لحظة شجن/هشام فرجي

في آخر الليل، حين تنطفئ نوافذ الحي واحدة تلو الأخرى، يبقى ضوء صغير مشتعلا في الطابق الثاني. رجل يجلس إلى طاولة المطبخ، وأمامه ورقة مثقلة بالأرقام: واجب الكراء، وفاتورة الماء والكهرباء، ودفتر «الكريدي» عند مول الحانوت. يعيد جمع المبالغ للمرة الثالثة، كأنه يرجو أن تتبدل النتيجة إذا نظر إليها بعين أقل تعبا. ومن الغرفة المجاورة يصله سعال طفل، ثم يخفت الصوت، فيما تتردد خلف الجدار أنفاس امرأة أنهكها تدبير يوم آخر. يرفع رأسه، وتقع عيناه على الساعة، ثم يمرر كفه على وجهه.
وفجأة يتوقف القلم بين أصابعه، ويغيب عن الحساب.
متى صارت الحياة جدولا من المواعيد والأقساط؟ ومتى أصبح الأسبوع يوما واحدا طويلا، وصارت السنة تنقضي قبل أن يجد الإنسان فسحة ينظر فيها إلى ما بقي من عمره؟ وأين ذهب ذلك الفتى الذي كان يظن أن الدنيا، على اتساعها، تنتظره عند أول الطريق؟
تلك هي لحظة الشجن؛ اللحظة التي يكف فيها الإنسان عن ادعاء القوة، ويجلس أمام نفسه بلا ابتسامة اجتماعية، ولا عبارة مطمئنة، ولا حاجة إلى إقناع أحد بأنه بخير.
نصادف كل يوم وجوها نحسب أصحابها سعداء؛ يبتسمون، ويسألون عن أحوالنا، ويجيبون عن السؤال المعتاد: «الحمد لله، لاباس». ثم نمضي إلى شؤوننا، دون أن نعرف أن كلمة «لاباس» قد تكون آخر ما تبقى لصاحبها من قدرة على إخفاء تعبه. فكم من إنسان يعيش حياة كاملة أمام أعين الناس، وفي داخله حكاية لم يجد من يجلس إليه ليسمعها!
يستيقظ الناس هنا باكرا. يرفع مول الحانوت باب دكانه قبل أن يستيقظ الحي، وتخرج المرأة إلى رحلتها اليومية بين المطبخ والعمل ومدرسة الأبناء، ويسرع عامل البناء نحو الورش، حيث ينتظره يوم طويل من الغبار والجهد. وفي محطات الحافلات، وعلى أرصفة المدن، وداخل سيارات الأجرة الكبيرة التي تظل تنتظر اكتمال ركابها، تتشابه الوجوه في شيء يصعب تسميته: استعجال خفي، وتعب قديم، وأمل صغير يرافق كل واحد إلى وجهة لا يعرف ما تخبئه له.
في السوق تعلم الناس حسابا آخر. لم يعد الثمن رقما مكتوبا على بطاقة، وإنما صار ميزانا يحدد ما يستطيع المرء الاستغناء عنه. تقف أم أمام رفوف الزيت والسكر والحليب، وتعيد ترتيب مشترياتها في ذهنها، ثم تترك على الرف بعض ما كان أبناؤها يحبونه. وحين تعود إلى البيت، تقدم العشاء بابتسامة وتسألهم إن كانوا قد شبعوا، وهي تعرف أن حصتها كانت الأصغر.
أما الأب، فيعرف أن راتبه الذي انتظره شهرا كاملا سيعبر يديه في أيام قليلة؛ فالكراء والدواء ومصاريف الدراسة وفواتير الماء والكهرباء كلها تنتظر نصيبها. صار الراتب ضيفا عابرا، يدخل البيت محملا بوعود الراحة، ثم يغادر قبل أن يستقر فيه الاطمئنان، تاركا وراءه قائمة جديدة من الالتزامات. ويخرج الأب كل صباح بملامح مطمئنة، وحين يطلب منه ابنه شيئا يفوق قدرته، يجيبه: «الشهر المقبل إن شاء الله». وفي هذه العبارة الصغيرة يؤجل الأب رغبة من رغباته، ويخفي انكساره، حتى يظل في عيني ابنه ذلك الرجل الذي يستطيع تدبير الأمور، والذي لا تنفد حيلته أمام متطلبات الحياة.
