العقل الفطري بين قانون الإيمان والنفس العشوائية / رامي الحلبي

العقل الغض لا يعتبر العشوائية ويميل إلى الإعتقاد بوجود خالق صانع، إذ يعالج المدخلات الميتافيزيقية إلى مسببات إدراكية، كمحاولة إدراك فاعل أو إكتشاف مسبب، متتبعاً للقصدية و الغائية من ما ينسجم مع الإيمان شكلا وموضوعا، عكس ما يتطلبه تفسير الصدفة للكون ونشأته عبر الإنتخاب الطبيعي من تكريس معرفي مسبق وجهود إثبات مضنية، متخليا عن البنية الإدراكية العصبية البديهية، إذ أن إفتراض فاعل من وراء الأحداث أو الظواهر بتدبير مسبق و غائية مفهومة، أيسر من بناء آلة كبح بإفتراضات تتطلب الإثبات وعلى الدوام، من ما يجعل الإنسان في حل عن وضعية الشك الدائم كما يطلق عليها سيغموند فرويد ( مخاوف إنسان بدائي لا يتجاوز مخاوفه أبدا)، فمن حيث أراد سيغموند فرويد الإثبات أن الدين والإيمان عبارة عن وهما عصبيا نشأ عن مخاوف الإنسان البدائي كان عليه إثبات أن الإنسان الأول كان بدائيا أصلا!، والإثبات الذي قد لا يتجاوزه عقل، (حسب فرويد) إلا إذا لجأ لنماذج معرفية معاصرة له و نزوع فكري مطلق عن الكليات السببية بحيث يكون ليس فطريا، فمن أين له تلك الكليات أن كان بدائيا؟، قد أثبت أنه بهذا لا يتحرك الإنسان قيد أنملة للأمام، دون معرفة مسبقة و الإنسان البدائي الذي عليه أن يفترض نماذج معرفية معاصرة له عليه التفسير (أي فرويد من أين جاء بها؟)، وكلما تطور تطورت مفاهيمه مع القيد الموضوع بعدم اللجوء الفطرة والحدث الفطري، حتى لا تتحول أفكاره إلى الأوهام والمخاوف التى عليه الحذر منها بتحذير فرويد، هو بذلك في سجن نفسي يلزمه اليقظة على الدوام عدوه في هذا نفسه، وليس من طبيعة الإنسان أن تكون حركته بطيئة جدا ينتظر المعلومة، ولم يحدث ذلك أن الحذر جعل الإنسان يتوقف عند كل جبلة له حيث يبدلها بالمعرفة المعاصرة كي يكون شعوره غير متفاوت مع غيره وطبيعته مساوية لطبيعة الآخر دون إنحراف نفسي و إنجراف نحو إشباع حاجة نفسية طبيعية في أساسها جبلة و فطرة أولية. يقر الإيمان أن المشاعر نسبية وهي كذلك من شخص لشخص والشخص الواحد في مواقف متغيرة، وما يحدد الغضب أو الحزن عن التسليم والرضى والفرح والسعادة، ليس معناها أنه في الفطرة يكون الإنسان كالروبوت الذي ينتظر إشارة معلوماتية تدفعه أن يفرح أو يحزن أو يغضب أو يرضى، وإلا فماذا لو لم تتوفر له القاعدة المعرفية المسبقة؟، ذلك أن فرويد بإختصار يريد للإنسان أن أن يترك قاعدة معرفية تم منحها له من قبل الإله عبر جبلة ليست خالية من نسق أخلاقي راقي ويستقبل عبر مناهل معرفية تكوين قاعدة أخرى من معاصرته ليتجنب اللجوء إلى خوفه و الإنصياع إلى فطرته، كأن فرويد يدفع الإنسان من خوفه المطلق الذي يحيله إلى الفطرة والإيمان كما يدعي وإلى شك يحيله لتكوين قاعدة معرفية جديدة بطيئة الإحداث، مجهود لمن لا يعلم جبار ومضني فقط من أجل إثبات أن الإيمان وهما، ذلك فضلا عن أنه من سيكون الحكم؟، أي من سوف يحدد الصالح والطالح من المدخلات المعرفية التي يكتشفها الإنسان بالإحداث المتتابع، غير الإنسان وحده، وعبر ما تقبله أو ترفضه فطرته.
