كرة القدم في مصر (أهداف عكسية)، لا يُقبر عليها هاني/رامي الحلبي

اليأس… كلمة لا يَسُهل التعامل معها، ومن يخبر أحد أنه يائس و يشعر باليأس، كمن أخبر أنه لا ألم بعد الموت، ولا يصف اليأس إلا خارجا عنه، فاليؤوس يُعرف من حاله للناظر، لا من إدعائه للسامع، كما يصف الأحياء الموت ويستحيل على الأموات الخوض فيه، وأنه من يرى حال مصر أسوأ من ظنه السوء عليه أن يبلغ بما يراه وإلا كان من زمرة اليائسين المنقطعين عن الحياة، وكتقي الدين المقريزي،أضع نفسي في محله في تقييم هذا الموقف، موقف الزهو الذي يشعره عموم الناس ولا يخشى تبعاته إلا القليل منهم.
لكن أولا دعونا نتعرض لشيء من تجربة هذ الرجل، مؤرخ الديار المصرية، تقي الدين أبو العباس ابن أحمد ابن على المقريزي، المولود في 1364م، 764 هـ في القاهرة، والمتوفى 1442م، 845 هـ بالقاهرة أيضا، عن عمر ناهز 78 عاما عاصر خلالهم جميع الملوك في الدولة المملوكية الشركسية أو المماليك البرجية ويقال الجراكسة، منهم الظاهر سيف الدين برقوق، وناب عنه المقريزي في الحكم مرة ، والناصر فرج بن برقوق، ابن سيف الدين الظاهر برقوق، وعينه الناصر فرج بن برقوق في ديوان الإنشاء، وصحبه معه في حملته على دمشق عام 1407م، وإعتذر المقريزي عن تولى قضاء دمشق بعد نجاح الحملة، وعاصر أيضا من الملوك الجراكسة، المؤيد شيخ المحمودي، أنشاء هذا السلطان الجامع المؤيد في القاهرة بالدرب الأحمر، وكان يشيد المقريزي بمعماره وإنشاءاته وينتقد بخله وسوء سلوكه، وعاصر …سيف الدين طرطر، أثنى المقريزي على أخلاقة ولاذعه النقد في سياساتها الإقتصادية، وأخذ عليه تعصبه للمذهب الحنفي، ومن الملوك البرجية الجراكسة وآخرهم الأشرف سيف الدين برسباي، المتوفى في 841هـ، قبل وفاة المقريزي بثلاث إلى أربع سنوات، ضبط الأشرف برسباي الإقتصاد وأشرف المقريزي على فتحه قبرص عام 1426 من، 830 هـ وأرخ لذلك ، ووثق إفتتاحة المدرسة الأشرفية في القاهرة بشارع المعز، أثنى المقريزي على عهد الأشرف برسباي إلا فيما لم يعجبه من جوانب الترف والرغد والمغالاة في المظاهر وقدم نقد شديد في ذلك، و استمرت دولة المماليك الجراكسة على مصر والشام حتى عهد السلطان الأشرف طومان باي، الذي هُزم في الريدانية من جيش سليم الأول السلطان العثماني، وأعدم الأول شنقا وعلق على باب زويلة في 923هـ الموافق 1517م.
