديوان له عام ١٩٣٥م بعنوان «مجموعة أشعار». على أن الشاعر يرى أن البداية الحقيقية لمسيرته الشعرية كانت قصيدة «بلدة مورافيا» (١٩٣٦م).
على الرغم من أن أ. ت. تفاردوفسكي ظل لسنوات طويلة موصومًا بأنه «ابن الكولاك»، فإن موهبته ونشاطه الإبداعي ومزاجه الاجتماعي (وأمل النظام أن يجد فيه سندًا له) جعلوا مسيرته تبدو ظاهريًّا ناجحةً للغاية؛ فها هو يحوز على جائزة ستالين في عام ١٩٤١م، وكان قد حصل على جائزة لينين عام ١٩٣٩م، وعندئذٍ فُتح الطريق أمامه «إلى أعلى» (ومع ذلك لم يكن هذا الطريق ممهَّدًا ومفروشًا بالزهور، وإنما اكتنفه العديد من الصعاب بسبب نزوعه إلى الاستقلال والكرامة).
خاض أ. ت. تفاردوفسكي حربين؛ الحرب الفنلندية والحرب الوطنية العظمى. كان ذلك زمن ذروة الازدهار الروحي والإبداعي له، زمن قصيدة «فاسيلي تيوركين» (١٩٤٢–١٩٤٥م)، التي تُعد أفضل قصيدة روسية في زمن الحرب، بل أفضل قصيدة في القرن العشرين بأسره. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، كتب تفاردوفسكي قصيدته «بيت على الطريق» (١٩٤٦م). على الرغم من كل مظاهر الاعتراف الرسمي (جائزتَي ستالين على التوالي، عامَي ١٩٤٧ و١٩٤٨م) فقد عانى تفاردوفسكي من أزمة روحية حادة. وقد انعكس الصراع بينه وبين النظام الستاليني على نحو واضح في قصيدة «ما بعد البعد»، ١٩٥٠–١٩٦٠م (جائزتي لينين إبَّان سنوات «ذوبان الجليد» في عام ١٩٦١م).
بعد وفاة ستالين، شرع أ. ت. تفاردوفسكي، بعد أن أصبح رئيسًا لتحرير مجلة «نوفي مير» (العالم الجديد)، ينشر فيها مقالات وقصائد ونثرًا أكثر راديكالية، يشيع فيها روح «ذوبان الجليد». وفي عام ١٩٥٤م عُزل من منصبه في المجلة، فراح يكتب في العام نفسه قصيدته «تيوركين في العالم الآخر»، سخر فيها سخريةً لاذعة من جمود البيروقراطية «السوفييتية». ثم عاد من جديد ليرأس تحرير «نوفي مير» في الأعوام من ١٩٥٨م إلى ١٩٧٠م. ومنذ ذلك الزمن أصبحت المجلة مركزًا للأدب الكبير، مجلةً معارضة ﻟ «النزعة البريجنيفية». كما نجحت المجلة أيضًا في نشر قصة ألكسندر سولجينتسين «يوم واحد في حياة إيفان دينيسوفيتش».
ولكن تفاردوفسكي، مع ذلك، لم يستطع وحتى نهاية حياته أن ينشر قصيدته «بحق الذاكرة». كان ديوان «من الأشعار الغنائية لتلك السنوات» (١٩٦٧م) هو أكثر دواوين الستينيات شهرة. ونتيجةً للمساعي التي بذلها أعداء تفاردوفسكي السياسيين والأدبيين، تم إقصاؤه عن «نوفي مير»، وقد جاءت وفاته مرتبطةً ارتباطًا كبيرًا بالمكائد البيروقراطية التي حيكت له في ظروف انتقام أنصار ستالين المؤيدين لسياسة «الركود».٣٨
ينتمي أ. ت. تفاردوفسكي كلية إلى كتَّاب الجيل السوفييتي. تعرَّض منذ طفولته، وعلى مدى عقود طويلة، إلى تأثير الدعاية من حوله (ثم إلى الضغط المباشر من قِبل البيروقراطية). وقد ظل الشاعر سنوات طويلةً يجاهد بمشقة للتخلُّص من آثار الأفكار الكاذبة التي وقع في أسرها.
