من الكومبارس ومن الفنان! رامي الحلبي

لا شك أن الحركة الفكرية المصرية قد عانت كل فصول المعاناة، إلا أن المخاض المتعثر قد أفضى إلى الهلامية للأسف في الأخير، أو ذلك الرائج المنتشر وهذا في ما يخص التأثير، أما كإعتبار فهي أثرى التجارب العربية من حيث التنوع والإحتكاك والصراع، والحالة الهلامية لم يصنعها توجه فكري صريح بل صنعتها الحدية و أنتجها التبشير عن كل توجه، ومن إستعمال وصولي للمصطلحات من ما أنتج حركة فكرية ذات أبعاد ثلاث، علمانية تبشيرية، أصولية متوهمة، وصولية طاغية.
بدايتا ومن أطروحة (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة) التي للدكتور عبد الوهاب المسيري أخلُص إلى الفكرة العامة ولا أختزلها في مجرد التعبير الذي يعود له، أنه (لو كانت العلمانية تعني “فصل الدين عن الدولة” فأنا (أي الدكتور) معها فأكون علماني جزئي لا غضاضة في ذلك)، أما إن كانت تعني نزع القداسة عن كل قيمة مطلقة أو العكس تقديس كل شيء أي إحلال القداسة في كل شيء… والذي تعني تمييع القداسة، فتلك هي العلمانية الشاملة، من خلال فهمي أنه لو كانت مقتضيات العصر الحديث ترغمنا أن ننحي الدين( أي دين) ، وهو ظرف استشكال، و إفتراض جدلي – بمعنى الذكر التلفظي عن دساتيرنا وقوانيننا فلا شيء في ذلك، أي لا تحتوي دساتيرنا على جملة (والشريعة الفلانية أو التشريع الفلاني مصدر التشريع) وهذا ليس معناه أن القيمة في الدين أو التدين والتداين و الإمتثال له قد أفضى هذا الأمر إلى إلغاءه، لكن هذه ليست المشكلة ولم يكن “التقول المنصوص عليه” و على ما سوف ينتجه من إشكاليات متتابعة أبدا هو الطامة الكبرى، فالطامة في المعنى الأشمل للعلمانية وهو نزع القداسة عن المقدس بحيث تكون أي قيمة نسبية، تتفوق إحداها على الأخرى تبعا للظرف وتختلف الأولويات من مكان لمكان وتنسف أو يقدح منها بما تمليه التصورات، أو بالمقابل تقديس كل شيء بما فيها الشرور فالإنفعالات نسبية والمعيار غير ثابت بعمومه لنواجه عملة واحدة للفوضى المنظمة بوجهين و للعلمانية التي تعني بمعناها الأشمل سيولة القيمة.
أتحدث عن سطوح بالغ وقد حصر تيار الإستقلال الفكري المتطرف صراعه الفكري والثقافي في المقارعة بالإصطلاحات المستقاة عن التجربة الغربية مستخدما إياها في مواجهة أوهام الأصوليين الذين هم بدورهم وقد تمسكوا بالتقول والبيان الصريح عن دين الدولة وتداين الناس وخلافه، قدم العلمانيون قضايا النسوية والجنس وكل ما يخص تجريح السردية الأصولية في مقدمة قضاياهم، ذلك حتى تعالت الصيحات من داخل ذياك المعسكر
أنهم أفسدوا على أنفسهم شؤونهم ولم يجدوا في الأخير إلا التبشير السطحي بالقيمة الغربية، هؤلاء يصفهم جورج طرابيشي أو يتطرق لوصفهم في كتابيه(هرطقات واحد وإثنين) بالسلبية، إذ وقد تحولوا لأصوليين بدورهم لتمسكهم بمعيار مطلق كالحضارة الغربية، وانوه بالذكر أن مشروع طرابيشي الفكري كان يهدف إلى نقطة إلتقاء مابين حركة الحضارة الغربية والقيم الإنسانية في تراث الشرق، إلا أنني أختلف معه في تلك الفكرة جملة وتفصيلا، إذ أن الغرب ثور جامح لا يقبل المنافسة وأي دعوة للإقتضاء به هي دعوة للمثول في خانة العبيد له، ولأنه بليبراليته قد حدد معايير غير مقبولة النقاش لديه يفرضها كمسلمات لنهاية التاريخ بما قدمه من ظلم و شرور واضحة في حقنا وبما يأخذه لنفسه من فضل وتقدم، أجد أن مشروعه مغلق عليه وأن الإقتضاء به ما هو إلا لهث متعمد كالذي يزرع الورد لإستدراج النحل.
بمنطق طرابيشي يكون الغرب أصولى طاغي بحت، ويكون العلمانيون العرب وصوليين مطغي عليهم، السلبيين منهم والذين نضحوا على الساحات الآن، أو هم مغشي عليهم، لكن لن يعذروا، وان كنت بصدد مواجهة مفكر كالذي يزنه جورج طرابيشي في أوساط الفكر، فلا أقابله إلا بما يزن مقدار من ذات القيمة في الأوساط الفكرية المتعددة، كمالك بن نبي أو طه عبد الرحمن أو المسيري .
