فرنسي بين مجتمع البيضان/ محمد عالي الحيرش

في أواخر القرن التاسع عشر، شد الفرنسي كاميل دولز الرحال إلى الصحراء بعد مقام له بمدن مغربية أخرى تعلم خلاله العربية وأخذ شيئا من مبادئ القرآن. وقد تقمص هيئة تاجر مسلم أملا في عدم انكشاف أمره لدى القباءل، فتمكن بذلك من اختراق ديار أهل الصحراء، متفاديا أخطارا جسيمة.
وقد خلف لنا شهادة نادرة عن الصحراء، تناول فيها القوافل التجارية، وعادات أهلها، وأعيانها، ولا سيما مدنها، وفي مقدمتها مدينة كلميم، التي كانت آنذاك معبرا تجاريا مهما في وادي نون.
في زي تاجر مسلم
وُلد كاميل دولز بفرنسا سنة 1864، وأقام بالمغرب حينا يسيرا من الدهر يتعلم العربية ويأخذ بطرف من أصول القرآن. ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره، عزم على أن يدفع بمغامرته إلى الصحراء، مارا بجزر الخالدات، حيث انكشف له عالم “المور” الفريد، بأعرافهم وأخلاقهم وتقلب أمزجتهم وما اشتهروا به من غارات وحروب.
ولبلوغ ساحل بوجدور، أو رأس بوجادور كما يسميه الغربيون، ركب دولز زورق صيد. وكانت الصلات بين الشرق والغرب يومئذ مشحونة بالتوجس والخصومة، فآثر أن يتنكر في هيئة تاجر مسلم، ليتقي شر”الأهالي”، على حد العبارة التي درجت عليها الكتابات الاستعمارية في ذلك العهد.
هذه الحيلة لم تنطل بادئ الأمر على البدو؛ إذ كان في اعتقادهم أن المسلم لا يأتي من البحر، وإنما يفد منه النصارى والكفار. غير أن امرأة من الأهالي خففت من روعه وقالت له :
«لا تخف يا إبراهيم ولد محمد، فإن أبي رجل طيب، وستقيم في خيمتنا، ولن يمسك سوء»
وقد نشر دولز لاحقا مذكراته، في مجلة «جولة حول العالم» في بادئء الأمر، ثم جُمعت بعد ذلك في كتاب. وجاء هذا العمل بلغة نثرية أنيقة واضحة الأسلوب، تعكس سمات الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، ولا سيما ميله إلى السرد المشوب بالنَّفَس الروائي. كما زُيّن الكتاب برسوم أنجزها جول جيرارديه وأوجين جيرارديه، استنادا إلى التخطيطات التي أعدها المؤلف بنفسه.
نجاة بحيلة ثانية
ما إن وطئت قدما دولز أرض المور حتى سُلب أكثر ما معه: ثيابه، وسبحته، ومسدسه، ثم شُدّت وثاقه، على الرغم من كل ما بذله من جهد لإقناع القوم بصدق إسلامه. فقد كان يصلي معهم تارة، ويصلي منفردا تحت أنظارهم تارة أخرى، لعله يبدد ما خامرهم من شكوك.
ثم رأى إبراهيم ولد محمد، واحد من كبار أعيان القبيلة، أن يسوقه مع قافلة إلى نواحي الساقية الحمراء، ليعرض أمره على الشيخ ماء العينين، ذلك المرجع الديني المهيب الذي لا ترد له كلمة، حتى يفصل في أمره: أمسلم هو أم كافر؟ وبعد أن استنطقه الشيخ، قال من غير مواربة: “يا إخواني، الحمد لله، إن هذا الرجل مسلم حقّا؛ فحلوا قيده، وردّوا إليه ما أخذتم منه، وأدخلوه في قبيلتكم أخا”.
ومنذ تلك الساعة، خامر إبراهيم خاطر تزويجه ابنته، وكانت الفتاة قد أبدت نحوه، منذ اللقاء الأول، ميلا ظاهرا وعطفا بيّنا. فقبل دولز الأمر، لا عن شغف ظاهر، بل عن ضرورة ملحة، واشترط مهلة يذهب فيها ليأتي بمهر العروس.
لم يكن هذا الطلب سوى حيلة بارعة أتاحت له أن يشق طريقه إلى سوس، ثم إلى مراكش، فالصويرة، قبل أن يعود إلى فرنسا وينشر مذكراته سنة 1888. وبفضل هذا الكتاب، بات في متناول قارئ اليوم شاهد نادر على مرحلة ما تزال قليلة التوثيق من تاريخ الصحراء المغربية.