بمرور السنين بدأ تفاردوفسكي يُدرك تمامًا مغبة الانفصال عن ماضي القرية والهجرة إلى المدينة وتطبيق «النظام الجماعي» المفزع، وقد أصبح هذا الموضوع بمثابة العصب الحساس في قصيدته الأخيرة «بحق الذاكرة». وطوال مسيرته الأدبية من «بلدة مورافيا» وحتى ديوانه «من الشعر العاطفي لتلك السنوات»، ظل تفاردوفسكي يسعى، في واقع الأمر، نحو اجتلاء الحقيقة، وقد عبَّر عن ذلك بقوله: «وكان الحق صعبًا، بقدر ما كان مرًّا.»
وقد ظهر أ. ت. تفاردوفسكي في عمله، سواءً كشاعر أو كمحرِّر بوصفه مثالًا للصلابة الإنسانية والتطهُّر الروحي والسعي للتغيير والتحرُّر من الأكاذيب الأيديولوجية والطوباوية الاجتماعية.
أعمال أ. ت. تفاردوفسكي
نُشرت أعمال الشاعر أكثر من مرة وفي طبعات عديدة آخرها وأكثرها اكتمالًا هي «الأعمال الكاملة في ستة أجزاء»، صدرت في الفترة من ١٩٧٦م وحتى ١٩٨٣م.
أعمال عن أ. ت. تفاردوفسكي
كوندراتوفيتش أ. ألكسندر تفاردوفسكي، أشعاره وشخصيته، دروب وطرقات، موسكو، ١٩٨١م.
ذكريات عن أ. ت. تفاردوفسكي، ديوان شعر، موسكو، ١٩٨٢م.
كوندراتوفيتش أ، «تِرب لأي جيل»، قصة تسجيلية عن تفاردوفسكي، موسكو، ١٩٨٧م.
(١-٥٤) فيكتور بلاتونوفيتش نكراسوف
(٤ / ١٧ يونيو ١٩١١م، كييف – ٣ سبتمبر ١٩٨٧م، باريس).
«سيرة حياة» (بقلمه (المترجم)):
وُلدتُ في السابع عشر من يونيو عام ١٩١١م، في مدينة كييف (كانت جزءًا من روسيا آنذاك). عمل والدي — بلاتون فيدوسوييفيتش نكراسوف — موظفًا في أحد البنوك (١٨٧٨–١٩١٧م). والدتي — زينايدا نيكولايفنا نكراسوفا (موتوفيلوفا قبل الزواج) — طبيبة (١٨٧٩–١٩٧٠م).
قضيتُ طفولتي في لوزان (حيث أنهت والدتي كلية الطب بجامعة لوزان) وفي باريس (حيث عملت الأم في مستشفًى عسكري بها). وفي عام ١٩١٥م، عاد الجميع إلى روسيا، حيث استقرَّت الأسرة في مدينة كييف.
وبعد أن أنهيتُ دراستي في المدرسة، الْتحقت بمدرسة إنشاء السكك الحديدية الصناعية، ثم التحقتُ بعدها بمعهد البناء في كييف (وفيه أنهيتُ الدراسة في كلية العمارة في عام ١٩٣٦م)، كما الْتحقتُ باستوديو المسرح التابع لمسرح الدراما الروسي في كييف (تخرَّج فيه في عام ١٩٣٧م).
عملت معماريًّا لفترة قصيرة قُبيل اندلاع الحرب، ثم ممثلًا ورسامًا مسرحيًّا في مسارح كييف وفلاديفوستوك وكيروف (فياتكا سابقًا)، وفي روستوف نادونو (مدينة روستوف على نهر الدون).