والأم، وهي تنشر الغسيل فوق سطح البيت، قد تتذكر أنها كانت تحب الخروج في الصباح، وأن لها صديقات وفسحات مؤجلة، وثوبا أعجبها ذات يوم ولم تشتره. تسترسل في ذكرياتها قليلا، ثم يناديها أحد أبنائها فتجيبه قبل أن تكمل فكرتها. وفي المساء، حين ينام الجميع، تنظر إلى يديها وإلى التجاعيد التي لم تكن هناك قبل سنوات، وتشتاق قليلا إلى المرأة التي كانتها قبل أن تصبح أما لكل هؤلاء. فقد عاشت أعمارا كاملة داخل أعمار الآخرين، ومنحت أيامها للذين تحبهم حتى كاد نصيبها من الحياة يضيع بين انشغالاتهم.
أما الشاب، فيحمل شهادته ويطرق الأبواب. يجتاز المباريات، ويرسل سيرته الذاتية، وينتظر الردود، ويعيد ترتيب أحلامه وفق ما تسمح به الأيام. يفتح هاتفه، فيرى زميلا استقر في مونتريال، وآخر يعمل في ليل، وثالثا يلتقط صورة أمام مطار بعيد. فيحس أن العالم يتسع للجميع، باستثناء أولئك الذين ما زالوا ينتظرون دورهم. وفي داخله سؤال لا يجرؤ دائما على البوح به: هل أريد الرحيل لأنني أحب اكتشاف العالم، أم لأنني أبحث عن مكان أعيش فيه دون أن يظل الغد مصدر قلق دائم؟
سيحمل الشاب وطنه في قلبه وهو يغادر، وسيفتش في المدن البعيدة عن رائحة الخبز الخارج من فرن الحي، وعن مساء مغربي يجتمع فيه الناس حول مائدة واحدة، وعن صوت أمه وهي تناديه من آخر البيت. وأقسى أنواع الغربة أن تترك مكانا تحبه لأنك لم تجد فيه متسعا لحياتك.
وهناك من بقي. بقي لأن والديه تقدما في السن، ولأن أبناءه يدرسون، ولأن البيت الذي بناه بشق الأنفس صار جزءا من هويته وذاكرته. ومع ذلك، يعرف غربة لا تحتاج إلى جواز سفر؛ غربة داخل المدينة التي يحفظ شوارعها، وداخل الحي الذي ألف وجوهه، غربة تنشأ حين تتسع المسافة بين الإنسان وما كان ينتظره من الحياة. وما أكثر الذين يسكنون بيوتهم، ويشعرون أنهم ضيوف على أيامهم!
والموظف الذي أفنى سنواته بين الملفات والمكاتب، يسلك كل صباح الطريق نفسه، ويؤجل رغباته إلى العطلة المقبلة، أو نهاية الشهر، أو السنة القادمة. ظن في شبابه أن العمل وسيلة لبناء الحياة، ثم استيقظ ذات يوم ليكتشف أنه استهلك جزءا كبيرا منها في سبيل ذلك. وحين يرى زميلا جديدا في بداية مساره، بما يحمله من حماسة وأسئلة وثقة بالغد، يتعرف إلى صورته القديمة، ويتذكر الأيام التي كان فيها المستقبل يبدو واسعا ومفتوحا على كل الاحتمالات.
وللمتقاعد حزن من نوع خاص. فقد اعتاد أن يقسم أيامه بين العمل والعطلة ونهاية الأسبوع، وكان ينتظر يوم الجمعة، ويعد الأيام المتبقية إلى العطلة، ويحلم بالتقاعد باعتباره فسحة طويلة يستعيد فيها ما فاته. وحين يأتي ذلك اليوم، يجد أمامه زمنا واسعا، لكنه يكتشف أن بعض الذين كان يتمنى أن يقضي الوقت معهم قد رحلوا، وأن أبناءه انشغلوا بحياتهم، وأن الجسد لم يعد يمنحه ما كان يمنحه إياه الشباب من قوة ونشاط. يطول الصباح، ويصبح الذهاب إلى السوق نزهة صغيرة، وتتحول مكالمة من ابن أو صديق إلى حدث يستحق الفرح. وأقسى ما في التقدم في السن أن يبدأ المرء في عد الغائبين أكثر مما يعد الأيام المقبلة.
