مولود محمد رمضان بعيك: حين يتحول التراث الحساني إلى مشروع للبحث والكشف/محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربي

في آسا، تلك الإيالة الصغيرة الوديعة في قلب الصحراء، حيث تتقاطع الذاكرة مع إيقاع الشعر والطرب، وحيث كانت ولا تزال جوانب واسعة من الثقافة المحلية تنتقل شفهيا من جيل إلى آخر، نشأ مولود محمد رمضان بعيك، المولود سنة 1963. لم يكن مساره إلى المعرفة أكاديميا بالمعنى التقليدي؛ فقد حالت ظروف الحياة دون إتمام دراسته، لكنه لم يجعل من ذلك عائقا أمام المثابرة والتحصيل. اختار، بدلا من ذلك، طريق العصامية، فاتخذ من القراءة الحرة مدرسة مفتوحة، ونهل من الأدب والفلسفة ومجالات معرفية شتى، راكم من خلالها ثقافة واسعة أصبحت رصيدا لمشروعه في الكتابة والبحث في التراث الحساني والأمازيغي معا، وهي سمة قلما تجتمع في باحث من أبناء الصحراء.
غير أن علاقة صاحبنا بالثقافة لم تبدأ من الكتاب، بل من تجربة معيشة وارتباط وجداني بالموروث المحلي. فمنذ طفولته، كان شغوفا بالطرب الحساني والأمازيغي، في بيئة لم تكن الموسيقى والشعر فيها مجرد وسيلة للترفيه، وإنما جزءا من الذاكرة الجماعية ووسيلة للتعبير عن الأفراح والأحزان، وعن علاقة الإنسان بالمكان والطبيعة والحيوان. ومن هذا المحيط تشكل وعيه الأول، قبل أن يتحول الشغف مع مرور الوقت إلى رغبة في الفهم والتفسير والتدوين.
ومن هذا المسار برز كتابه «فصل القول في مسألة الهول»، الذي يمثل باكورة أعماله وأحد أبرز ملامح مشروعه الفكري. فالكتاب لا يقتصر على جمع مادة من التراث الحساني أو وصف بعض مظاهره، بل يقدم تصورا يسعى من خلاله إلى قراءة العلاقة بين الشعر الحساني وبنية الجمل، والكشف عن أوجه التناسب والقياس بين أشكال الشعر وأنواع الجمال، من جهة، والبنية الجسمانية للجمل، من جهة أخرى. وبذلك يتجاوز الكتاب حدود التوثيق والوصف، ليؤسس مقاربة تأويلية تحاول استجلاء الصلات الرمزية والجمالية بين مكونات الثقافة الحسانية وبيئتها الحيوانية، ولا سيما حضور الجمل في المخيال الصحراوي.
وتطرح هذه الفكرة زاوية غير مألوفة في مقاربة الثقافة الصحراوية؛ إذ تنقل الجمل من مجرد كونه حيوانا ارتبط بالحياة اليومية في الصحراء إلى عنصر يمكن أن يساعد، وفق أطروحة المؤلف، في فهم جانب من تشكل الذائقة الشعرية والفنية لدى أهلها.
وقد عبر الراحل سيداتي سلامي، الأديب والعالم الصحراوي الذي كرس جانبا من حياته للأدب والتراث الشفهي لأهل الصحراء، عن تقديره لهذا العمل، واعتبره سابقا لعصره. وتكتسب هذه الشهادة دلالتها من مكانة صاحبها واهتمامه بالموروث الشفهي، خصوصا أن جزءا مهما من الثقافة الصحراوية ظل طويلا خارج دائرة التدوين والدراسة المنظمة.
وتنطلق أطروحة بعيك من تصور مفاده أن الثقافة الحسانية، ولا سيما الشعر والطرب، لم تتشكل بصورة اعتباطية، وإنما نشأت داخل منظومة من المقاييس والعلاقات والضوابط التي يمكن البحث فيها والكشف عن قوانينها. ومن ثم، فإن دراسة العلاقة بين المقاس والمقاس عليه لا تبدو، في تصوره، مجرد مقارنة بين شكل شعري وبنية جسدية، وإنما مدخلا محتملا لفهم جانب من البنية الثقافية التي تشكلت في البيئة الصحراوية.
تتجاوز أهمية الجمل في هذا السياق حضوره في الأطروحة الشعرية نفسها؛ فقد كان عنصرا أساسيا في حياة سكان الصحراء، ووسيلة للترحال والتنقل، ورفيقا في الأسفار، وأداة للتجارة والعيش، بما جعله جزءًا من شروط الاستقرار البشري في بيئة قاسية وشحيحة الموارد. ولذلك يرى بعيك أن حضوره في الثقافة الصحراوية لم يكن عرضيًا، بل ارتبط ارتباطًا وثيقًا بنمط الحياة الذي فرضته البيئة.