أبرز كتب المقريزي التي أرخت لهذا العصر كتاب “السلوك في معرفة دول الملوك”، وهي كذلك، أي هذه الفترة جزء من مؤرخ له في موسوعته “المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار”، المسماه بالموسوعة المقريزية… التي أرخ فيها لفترات سابقة عنه بأزمان متباعدة ، وله في نحو ذلك أيضا كتاب”إغاثة الأمة بكشف الغمة “، وهو كشف لأزمات مرت على مصر من مجاعات وازمات إقتصادية وغيره ومن عصور أقدم منه حتى بدايات القرن التاسع الهجري مع وضع حلول ممكنه لها ومخارج علمية كانت لتناسب بعضها، ففي المقدمة لهذا الكتاب يقول المقريزي، “فإنه لما طال أمد هذا البلاء المبين، وحل فيه بالخلق أنواع العذاب المهين، ظن كثير من الناس أن هذه المحن لم يكن فيما مضى مثلها، ولا مر في زمن شبهها، وتجاوزوا الحد فقالوا: لا يمكن زوالها، ولا يكون أبدًا عن الخلق انفصالها؛ وذلك أنهم قوم لا يفقهون، وبأسباب الحوادث جاهلون، ومع العوائد واقفون، ومن روح الله يآئسون.”، ويوعز المؤرخ المطلع على التاريخ أن معظم الأزمات بعد فساد الحكام وجفاف النيل والمكاره التي تحدث نتيجة الإنصراف عن التقوى والتوكل على الجهل، لا تتفاقم إلا بتماهي الناس معها والتأقلم على وقعها، كونها حدث غريب عنهم لم يطلعوا التاريخ فيه ولم يعتبروا أو يتخذوا من التجارب السابقة علم وخبر للخروج من حال اليأس والموت إلى حال التجريب والإعتبار الذي للأحياء، فأخذ المقريزي ينبأ بأخبار الأقوام السابقة وعلل كل فترة ومنها على نحو شديد الإلهام …
أنه في زمن وفاة كافور الإخشيدي جف النيل وإضطربت الأوضاع وتآمر العسكر على الملوك وتحين الملوك للعسكر وارتفعت الأسعار حتى دخلت جيوش المعز لدين الله الفاطمي من الغرب على رأسهم جوهر الصقلي فإكتتب محتسب لكل سوق وصحح الأوضاع وأوغل في البناء بعدما أُحرقت مواضع كثيرة على أثر فوضى الناس وغياب الضبط والربط، ومن المعز حتى المستنصر، والشدة المستنصرية، أشهر شدة معلومة للعامة وأكثر أثر مرارة للعليم بالشدائد التي مرت على مصر، كانت مسغبة عظيمة بيعت فيها الأطراف والأبناء لسد الجوع، وبيعت الكلاب والقطط كل واحد بخمسة دنانير، وكاد البعض للبعض بالخطاطيف والكلاليب من على أسطح المنازل فإذا ما وقع في شركهم أحد قطعوه وأكلوه، وانتشرت السرقات لغلاء القمح وزيادة أثمان المؤونة لشحها، حتى المستنصر ذاته إحتاج فباع حلية من موروث آباءه، ووزيره ذهب ليخطب في العالم ويحدثهم أكلوا بغلته، أدى كل ذلك إلى إختفاء طبقات إجتماعية في المرتبة الوسطى من تجار وملوك، وصعود طبقات أخرى من المحتكرين الذين إستأثروا الثروة وإغتنوا بفترة زمنية قصيرة جدا بسبب حاجة الناس وجوعهم، فرض المستنصر الأمن عبر استعانته بقادة الجيش مثل “بدر الدين الجمالي” لإنقاذ البلاد وبسط الأمن بالقوة والإجبار، ورغم هذا تقلصت الدولة ففقدت صور وفلسطين، ونشبت معارك طاحنة في صفوف الجيش بين الأتراك والسودان والمغاربة… نظرا للتدخلات من ام المستنصر وجلب عدد من الأغراب وتمكينهم في الجيش ومفاصل الدولة، انتهى حكمه 487هـ ، 1094م، بعد وفاته، وقبل ذلك كان قد على شأن بدر الدين الجمالي الذي جلبه المستنصر من عكا لتولى أمور الدولة، وأصبح المستنصر صوريا السلطان حتى مات، وذلك دونه عدد من الوزراء فيما عرف بعهد الوزراء العظام.