التحقت بالخدمة في الجيش بدءًا من أغسطس عام ١٩٤١م. حاربت في ستالينجراد وفي أوكرانيا وبولندا. سُرِّحت من الخدمة في عام ١٩٤٤م، بعد أن تلقَّيت إصابةً ثانية، برتبة نقيب. حصلت على ميدالية «الشجاعة» وعلى وسام النجم الأحمر.
في الفترة من ١٩٤٥م وحتى ١٩٤٧م عملت صحفيًّا في صحيفة «الفن السوفييتي»، التي كانت تصدر في كييف. في عام ١٩٤٦م نشرت لي مجلة «زناميا» (الراية) (في مدينة موسكو، الأعداد ٨، ٩، ١٠) قصة «في خنادق ستالينجراد». وفي عام ١٩٤٧م، فازت القصة بجائزة ستالينجراد، وقد صدرت في الأعوام التالية عن معظم دُور النشر السوفييتية بأعداد كبيرة بلغت عدة ملايين من النسخ، وتمَّت ترجمتها إلى ست وعشرين لغة، بما فيها اللغة الفرنسية.
ومن أهم أعمالي: «في مسقط رأسي»، و«كيرا جيورجييفنا»، ومجموعة قصص الحرب «فاسيا كوناكوف» (وقد صدرت جميعها في فرنسا). وبالإضافة إلى ذلك، كتبتُ عددًا من المقالات عن رحلاتي، منها: «التعارف الأول»، «شهر في فرنسا»، «رحلة عبر ضفتَي المحيط». وقد تعرَّض العمل الأخير لنقد حادٍّ من جانب نيكيتا خروشوف٣٩ (١٩٦٣م)، الأمر الذي أدَّى في نهاية الأمر إلى فصلي من عضوية اتحاد الكتَّاب السوفييت. هاجرت إلى فرنسا في عام ١٩٧٤م، وحصلت على جنسيتها في عام ١٩٨٣م.
كتبت في فرنسا: «مذكرات معتقل»، «نظرة وشيء ما …»، «على جانبَي الحائط»، «العودة من الرحلات الطويلة»، Saperlipopet، «قصة صغيرة حزينة» (صدرت جميعها عن دُور نشر في المهجر).
أقدِّم برامج في «راديو الحرية» بشكل منتظِم.
في عام ١٩٥٧م، قام استوديو ليننجراد السينمائي بتحويل روايتي «في خنادق ستالينجراد» إلى فيلم سينمائي باسم «الجنود» (تحمل النسخة الفرنسية منه اسم «أربعة من ستالينجراد»).
عضو نادي القلم الفرنسي.
عضو أكاديمية الفنون البافارية.
يناير ١٩٨٦م. «فيكتور نكراسوف».
«تُوفي فيكتور بلاتونوفيتش نكراسوف في تمام الساعة السادسة وعشر دقائق مساء يوم الثالث من سبتمبر عام ١٩٨٧م، جرَّاء إصابة بسرطان الرئة ونزيف دموي داخلي» («سيرة الحياة» والمعلومات الخاصة بوفاته مستقاة من كتاب: ف. نكراسوف، رحلة عبر ضفتَي المحيط، مذكرات معتقل، Saperlipopet، موسكو، دار نشر «خودوجستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٩١م، ص٣-٤).
لعل من الضروري هنا أن نُضيف بضعة أسطر على «سيرة حياة» نكراسوف الذاتية.