يمضي العمر بطريقة غريبة. ننتظر ونحن صغار أن نكبر، وحين نكبر ننتظر أن تستقر الأمور، ثم نكتشف أننا بلغنا من العمر ما يكفي لنشعر بثقل السنين. نؤجل زيارة، ونؤجل مصالحة، ونؤجل رحلة، بل ونؤجل سعادتنا إلى وقت نظنه أكثر ملاءمة. ثم يأتي يوم نكتشف فيه أن بعض الذين قلنا إننا سنزورهم حين نتفرغ قد رحلوا، وأن أبوابا كنا نستطيع طرقها في أي وقت أغلقت إلى الأبد.
كم من كأس شاي شربناه مع أمهاتنا دون أن نعرف أنه يحمل آخر ما سنحتفظ به من دفء أيامهن؟ وكم من جلسة عائلية مرت عادية، ثم صارت بعد سنوات ذكرى نتمنى لو استطعنا استعادتها؟
إن الزمن لا يأخذ منا الأشياء دفعة واحدة؛ إنه يأخذها بهدوء، ويترك لنا صورها: أصواتا كانت تملأ البيوت، ووجوها كانت تمنح الأعياد معناها، وطرقا كنا نسير فيها دون أن نفكر أنها ستصبح ذات يوم طرقا إلى الذاكرة.
وفي وسط هذا كله مفارقة تستحق التأمل. صار العالم أكثر اتصالا، وأصبحت المسافات تقصر بضغطة زر، وأضحى بإمكاننا أن نرى وجوها في أقصى الأرض خلال ثوان. ومع ذلك، يضع كثيرون هواتفهم جانبا في نهاية النهار، فيكتشفون أن أحدا لم يسألهم بصدق: كيف كان يومك؟ وهل أتعبك شيء؟
في قوائم الاتصال مئات الأسماء، وفي مجموعات التواصل أحاديث لا تنتهي، ومع ذلك قد يمر أسبوع كامل دون أن يجد الإنسان من يضع أمامه ضعفه بلا حرج. نعرف أخبار الناس من صورهم، ونجهل أحوالهم من صمتهم. نرى موائدهم، ولا ندري إن كانوا يأكلون بطمأنينة، ونرى ابتساماتهم، ولا نعرف كم مرة احتاجوا إلى البكاء ولم يجدوا المكان الذي يحتضن دموعهم. صار الإنسان يعرض من حياته ما يمكن تصويره، ويخفي منها ما يحتاج إلى حضن.
والوحدة في زماننا قد تكون وسط عشرات الأشخاص؛ أن تتكلم فلا تصل كلماتك إلى أحد، وأن تشرح ما يؤلمك فلا تجد من يلتقط المعنى الكامن خلف كلماتك، وأن تعود إلى بيتك وفي صدرك كلام كثير لم يجد طريقه إلى الخارج.
ثم إن أعباء الحياة لا تتوزع بالتساوي. فمن الناس من يحتار في اختيار وجهة عطلته، ومنهم من يحسب ثمن الدواء الذي يحتاج إليه. ومنهم من يفكر في توسيع بيته، ومنهم من يبحث عن غرفة تقي أسرته برد الشتاء. ومنهم من يشتري الوقت بوسائل الراحة، ومنهم من يبيع أجمل سنوات عمره كي يوفر الحد الأدنى من العيش.
قد يتقبل الإنسان تفاوت الأرزاق، لكنه يتألم حين يرى الفرص بعيدة عن أبنائه، وحين يشعر أن جهده لا يضمن له حياة مستقرة، وأن مستقبله يظل رهينا بظروف لا يملك التحكم فيها. فالكرامة، في معناها العميق، أن يستطيع الإنسان طلب العلاج دون أن يرتجف من كلفته، وأن يرسل أبناءه إلى المدرسة مطمئنا إلى جودة تعليمهم، وأن يعمل فيجد في أجره ما يحفظ له ولأسرته عيشا كريما، وأن يخطط للغد دون أن يشعر بأنه يقامر بكل ما يملك. إنه يريد أن يعيش حياة لا يضطر فيها إلى الاعتذار عن حاجاته الأساسية.