فالتصور الحضاري لدي مالك بن نبي يبدأ من الإنسان إذا صلحت لديه ثلاثة مفاعيل، الفكرة الصحيحة والخُلق القويم والمبادرة، فالأمم لا تهزم بفقر الموارد وإنما بإنهيار الفكرة وضمور القيمة وتلاشي الرسالة. ولا ينازع الغرب كما أتصور الآن سقوطه إلا بالقوة، التي وفرها له تقدمه والذي هو في
الآخير كما يقول المسيري (ثمرة نهب العالم الثالث، والحداثة الغربية لا يمكن فصلها عن عملية النهب تلك)، أي أنه لا يمكن للغرب الحيد عن قيمه التي صنعها عن طريق إفتراس ضعفنا، أو كل ضعيف ان شئنا التعبير، وللدكتور المسيري تأصيل وتفصيل بالغ الأهمية في هذا الشأن ولوصف الحركة العلمانية في الداخل الحضاري الغربي والتي بإختصار شديد وبساطة
تعبر عن الإستقواء والإقصاء والإزاحة والسحق والنسف إن أمكن،
بالمقابل ومثلما لا أجد كراهة العلمانيون العرب للإسلاميين الأصوليين إلا من باب الإقصاء كالتصور الغربي تماما للآخر ولا أجد كراهة الأصوليين الإسلاميين للعلمانين العرب إلا من نفس ذات المنطلق، لكن الإقصاء الأصولي للآخر نتيجة قصور غير متعمد، إما عن طريق محدودية الثقافة الدينية بالأساس التي تشدد على إحتواء الآخر أو لغرض وصولي في ظاهره مكتسب خالي من العمق والقيمة، ك( وقالت الصناديق للدين، نعم) شعار أطلق كإحتفاء بتضمين الدستور المصري دستور ٢٠١٤ فقرة،” الدين الإسلامي مصدر التشريع”، مع إحتواء الدستور على فقرات وضعية ومع مخالفة الجهات التنفيذية لنصوصه الصريحة ومع عدم قدرة هذا الدستور على صنع الحياة الكريمة للمصريين، يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري في هذا الشأن ( إن الثقافة بلا دين تنتج السطحية ولأنها تتحاشى الأسألة الكبرى، أما الدين بلا ثقافة فينتج عنه التعصب الأعمى)، يتشدق الأصوليين بتدين الناس كذلك ولا يستطيعوا مهما حاولوا التعبير كنخبة ثقافية عن مجتمع الناس، ذلك لأنه وحدود معرفتهم خارج التقوقع على الأفكار، وليس جمود الأفكار نفسها، معرفة تقف عند السلطة المهيمنة سياسيا عليهم، ولا أجد أن أحدهم قد خرج عن ما ألفه من إنغلاق إلا وقد إنتصر في معركة فكرية كالتي إتسمت بها ثمانينيات القرن المنصرم من مقارعات فكرية خلاقة بين أعلام الفكر من الجانبين، كمحمد عمارة وخلافه من اليمين الفكري، ونصر حامد ابو زيد وغيره من اليسار الفكري، إننا أمام مشهد فكري نهائي رث، أنتجه سقف سلطوي وسايره السطحيون من كلا الجانبين.
وهذا المشهد لا يستحق إلا وصف سطحي، فقد صنع موت مراد وهبة حقيقة أو بالأحرى أظهرها، تيار الاستقلال الفكري المتطرف قد رسخ لنفسه وهم كبير، أن الأصوليين يمارسون سطوة على المجتمع، والأدهى من ذلك أن الأصوليين يصدقون هذه الكذبة، أتذكر في هذا الموقف البديع! ، مسرحية للفنان محمد صبحي… كومبارس (هفتان) ما إنفك يقول له محمد صبحي (هضربك) والآخر يجيب تكرارا(متقدرش)، قد ظلموا الإثنين فعل (الضرب) والعجيب أن محمد صبحي نفسه في ذياك الموقف التمثيلي تقريبا كان يزن أكثر منه بكيلو وتلت تربع جرام فقط.
عن هذه الظاهرة أتحدث، فمن يكون الكومبارس ومن يكون الفنان؟
نحن أمام فنانين للمشاهد هم من كلا الجانبين وصوليين يختلف عنهم علمانيون أصوليين و أصوليين تختل لديهم القيمة، من خضوع أعمى و أهوج للصراع وليس غيره، عرائس تحركها السياسات السلطوية، وتلك هي الحالة الهلامية التي أقصد.
في الأخير أنوه بالتوضيح أنني أنزه عن تلك المقارنة التي إستصاغها مقالي كل صاحب مشروع فكري حقيقي من كلى الجانبين، فالمقالة قد تأتي على ظاهرة هي نتاج طبيعي لعدم الحسم النهائي للمقارعات الفكرية الكبرى أو تعمد عدم الحسم لخلق حالة الإنشقاق تلك ولمبدأ(فرق تسد).