يعرض الكتاب الأساسي لفيكتور نكراسوف، «في خنادق ستالينجراد»، والذي يُعد معجزةً بكل المقاييس، وقد تمَّ نشره، ووجد في ذلك دعمًا كبيرًا، ثم أُعيد طبعه عدة مرات، يعرض الحقيقة الخالصة والخالدة عن الأحداث التي وقعت إبَّان الحرب، وهو يوجز ما كُتب عن الحرب كلها على مدى عقد كامل، ولم يكن هناك كتَّاب غيره حتى ظهر في النصف الثاني من الخمسينيات «مصير إنسان» لشولوخوف، ثم «إيفان» لبوجومولوف، وروايات كل من: ج. باكلانوف، ي. بونداريف، ك. فودوبيوف، ف. بيكوف، وف. كوروتشكين … ظلَّ ف. نكراسوف فيما تلا من سنوات على نهجه الأدبي والوطني، حرًّا مستقلًّا، متمسكًا في نثره المتعدِّد الأنواع في الخمسينيات والستينيات بما في الحياة من حقيقة وإخلاص، مُصرًّا على الحرية الداخلية للفنان، صُلبًا في مواجهة ضغط النظام وتوجيهاته، مبتعدًا عن الأوهام الساذجة التي سادت إبَّان فترة الركود. وهو ما لم يغفره له هذا النظام. وعندما وجد نفسه بلا دعم حقيقي (وخاصةً بعد وفاة أ. ت. تفاردوفسكي) مُبعدًا عن الحياة الأدبية، اضطُر للخروج إلى المنفى. وقد طوَّر إبداعه في سنوات المنفى: المذكرات، المقالات، التحقيقات الصحفية، أفضل الجوانب في أسلوبه الأدبي المتفرِّد.
أعمال ف. ب. نكراسوف
مختارات، قصص، قصص قصيرة، أدب رحلات، موسكو، دار نشر جوسليتيزدات، ١٩٦٢م؛ رحلة عبر ضفتَي المحيط؛ مذكرات معتقل؛ Saperlipopet أو وما نيل المطالب بالتمني … (الإعداد والملاحظات: أ. ي. بارنيس، ر. أورلوف، ل. كوبيليف، فيكتور نكراسوف. لقاءات وخطابات: أ. سينيافسكي، م. روزانوفا. نعي رجل حي)، موسكو، «خودوجستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٩١م.
أعمال عن ف. ب. نكراسوف
لازاريف ل، بعض ممَّا أتذكره … موسكو، «برافدا»، ١٩٩٠م.
كونيتسكي ف، باريس بدون عيد، مجلة «نيفا»، ١٩٨٩م، العدد ١.
سوريس ب، جاري على الجبهة، «نيفا»، ١٩٩٠م، العدد ١٠.
(١-٥٥) قنسطنطين ميخايلوفيتش سيمونوف
(١٥ / ٢٨ نوفمبر ١٩١٥م، بتروجراد – ٢٨ أغسطس ١٩٧٩م، موسكو).
في سن مبكرة فقد قنسطنطين (كيريل) ميخايلوفيتش سيمونوف والده، الضابط بالجيش الروسي، المنحدر من أسرة نبيلة. أمَّا زوج أمه فقد خدم أيضًا في البداية في جيش القيصر، ثم في الجيش الأحمر بعد ذلك، كما عمل بالتدريس في المعهد العسكري، بينما كانت الأم تعمل عملًا إداريًّا. وهكذا قضى ق. م. سيمونوف طفولته في أجواء عسكرية في ريازان وساراتوف وفي غيرهما من المدن.
وفي عام ١٩٣٠م الْتحق ق. م. سيمونوف بأحد المصانع، بعد أن قضى في ساراتوف سبع سنوات، ليتعلَّم حرفة الخِراطة، ثم يستقر في موسكو بدءًا من خريف ١٩٣١م، بعد أن أصبح متخصِّصًا في الخِراطة (١٩٣٢م) ليعمل في البداية في مصنع للطائرات، ثم ينتقل إلى ورشة السينما «ميجراب بومفيلم». وفي هذه الفترة بدأ في نظم الشعر.