في ممر المستشفى الإقليمي، وقبل أن تفتح الإدارة أبوابها، تجلس امرأة في الأربعين إلى جانب أبيها على مقعد حديدي بارد. على ركبتيها ملف أزرق يضم صور الأشعة ووصفة طبية وموعدا كُتب بخط مستعجل: بعد ثلاثة أشهر. يسألها الأب إن كانت ستتأخر عن عملها، فتجيبه أن مديرها منحها الصباح كله، فيما تخفي عنه أنها لم تخبر مديرها بكل شيء. تحسب في رأسها ثمن الدواء الذي لن يغطي الضمان الصحي تكلفته كاملة، وأجرة سيارة الأجرة إلى البيت، وما سيتبقى لها من مال لتدبير الغد.
وحين تقترب الممرضة، تعدّل المرأة ياقة سترة أبيها، كأنها تضيف إلى عنايتها به شيئا من الطمأنينة التي افتقدها في ذلك المكان. وحولهما يتبادل الجالسون الحديث بسرعة عجيبة، ولا يجمع بينهم سوى الوجع. يسأل أحدهم الآخر: «وأنت، شحال هادي وأنت كتسنى؟». ثم تتوالى الحكايات، ويصبح كل واحد شاهدا على معاناة الآخر.
في ذلك الممر تسقط الخلافات الصغيرة، وتتقارب القلوب أمام أمنية واحدة: أن يعود الإنسان إلى بيته معافى، وأن يجد من يخفف عنه ثقل المرض والانتظار، وأن يحتفظ بحقه في العلاج والعيش بكرامة.
ومع ذلك، ما زال الناس يزرعون الأمل في التفاصيل الصغيرة. ما زال الأب يشتري كتابا لابنه، وما زالت الأم تدعو لأطفالها قبل النوم، وما زال العامل يتقن صنعته، وما زال الشاب يقدم طلبا جديدا بعد عشرات المحاولات. وما زال الجار يطرق باب جاره حاملا طبقا من الطعام، وتمتد يد لمساعدة محتاج دون تصوير أو إعلان. وفي هذه التفاصيل تختبئ عظمة الإنسان؛ ففي الوقت الذي تبدو فيه الحياة ثقيلة، يظل قادرا على منح غيره شيئا من الرحمة والدفء.
الأمل هو ذلك الدافع الخفي الذي يجعلنا نغسل وجوهنا في الصباح ونستعد ليوم جديد، رغم معرفتنا بما ينتظرنا فيه. وهو الذي يجعل الأم ترتب فراش أطفالها، والأب يخرج إلى عمله، والشاب يعاود المحاولة، والمسن يفتح نافذته منتظرا شمس الصباح. وقد يكون الأمل أحيانا مجرد رغبة في أن يكون الغد أقل قسوة من اليوم.
وفي المغرب تفاصيل تمنح الحياة مذاقا خاصا. شاي يعد على مهل، وكسكس يوم الجمعة يجمع الأسرة، وأبواب تظل مفتوحة للجيران، ووجوه تعرف كيف تحول القليل إلى مائدة عامرة بالمحبة. هناك ذاكرة اجتماعية تحفظ للضيافة مكانتها، وروابط عائلية تقاوم تغير الأيام، ودفء إنساني يجعل الإنسان يشعر بأنه ينتمي إلى شيء أكبر من بيته وعمله وحساباته اليومية.
ومن الدار البيضاء إلى القاهرة، ومن تونس إلى بغداد ودمشق وبيروت، تتغير اللهجات وتتبدل الحدود، ويبقى الخوف على الأبناء، والحنين إلى أيام أبسط، والبحث عن الأمان والكرامة. قد تختلف الظروف وتتباين التجارب، لكن أسئلة الإنسان تظل متقاربة: كيف نعيش؟ وكيف نحمي الذين نحبهم؟ وكيف نمنح أعمارنا معنى يستحق كل هذا التعب؟
لقد وزعتنا الجغرافيا على بلدان شتى، وجمعتنا أسئلة واحدة عن العيش والحب والعدل والزمن والمصير.