وإذ يصعب التصور بوقوع شدة مثل تلك قاسمة لمصر في العصر الحديث، لكن يسهل رصد نتائج مشابهة لتلك الشدة، حيث فوارق طبقية عظيمة وأصناف من المحتكرين المتواترين على الدوام بالتنوع والذيادة، وغلاء لا يرتدع وعبث التعامل معه من ولاة الأمور، وترف باد عليهم وفساد يحز الرقاب، لكن الأعظم من ما يتم رصده من نتائج ملموسة هو ما يكون فيه من صعوبة رصده، إذ يصعب رصد سلوك الناس، ليس لأن الناس أشباح أو لأنهم يتقنون المداراة والتعفف، ولكن لإنكارهم واقع الأمور بالذهاب نحو اللغو والهي والغي، ومن قديم اليونان أن الإمبراطور فسبازيان أمر بتشييد بناء (الكولوسيوم)، ليكون هدية الشعب بدلا من القصر الذي أحرقه نيرون، إستخدم في بنائه أموال من غنائم حصار القدس آن ذاك، وهو ساحة إقتتال بين مصارعين للترويح عن الناس، ساحة الألعاب تلك وفي زمن تيتوس ابن فسبازيان دفع لها أموال لتسيير سفن لجلب الرمال من الشرق الأدنى لفرشه وبسط أرضه، في الحين أنه في ذلك الزمن أصابت روما مجاعة شديدة، كان يوزع الطعام فقط مجانا بالتزامن مع إقامة الألعاب، لم يتوطد حكم تيتوس ابن فسبازيان إلا بتلك الطريقة، إلهاء العامة عن فساد كان ليؤدي بحكمه إلى إضطرابات مثل آخر أيام المستنصر، وحين إستغلب بدر الدين الجمالي بنفوذه على شرعية المستنصر كسلطان متبوع.
والشاهد… أنه كما ييأس الناس في المساغب، ييؤسون كذلك على أثر التغليب، التغالب عليهم بما يلهيهم ويحيلهم إلى هوامش القرار، فمثل الكولوسيوم كانت ملاعب الكرة، ومثل هؤلاء الجماهير مثل جمهور الكرة ومثل هذه العطايا الممنوحة كهبات مثل المضاربات الربحية، سواء من أموال منظورة عبر المضاربات الحرام أو أفراح موهومة عبر الثرثرة والكلام، فيتخلف الإهتمام ويتبدل، من النظر في الشأن المسيس إلى الإختلاف حول أنماط اللعب، فيضيع الإحساس، وتلك شين لا يصاب بها إلا أمم إنتهى ذكرها من التاريخ، فإن جاز لي الإستهجان بالسؤال، كم عدد المصارعين الذين صارعوا داخل الكولوسيومات المشيدة غربة وشرقا تحت وطأة اليونان والروم؟، أو ما أسماء المصارعين الذين يشيد بهم التاريخ الروماني أو اليوناني، من من صارع أسدا أو ضبعا أو نمرا، أو عبدا مثله داخل هذا المحفل؟، بينما مصيبتنا أعظم لأن المصارعين داخل البساط الكروي من العرب والعجم وربما الصين والأقطاب الباردة معلومين لدينا بما ندعيه تاريخ كروي مجيد.
ذلك فلو كان هاني، أو محمد بن هانئ، سوف يُكتب في التاريخ كواحد من الهدافين بأهداف عكسية في تاريخ كأس العالم فبديهياً وحق لي أن أطالب بتأريخ هذا العصر كعصر تسجيل الأهداف العكسية على المستويات الثقافية الإجتماعية الثقافية، والإقتصادية، أهداف عكسية على الحياة والتاريخ معا، وأن هذا العصر ليس بغريب عن هجاء
ابن هانئ الأندلسي (320-362 هـ / 932-973 م)، وهو أبو القاسم محمد بن هانئ الأزدي. يُعرف بـ”متنبّي الغرب” لكونه أعظم شعراء المغرب والأندلس. ولد في إشبيلية، واشتهر بمدح الخلفاء الفاطميين بعد هجرته لشمال إفريقيا. تميز شعره بقوة الألفاظ والمبالغة في المدح، لكنه لما هجا قال:
إِنَّ ذُلَّ العَزيزِ أَفظَعُ مَرأى … بَينَ عَينَيهِ مِن لِقاءِ الحُتوفِ
إِنَّما الدَّهرُ ذو صُروفٍ وَمَن يَصـ … ـحَبُهُ يَلقَ مِنهُ حَتفَ الصُّروفِ.
أن العزيز إذا ذُل كان الموت عليه أهون، و أن يراه بين عينيه أي يعيش في ذلل ويأس هو أمر كالموت تماما، وأن من يشاهد الزمن والتاريخ يرى منه صروف وأحداث يجب أن يلقى منها العبر والتعلم.
فلا حياة مع اليأس جملة نستعملها في مواضع المداراة والمكابرة، لا في مواضع المناجاة والمثابرة.
انتهى