بعد الخلق يخبرنا عز وجل أن آدم لم يهبط على الأرض كائنا بهيميا لا يدري ما الإيمان وما الكتاب، بل علمه الأسماء والعلل عبر شتى المدخلات المعرفية ، تلقينا وتعليما وزراعة في نفسه وبالتجربة كذلك… عبر إختبار الخطيئة، وهذا ما يخبرنا أن الإنسان الأول أبدا لن يكن بدائيا، فمن غير المعقول وغير المنطقي إعتبار فردا… إنسان من أبناء آدم عليه السلام وبعد آدم حتى بألف عام أنه سيكون أجهل عن المعرفة التي كانت لآدم، بل من المنطقي الإعتبار أن هذا الإنسان أصبت لديه هذه المعرفة جبلة في تكوينه ومسلمة في منطقه وان طرأ عليها طبيعة أخرى أدت إلى طمس الطبيعة العامة.
والحقيقة أن أذكى الطرق أقصرها، أن البديهية تكمن فيما يعزز ( لا أقول راحة الإنسان ) ولكن ما يوصله إلى الغاية بيسر وسلاسة، ولأن الإشكال الواقع بين الإيمان والكفر هو الغاية، أي تحديد الغاية، فنجد إنكار الخلق مطلقا غاية في ذاته، فنتأمل معا النقيضين؛ الإيمان يقول أن الغاية رضى الله في الأخير والكفر يكرس رضى الإنسان على الدوام، فإذا ما انكر الإنسان قضية الخلق وغاية التكليف يكون على سراب ووهم لا ينتقي خلال حياته ما يبني قاعدة معرفية تفسر له مراد وجوده بل يلملم ما يجده بعشوائية ويجرب ما يقتضيه الكم بمجمله و على حدى يختبر بما فيه من نفع وضرر دون حكم ومن تدخل الفطرة في التمييز.
في الذكاء الإصطناعي تبقى المفارقة في الكم من المعارف، وقدرة الآلة على إفتراض النتائج، لا تحدد الصحيح من الخاطيء إلا عن طريق مُدخلة أدخلها في تكوينه مصدر، فإذا ما إعتبرنا هذا المصدر بقصدية فإن لوجود الذكاء الإصطناعي معنى، يعبرفي الأخير عن الصانع، كذلك الإنسان لا يمكن أن يكون لوجوده المعني إلا بإتباع قصدية المصدر، الذي في الأخير هو الصانع والخالق، والفرق الوحيد هنا أن الصانع في حالة الذكاء الإصطناعي محدود المعارف ولا يمكن لآلته أن تتجاوز معرفته، إذ أن هاجس تفوق الذكاء الإصطناعي على العقل البشري ما هو إلا وهم وذلك ما يحدده منطق أن الصانع محدود فصنعه محدود، وإذا ما انتقلنا لمثال الإنسان… لا يمكن في هذه الحالة أن يكون صانعه محدود بإعتبار بسيط؛
أن الصانع لم يصنعه وحده بل صنع عالم من حوله وكون يكتشفه الإنسان رويدا رويدا، ولا يمكن القبول أن محرر الذكاء الإصطناعى قد حرر للآلة عالم وفضاء كوني وترك آلته تكتشفه عبر آليات معينة إكتشاف ما لم يكتشفه هو بعد.
وفي مسألة الأخلاق يحيل الإيمان تلك القضية إلى الحل الجذري والنهائي، ما يرضاه الله ويأمر بإتباعه، ولنتخيل؛ آداتين من الذكاء الإصطناعي، تلك ترى العبودية مسألة أخلاقية وضيعة وأخرى تجعلها عاقبة لبعض الجرائم، والمفارقة هنا أن إنسان يرى الحكم الأول صحيح وهناك يرى إنسان آخر أنها مسألة ضرورية، وفي الحقيقة أنها أمر واقعي يحدث، ففي دستور واحد للولايات المتحدة الأمريكية نصين، واحد يجرم العبودية ويلغيها بشكل عام وآخر يجعل منها عقوبة على جرائم أذى الآخرين، ومن الظاهر قد يرى البعض أن نظام العقوبات الإنساني يحاول بأقصى جهد له أن يكون عادل، لكنه مهما حاول لن يكون ابدا في عدل الإله، فالجاني بعد وفاته… أي إجراء يمكنه أن يقتص منه حق المجني عليه بعد فنائه؟ ببساطة لا يوجد، لكن ومع الإيمان وإن غفر الله رحمة منه عز وجل للعبد تجاوزه في حقه أو في دينه لا يرضى إلا أن يقتص منه المجنى عليه في الآخرة، هذا على الأقل في الإسلام، من ما يجعل تصور حياة الآخرة أكثر منطقية من تصور الفناء الأبدي والضياع الحتمي بعد الهلاك، هلاك الإنسان.