ما جدوى أن تتسع المدن وتضيق الصدور؟ وما معنى أن نقطع المسافات في دقائق، ونعجز عن قطع المسافة بين قلبين يعيشان تحت سقف واحد؟ وما قيمة التقدم إذا ظل الإنسان عاجزا عن العثور على لحظة يسكن فيها إلى نفسه، أو عن ضمان حياة مطمئنة لأبنائه؟
إن قيمة الحياة تقاس أيضا بما تمنحه للإنسان من طمأنينة، وبما تتيحه للأطفال من فرص، وبما تحفظه للمسنين من احترام، وبما تفتحه للشباب من آفاق. فالإنسان يحتاج إلى أكثر من الطعام والمسكن والعمل؛ يحتاج إلى أن يشعر بأن لحياته معنى، وأن جهده محل تقدير، وأن وجوده مهم، وأن الذين يحبهم لن يضطروا إلى دفع ثمن قلقه كل يوم. يحتاج إلى مكان يستطيع فيه أن يكون على طبيعته، وأن يخطئ دون أن يفقد احترامه، وأن يتعب دون أن يخجل من تعبه، وأن يحلم دون أن يضطر إلى تبرير أحلامه.
وربما كانت لحظة الشجن هدية قاسية يقدمها الصمت للإنسان. ففيها يرى ما أخفاه عن نفسه، ويصغي إلى ما ظل يؤجله، ويكتشف أن بعض ما طارده لم يكن يستحق كل ذلك العناء، وأن بعض ما كان بين يديه كان يستحق وقفة طويلة. وقد يدرك أن أبناءه كانوا ينتظرون منه وقتا أطول أكثر مما ينتظرون مالا أكثر، وأن زوجته كانت تحتاج إلى قلب يصغي إليها أكثر مما تحتاج إلى حلول لكل مشكلات العالم، وأن أمه كانت تنتظر زيارته أكثر مما تنتظر هديته.
وربما يفهم حينها أن الحياة لا تستعيد ما ضاع منها، لكنها تظل تتيح للإنسان فرصة أن ينتبه إلى ما بقي.
ففي نهاية العمر، لن يتذكر الناس كم ملفا أنجزنا، ولا كم رقما أضفنا إلى حساباتنا، وإنما سيتذكرون كيف شعروا بقربنا حين كانوا ضعفاء، وكيف عاملناهم حين احتاجوا إلينا، وكيف جعلنا أيامهم أقل قسوة، وكيف تركنا في قلوبهم أثرا يشبه الطمأنينة.
وفي تلك الليلة، يطوي الرجل ورقة الحسابات ويطفئ المصباح. يتجه نحو الغرفة التي ينام فيها أبناؤه، ويقف عند الباب متأملا وجوههم الصغيرة. يقترب من أحدهم، ويغطي كتفه الذي انزاح عنه الغطاء، ثم يمرر يده على رأسه ويعود إلى غرفته.
غدا سيستيقظ باكرا من جديد، وسيذهب إلى عمله، وسيمر بالسوق، وسيعيد ترتيب أولويات الشهر، وربما سيؤجل شيئا آخر. ستظل الحياة محتفظة بأسئلتها، وستظل بعض الإجابات بعيدة. لكنه، في تلك اللحظة، يشعر بأن لديه ما يخاف عليه، وما يحب أن يحميه، وأن وراء كل هذا التعب وجوها تستحق أن يواصل من أجلها.
تلك هي لحظة الشجن: أن تنظر خلفك فتجد عمرا كاملا قد مر، وتنظر أمامك فتدرك أن ما تبقى يستحق أن يُعاش بقلب أكثر انتباها. وأن تفهم أخيرا أن الإنسان يحتاج، في هذا العالم الواسع، إلى شيء لا يشتريه المال، ولا يستطيع الزمن أن يعيده إذا ضاع: قلب يشعر معه أنه وصل إلى بيته.
يستلقي الرجل في العتمة ويصغي. سعال طفل خافت، وأنفاس امرأة نائمة، وساعة تدق في الصالون.
ولأول مرة منذ شهور، يعرف أنه وصل.