منذ خطواته الأولى في مسيرته الأدبية، وَقَع ق. م. سيمونوف تحت تأثير الشعارات الدعائية الزاعقة، ممَّا جعله يقبل بالتأويل المسيَّس الذي كان سائدًا آنذاك لأحداث الحربين الأهلية والعظمى. وبمرور الوقت أصبح هو نفسه مشاركًا في تأسيس العديد من الأساطير الدعائية. وفي شبابه كانت أشعاره شديدة التأثر بانطباعاته التي اكتسبها من الشعارات التي امتلأت بها الصحف آنذاك عن الخطة الخمسية الأولى وإنشاء قناة بيلامورسكو-بالتييسكي،٤٠ وبالحكايات الخرافية التي جرت إبَّان الحرب الأهلية وبأحداث التاريخ الروسي وهلم جرًّا.
في السنوات الأولى لكتابته للشعر كانت موضوعات ق. م. سيمونوف مأخوذةً من مصادر أخرى.
وعندما أدرك سيمونوف ضعف هذا «الإبداع» وعدم تميُّزه، ذهب في مأمورية ليقضي بعض الوقت لمشاهدة مشروع إنشاء قناة البحر الأبيض، حيث رأى هناك ما أرادوا أن يراه فقط. وكانت قصيدته «بافل تشيورني» ثمرة ما حصل عليه من مواد في هذه الرحلة (١٩٣٨م).
نشر قنسطنطين سيمونوف أشعاره الأولى في عام ١٩٣٦م.
وفي الفترة نفسها تقريبًا بدأ في تعلُّم «كيف يكون كاتبًا». وفي عام ١٩٣٨م أنهى دراسته بمعهد جوركي للأدب، وفي خريف العام نفسه الْتحق بالدراسات العليا بمعهد التاريخ والفلسفة والأدب، ولكنه لم يؤدِّ سوى الامتحانات الأولى فقط، فسرعان ما ارتبطت حياته لسنوات طويلة بالعمل بوصفه مراسلًا عسكريًّا في البداية في منغوليا في خالخين-جولي، ثم ليلتحق بعدها في دورات إعداد المراسلين العسكريين في أكاديمية فرونزة العسكرية، وفي الأكاديمية السياسية العسكرية.
وقد عكست مسرحية «شباب من مدينتنا» (١٩٤١م) ميوله الاجتماعية في سنوات ما قبل الحرب. وفي الفترة من يونيو ١٩٤١م وحتى عام ١٩٤٦م عمل ق. م. سيمونوف مراسلًا عسكريًّا لعدد من الصحف (سواء العسكرية منها أو المركزية مثل «النجم الأحمر»).
وفي عام ١٩٤١م حاصر العدو الوحدة التي يخدم بها المراسل العسكري ق. م. سيمونوف حصارًا محكمًا وأنزل بها خسائر فادحة. وكان هذا الحدث واحدًا من الأحداث التي تركت أثرًا عميقًا عند سيمونوف. وعلى العموم فقد كان العمل الأدبي في سنوات الحرب هو الحدث الأهم في مسيرة الكاتب الإبداعية. وكانت أبرز أعماله في تلك السنوات هي قصة «أيام وليالٍ» (١٩٤٣م)، ومسرحية «الروس» (١٩٤٢م)، وديوان شعر «معكِ وبدونك» (١٩٤٢م).
وفي سنوات ما بعد الحرب، سافر ق. م. سيمونوف لِمَا يزيد على ثلاث سنوات، في ظروف بالغة الصعوبة، في مأموريات خارج البلاد (كان أغلبها إلى الصين والولايات المتحدة الأمريكية واليابان). وفي العشر–الخمس عشرة سنةً التي تلت الحرب شغل على فترات عددًا من الوظائف القيادية في اتحاد كتَّاب الاتحاد السوفييتي (أمينًا ثم نائبًا للأمين العام لرئاسة اتحاد الكتَّاب السوفييت، ثم عمل رئيسًا لتحرير مجلة «نوفي مير» (العالم الجديد) في الأعوام من ١٩٤٦م إلى ١٩٥٠م، ثم من ١٩٥٤م إلى ١٩٥٨م، ورئيسًا لتحرير «ليتيراتورنايا جازيتا» («الصحيفة الأدبية» في الأعوام من ١٩٥٠م إلى ١٩٥٣م)). وفي هذه السنوات تحديدًا كان من أنشط الشخصيات العامة السوفييتية، حيث أصبح نائبًا في مجلس السوفييت الأعلى للاتحاد السوفييتي وجمهورية روسيا الاشتراكية الاتحادية، ومرشحًا لعضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي وما إلى ذلك من وظائف، فضلًا عن كونه عضوًا في لجنة جوائز ستالين. وطوال شغله لهذه المناصب ظل واحدًا من أكبر أنصار السياسة العامة الأدبية الرسمية وناشطًا بارزًا في الحملات الأيديولوجية كافةً التي تمت في السنوات العشر التالية للحرب. ونظرًا لأدائه النموذجي لهذه المهام أُنعم عليه بالعديد من الجوائز؛ ففي عام ١٩٧٤م حاز على لقب بطل العمل الاشتراكي، وفي العام كافة حاز على جائزة لينين على ثلاثيته «الأحياء والأموات».