هذا يكرس أهمية التصور بوجود آخرة وحياة خلود أبدية نهائية جراء الأعمال الدنيوية، يقتص فيها للضعيف ويلقى جزائه، ويقتص فيها من الظالم ويلقى حسابه، من ما يعني أن الحياة الدنيوية حياة إختبار، ولا يمكن التصور أن الإنسان قد ألقى في الإختبار الدنيوي دون منهج يتدارسه، فضلا عن أن ذاك المنهج هو حياته، كيف يبدأها وكيف له أن ينتهي بها دون رسوب، من ما يمنطق فرضية أن الإنسان لم يأت لهذا العالم بدائيا لا يعرف شيء، وإكتشاف النار أو الكساء الدافئ أو تصنيف الطعام وترتيب الأولويات مختلف كل الإختلاف عن آلية إكتشف بها كل ما سهل عليه حياته، فإكتشاف النار ليس الغاية ولا الوصول للإشعال الذاتي في ألة الطبخ أصل الغاية ولا تصريف الغاز والبترول لذلك الهدف جوهر الغاية، بل الغاية مختلفة كليتا، الغاية هنا معرفة قدر هذا العقل الذي إتصل بالمعارف وإكتشف ما كان موجود أصلا ولم يخلقه، وعبر تقدير القدر الذي وصلت له معارف العقل، و منتهى نجاحه لا يكون إلا في الوصول للخالق، وإتصاله به، من ما يجزم أن ما دون هذه الحلقة من المقدمات والنتائج المنطقية، لا يكون إلا وهما وسرايا، ويكون تفسير فرويد في هذه الحاله ذا معنى، بعكس ما يعتبره عالم النفس الشهير هو الصحيح قطعا.
اندرو تيت، مسلم عن خلفية مسيحية، ورد قوله في ظرف إختياره للإسلام، أنه لم يكن مجبر ولكن أَعقل الأمر ببساطة، مجتمعات مسيحية ليس لها رادع تسب الإله وتدع الغير يسبه!، أين القوة في ذلك؟، ويرجح الكثيرون من من يتباكون على تراجع المسيحية أمام الإسلام إبتداء ثم الإلحاد(للفراغ)، فتراجع اللاهوتية المسيحية أمام المسيحية العلمانية جعل من خطاب الأخيرة ملتبس على الغالبية من الشباب، وفي هذا الصدد يقول لاديني عن خلفية إسلامية، حدثنا الله ولم يجيبنا، (بصيغة الجمع هكذا)إذا لا وجود له!، ولو قلت لمثل هذا إن الإجابة فيك انت، لن يستحسن تلك الإجابة منطقيا رغم أنها الإجابة التي تبدو منطقية في ظرف الفوضى الذي يجتاح أوروبا هذا، خاصة وأن الملحدين كافة لا يوجد لديهم معيار للتوقف أو حد للمنع أو معيار أخلاقي رادع إلا الإجماع، الإتفاقات والدساتير وخلافه، لكن لما سقطت هذه الدساتير واجمع الرأي العام على النهب والسرقة والإعتداء، لم يكن هناك رادع، وقد أذهلني موقف أحد الشباب الفرنسيين لما وقف يقنع صاحبة متجر ترجو السارقين أن يتوقفوا، بأن تتوقف هي عن رجائها لهم لأن النهب والسرقة أمر محتوم وقد بات في تلك اللحظة فعل أخلاقي، هنا يمكن للشاب السائل عن وجود الله أن يكون ادعاءه منطقي لأن الله ليس حاضر في أفعال هؤلاء لأنهم إما أنهم مؤمنين بالخطاب المسيحي العلماني حيث (الفراغ) أو يميلون لخلق الإلحاد الذي لا يوجد فيه من الخلق رادع أو مانع، فقط فعل الجميع، وحين لا يكون الله حاضر في القلب لن تكون ثمة إجابة عنه، فعندما يتوقف السائل عن وجود الله خارجه أو عدم وجوده، ويسأل عما يكون في داخله من غيره سيجده فوق كل ما سواه وداخله، لا أقول عندما لا يخشى السؤال، فالسؤال ليس فيه شيء، ولكن عندما يخشى أنه لن يجد الإجابة.