ولا ريب أن هذه الشهادة ليست منزهة عن الذاتية؛ ولكن أي شهادة بشرية تخلو من أثر صاحبها؟ فقد كان دولز في قلب المغامرة التي يرويها، يلتقط دقائقها بعينٍ يقظة، حتى غدت القراءة ممتعةً ونافعة في آن واحد. غير أن الانتفاع بها يقتضي قدرا من التبصر، لتمييز الوقائع من ذلك الطابع الاستعماري الذي يلفها ويصبغها بصبغته.
إلى وادي نون
ثم صحب دولز قافلة أولاد دليم إلى وادي نون، وكانت تلك أولى محطات عودته شمالا. يقول في هذا الصدد :
“وفي الغد سرنا نحو وادي نون، وتركنا المضارب في موضعها. وقد اغتنم بعض المور رحلتنا إلى سوق كلميم ليبيعوا صغار الجمال التي أرادوا التخلص منها. وكانت قافلتنا تتألف من عشرين رجلا وخمسة وثلاثين جملا.”
وقد أفضت به هذه الرحلة إلى كلميم، التي كانت آنذاك ممرا هاما للتبادل التجاري بين القبائل الصحراوية وبلاد سوس. وهناك بدأت رحلة خروجه من عالم الترحال والبداوة، وتهيأ له طريق الرجوع إلى مدن داخل المغرب.
كلميم، مفترق الصحراء
في كلميم قدم إبراهيم دولز إلى القائد دحمان، صاحب النفوذ في الناحية، وشرح له ملابسات وجوده بين القوم ورغبته في المضي نحو شمال البلاد. ولم يُبدِ القائد نحوه ريبة ولا شكا. وكان دولز، وقد لبس لباس أهل البلد، يستطيع أن يطوف في المدينة حيث شاء من غير أن يثير ظنّا أو يلفت نظرا.
وقد خلف لنا وصفا دقيقا لكلميم، يصوّرها مدينة كانت يومئذ مركزا تجاريا من مراكز الصحراء الكبرى، حيث قال :”كلميم مبنية على سفح تل، تحيط بها البساتين الندية. ولها سوران تخترقهما خمسة أبواب. ويسكن اليهود حيا خاصّا، كما هو الشأن في سائر المدن الإسلامية، غير أنهم في هذه المدينة أوفر حظّا من الاعتبار مما هم عليه في سائر المغرب. وتُقام فيها كل عام سوق عظيمة، يقصدها بدو الصحراء للتزود والبيع. ويقوم أهل وادي نون بدور الوسطاء بين الرحل والبربر أهل سوس، وهم يلبسون لباس الصحراويين ويتكلمون بلهجتهم.”
ويشير دولز كذلك إلى سطوة أسرة أولاد بيروك التي كانت تتولى أمر المنطقة منذ أمد بعيد، كما يذكر بساطة القائد، على ما كان عليه من الثراء الواسع. وقد أمدّه هذا الأخير بدابةٍ يركبها، ودليل يهديه، بل ومنحه جلبابًا أيضًا، وأوصاه أن يلتمس الضيافة عند أخيه عبدين، الذي كان يومئذ في زيارة للسلطان.
بين الشهادة ووهم المخيال الاستعماري
وليس في رواية كاميل دولز ما يغري بمتابعتها من جهة المغامرة وحدها فحسب، بل إن قيمتها كامنة كذلك فيما تكشفه من صورة مجتمع صحراوي نابض بالحركة، تنتظمه القوافل، وتشد بنيانه التحالفات القبلية، وتضبطه الهيئات الدينية، وتنعشه الأسواق الكبرى. ويكتسب مروره بكلميم أهمية خاصة، إذ يضيء المكانة المحورية التي اضطلع بها وادي نون في صلات الصحراء ببلاد سوس.
على أن هذه الشهادة تبقى شهادة رجل من أبناء عصره، بما يبم ذلك عن أحكام مسبقة، ودهشة أوروبية، وتقديرات لا تخلو من تعسف أو قصور، ونظرة ترى وتصف وتنبهر أحيانا، لكنها لا تستطيع أن تنفك تماما من خلفيتها الاستعمارية. وذلك، في الحقيقة، بعض ما يهب هذا النص قيمته اليوم: فهو ليس وثيقة عن صحراء المغرب في أواخر القرن التاسع عشر فحسب، بل هو أيضا مرآة للصور التي كانت أوروبا تنسجها عن ذلك العالم البعيد.
أستاذ اللغة الفرنسية وباحث في الأدب المغاربي