يُعد النشاط الأدبي لسيمونوف أحد أكثر الأمثلة البارزة على تكيُّف الموهبة الفذة مع الأيديولوجيا المهيمِنة ومع البنية الدعائية الحكومية، وهو ما كان له أثر مدمِّر، كبر أم صغر، على الصدق التاريخي والفني لأعماله.
إن مؤلفات ق. م. سيمونوف، مع بعض الاستثناءات القليلة، الروايات: «رفاق السلاح» (١٩٥٢م)، «الأحياء والأموات» (١٩٦٠م)، «لا أحد يولد جنديًّا» (١٩٦٤م)، «الصيف الأخير» (١٩٧١م) (وجميعها تمثِّل ثلاثية «الأحياء والأموات»)؛ والمسرحيات: «فتًى من مدينتنا» ١٩٤١م، «الروس» ١٩٤٢م، «المسألة الروسية» ١٩٤٦م، «الظل الآخر» ١٩٤٩م، «الرابع» ١٩٦١م؛ الدواوين الشعرية: «الأفاضل» ١٩٣٨م، «الأصدقاء والأعداء» ١٩٤٨م وغيرها، هي مؤلفات أملتها مطالب اجتماعية شمولية محدَّدة، عكست هذه أو تلك من الشعارات السائدة في زمنها، وقد أصبحت هذه المؤلفات، بمرور الوقت، مهمةً بشكل رئيسي لفهم الجوانب الاجتماعية الثقافية والتاريخية الأدبية لهذا الزمن. وفي الوقت نفسه نجد في الكثير من هذه المؤلفات صفحات تكشف عن موهبة عظيمة وعن أمور حياتية محدَّدة كُتبت بصدق حقيقي، وخاصةً في تلك الأعمال التي تناولت فترتَي الحرب و«الركود»؛ ففي أشعاره العاطفية عبَّر سيمونوف بصدق غير معهود في هذا الزمن عن معاناة الإنسان في وقت الحرب (هل تذكر يا أليوشا، «الطرقات في سمولينشني …»، «انتظريني، وسوف أعود …»، وبعض القصائد الأخرى من ديوان «معك وبدونك»، ١٩٤٢م). وقد أصبحت ثلاثية «الأحياء والأموات»، وخاصة جزأيها الأول والثاني، ضمن إنجازاته المميزة.
وفي السنوات الأخيرة من حياته أصدر سيمونوف يومياته في الحرب بعنوان «أيام مختلفة من أيام الحرب». وقد عمل الكاتب كثيرًا في مجال السينما وإعداد الأفلام التسجيلية (كتب موضوعات ذات صبغة عسكرية في الأغلب). وقد صدرت بعد وفاته مذكراته التي حملت عنوان «العالم بعيون واحد من جيلي»، بالإضافة إلى بعض الأعمال الأخرى.
وقد أوصى ق. م. سيمونوف بأن ينثر رماده في الأماكن التي وقعت فيها المعارك الحربية إبَّان حصار ١٩٤١م.