ستكون كل الإجابات منطقية حينها لأنه حتما هناك إجابة، ولدى شاب وقف بعيدا يتحسر على فعل أقرناءه من الشباب وهم يجردون العجائز من أموالهم وملابسهم في خضم فوضى لا تنتهي إلا بإرهاب البوليس وقتل عدد معتبر منهم حينها القانون سيكون بفائدة لكن إجابة السؤال لن تكون بفائدة، ماذا إن لم يمتلك القانون القوة؟، فقوة القانون مستمدة من خشيته أولا في نفوس الخاضعين له أن ذهبت هذه الهيبة ذهب أي فعل رادع عن خشية الجمهور، مثله مثل قانون الإيمان في أي دين، أن ذهبت هيبته ذهب مفعوله وبات الفراغ مكانه، إلا أن قانون الإيمان في الإسلام لا يتخلى عن الوجود، هو قانون الوجود نفسه، لأن مصدره هو الواجد لكل شيء سبحانه، لذلك فإن مشكلة أي ملحد هي إثبات وجوده، فإن أثبت الوجود بغير الله قد أثبت وجوده عن مصدر زائل ومحدود، فالسائل الذي يتسائل بصيغة الجمع… سؤاله غير منطقي أصلا، لأنه لا يملك الإجماع، لكنه في نفس الوقت أحسبه صادق لأنه يشكك فيما قد يكون وصل له من قناعات خاصة وأنه يصرح أن علته نفسيه(كوصف سيغموند فرويد)، وهي مشكلة بالنسبة له متضخمة، فكل مشكلة من حوله ستكون متضخمة لعشرات الأضعاف من ما على حقيقتها، ففي النهاية لا يمكن للإنسان أن يحكم على وجوده، بل الوجود هو من يحكم عليه، والواقع هو علة الوجود، وواقع أوربا رغم التقدم الباهر في الحياة والدنيا لم يستطع نفي بدائية الإنسان إذا تخلى عن الإيمان، وقتها يا فرويد يكون الإنسان بدائي، لأنها محى داتا الفطرة، والتي يعالجها الإسلام ولا ينفيها بل يتعامل معها، وهذا التعامل هو مشكلة الغرب مع الإسلام، فحينما يتعامل الإسلام مع المشكلات للشاب الأوروبي يحدث أن يبرز للشاب إختياره فما تبدو له كحرية تنتهى إلى فوضى يراها تستقيم كحرية انتظام إضافة إلى عزيمة وكرامة، ومتى توقف الغرب عن حرب العداوة الفاجرة على الإسلام سيكون ان شاء الله العالم كله مسلم، لكنها وفي النهاية سنن الله والله المعافي الذي شاء أن ينتشر دينه الحق بالإقناع التام لا بمجرد اختيار الإنسان بطبيعة التردد والشك الخوض في التجربة.
وأخيرا من خضم الصراع القائم، هناك حقيقة ظاهرة جدا وعلى أثر الأحداث الأوربية الأخيرة تتجلى، فعند سؤال ناهبة فرنسية عن الحلال والحرام في فعلها أو بالأحرى الجيد والخطأ من وجهة نظرها، في فعل نهبها وسرقتها، قالت للسائل(أترى على جبهتي وصف مسلمة)، أي أن العالم كله يدرك في قرارة نفسه علما ومعرفة وفطرة وجبلة أن قانون الإيمان الإسلامي هو المسلم الوحيد للعدالة العالمية المنشودة، لكنه في النهاية تكبر وغلو الإنسان في نفسه.