ومن هنا تبرز إحدى أفكاره اللافتة: أن إغفال الجمل في بعض الدراسات التي تناولت الثقافة الحسانية قد يحجب جانبا من الصورة الكاملة. فالشعر والطرب والحكاية والعادات ليست بالضرورة ظواهر ثقافية منفصلة عن محيطها المادي، بل قد تكون بينها وبين البيئة وشروط العيش علاقات أعمق تستحق البحث والكشف.
ومع ذلك، فإن قيمة هذا الطرح لا تكمن فقط في النتائج التي يقترحها، بل أيضا في الأسئلة التي يفتحها أمام الباحثين. فالنظرية، لكي تتحول إلى معرفة علمية راسخة، تحتاج إلى مزيد من المقارنة والتوثيق والاختبار، وإلى وضع فرضياتها أمام نصوص وشهادات ومعطيات ميدانية متنوعة. وهذا ما يمنح تجربة بعيك أهميتها؛ فهو يشتغل في مساحة لا تزال بحاجة إلى الكثير من التنقيب، خصوصا أن جانبا واسعا من التراث الحساني والأمازيغي ما يزال محفوظا في الذاكرة الحية أكثر مما هو مدون في الكتب.
لم يتوقف مشروع بعيك عند «فصل القول في مسألة الهول». فله ديوان أمازيغي بعنوان «تيموزونين» يوجد تحت الطبع، كما يواصل العمل على كتابين وديوان شعري. ومن بين مشاريعه أيضا كتاب «الوسيط في الطرب الحساني»، الذي يطمح إلى تناول الضوابط والقواعد التي تحكم الشعر الحساني والطرب المرتبط به. ويبدو هذا العمل امتدادا طبيعيا لاهتمامه السابق، إذ ينتقل فيه من البحث في علاقة الشعر بالجمل إلى محاولة الاقتراب من البنية الداخلية للطرب الحساني، وقواعده وأصوله.
واللافت في مسيرة بعيك هو هذا التداخل بين التجربة الشخصية والمشروع الثقافي. فهو لم يدخل عالم التراث من بوابة التخصص الأكاديمي، وإنما جاء إليه من معايشة بيئته، والاستماع إلى طربها، والاحتكاك بأهلها، ثم القراءة والتأمل والبحث. لذلك تبدو كتابته، في جانب منها، امتدادًا لذاكرة عاشها قبل أن يجعل منها موضوعًا للدراسة.
وتكتسب مثل هذه التجارب العصامية أهمية خاصة في زمن تتعرض فيه أجزاء من التراث الشفهي للتحول والتراجع بفعل التغيرات الاجتماعية والثقافية المتسارعة. فحين يتولى أبناء البيئة توثيق ذاكرتهم، فإنهم لا ينقلون المعلومات والمرويات فحسب، بل يحفظون معها المصطلحات والإيقاعات وطرائق التعبير، وكذلك العلاقات التي نسجها الإنسان مع المكان والحيوان واللغة عبر أجيال متعاقبة.
في المحصلة، لا يبدو مولود محمد رمضان بعيك مجرد مهتم بالتراث أو شاعرا يشتغل على الذاكرة المحلية، بل صاحب مشروع ما يزال في طور التشكل. وقد تحتاج بعض أطروحاته إلى مزيد من التمحيص والمقارنة، وربما تثير أخرى نقاشا بين الباحثين، غير أن ذلك لا ينتقص من قيمتها؛ فالبحث الثقافي لا يتقدم دائما عبر الأجوبة الجاهزة، بل يبدأ كثيرا من أسئلة تبدو غير مألوفة، ثم تكتسب قيمتها من قدرتها على فتح مسارات جديدة للتفكير.
ومن آسا، بما تختزنه من طبقات متراكمة من الذاكرة الحسانية والأمازيغية، يواصل بعيك الإنصات إلى ما وراء الكلمات والألحان: إلى المقاييس التي ربما أسهمت في تشكيلها، وإلى البيئة التي احتضنتها، وإلى الجمل الذي قد يكون أكثر حضورا في خلفية هذه الثقافة مما توحي به الدراسات التقليدية. وبين كتاب صدر، وديوان ينتظر الطبع، وأعمال أخرى قيد الإنجاز، يواصل الرجل رحلة بدأت منذ طفولته، حين كان يستمع إلى الطرب الحساني والأمازيغي، قبل أن يكتشف أن ما يسمعه ليس مجرد ألحان، بل ذاكرة كاملة تستحق أن تُقرأ وتُوثق وتُفهم.



