وقال المستطيل للأرجنتين …نعم / رامي الحلبي

كل شيء من هنا…لغويا، المقولة تشير إلى المصدر(مصدر الشيء المعلوم أي كان)، و فلسفيا، هي عبارة تدل على البداية سواء كان المصدر يتفق على أيهما…روحانيا أو عاطفيا أو عقلانيا ومع الوعي أو التساؤل …لدى القائل أو يتفق على جميعها معا، وبين القائل والمتلقي مساحات واسعة من الإشتباك حول وجهات النظر المختلفة وحول مصدر الشيء، وكل شيء من هنا… عمليا، وعند الإشارة، تدل على عمل الإنسان الذي يُسير بعده وعلى إثره نهج وطريقة بناء عليه، فالمصدر لأي شيء مُختلف فيه، فإن كان يرام الحقيقة من وراء كل شيء، فلا وجود لغير الله عز وجل… خالق كل شيء، وإن كان ما يُقصد هو المجاز في القول، فحسب قصد القائل!، يدخل العقل والقلب في حدود هذا المجاز، كذلك الخيال أو الرؤية البعيدة، والمعبرة عن ملاحظة البصر البعيدة أو استبصار العقل الدقيق، ففي نطاق الحكمة يقصد من العبارة دلالتها، الحكمة المجردة منها إلى حقائق ملموسة، أو الحكمة التى تشير إلى التماثل، والمقارنة، والتحليل، وتفسير عبارة كل شيء من هنا… يعود كذلك للأهواء، تتدخل السفسطئة فيها وتحللها، وتثيرها علوم الكلام وتبني عليها الحقائق تنسب لها، بغض النظر عن صحتها من عدمه، لكن ورغم كل شيء … وفي كرة القدم، كل شيء لا يبدأ إلا من عند ليونيل ميسي.
ليونيل أندريس ميسي كوتشيتيني، أرجنتيني من أصل إيطالي، مسيحي كاثوليكي رغم يهوديته، فقد شاع أنه يهودي على غير نحو صحيح، لكن لن آخذ إلا بالشائع رغم خطأه، فقط ليتسق مع مثال سأتطرق إليه، يقال أن في الموروث الشعبي الروسي…ستة يهود غيروا أفكار العالم، أضيف لهم ليونيل ميسي ليصبحوا سبع… حسب هذا المثال، أشار النبي سليمان إلى السماء كمصدر كل شيء، وأشار موسى إلى العقل، وأشار عيسى إلى القلب، بينما كارل ماركس نفض جيوبه الخاوية وقال كل شيء يبدأ من هنا، وإستهجن سيغموند فرويد كل هؤلاء وقال كل شيء يعود للعضو الذكري، حتى جاء معاصره ألبرت إينشتاين وقال لا ياصديقي كل شيء نسبي، بينما في العصر الحديث أثبت ليونيل ميسي أن الحياة مرمى وكل شيء عبارة عن أهداف.
هذه الحقيقة لا تؤكد كل شيء للواقع، بينما فقط هي لا تنفيه ولا تنفي نفسها ضمنه، فكل ما جاء على لسان كل شخصية من شخوص المثال كان بغاية لكل فرد منهم، بغض النظر عن صحة ما جاء من عدم صحته، بينما ماجاء مجازا على وقع أثر ليونيل ميسي في المستطيل الأخضر هو عين الواقع، حيث لا تؤكد أو تنفي، لكن لما تتداخل الغايات و تقصر النظرات يُستبهم فهم الواقع إلا على هذا النحو، كمرمى وأهداف…ولنا في الحياة مثال، قال حسين يعقوب قولته الرجراجة… وقالت الصناديق للدين نعم فيما سماها غزوة الصناديق مارس 2011، ونصا قال “كان السلف يقولون بيننا وبينكم الجنائز، واليوم يقولون لنا بيننا وبينكم الصناديق، وقالت الصناديق للدين (نعم)” بعدها ب463 يوم أُعلن إنتخاب محمد مرسي، بعد جولة إعادة، أيد يعقوب والسلفيين هذا حتى منتصف 2012، قدم يعقوب إنتقادات لاذعة على تباطأ ما يراه تطبيق الشريعة، واستمرت الإنتقادات إلى ما أفضى إلى موقف عكسي عن نقده، ولكنه موقف شديد الوضوح ليعقوب من إعتصامات أنصار المعزول… في ميدان مصطفى محمود بالجيزة في الفترة ما بين 28 يونيو إلى 14 أغسطس 2013، وقبيل الفض بسويعات قليلة قال يعقوب نصا “نحن بين أيديكم ودماؤنا دون دمائكم، ونقول لمن يقول إنه سيفض الاعتصامات لن تفض الاعتصامات وسوف تستمر كما هي”، من ما ألهب حماسة المعتصمين آن ذاك، إلا أنه أبدا تأيده الكامل لإعلان 3 يوليو عبر المنصات الإعلامية، لنكن أمام خطاب حشدى بالتأييد المطلق والتضامن مع الإعلان الدستوري مارس 2011، وموقفيه من انتخاب مرسي و من إعتصام مصطفي محمود على وجه التحديد في يوم 14 أغسطس 2013، وبين خطاب شخصى مُصدر للإعلام استمر من منتصف 2012 حتى 28 يونيو 2013، وخطاب تأييد لإعلان 3 يوليو 2013، أيضا جاء ذلك على مستوى شخصي، ثم لا حقا بجلسة 15 يونيو 2021، فيما عرف بقضية خلية داعش إمبابة، تبرأ يعقوب من الفكر الجهادي وأقر بطاعة ولي الأمر وإتباعه المذهب الحنبلي وتطبيقه الفكر الوسطي معلل بقوله، “أنا الشيخ محمد بتاع صلوا على النبي”، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فقط ليمعن تلخيص موقفه كونه واعظ فحسب وليس مفتيا أو عالما، وعن ما يبرر ذلك من قوله كونه “يَسأل العلماء ولا يُفتي” حيث لا علاقة له بالسياسة من قريب أو من بعيد.
وبعد ملحمة المونديال التاريخي2026، الذي كرس لواقع الكل ذاهد فيه ومنغمس في تفاصيل منه دون الأخرى، لم تكن المصالح الشخصية تاريخيا بعيدا عن تحولات كبرى، فكما كان التحايل لإبرام صفقات مع الواقع هي ثمة تحديات الفيفا حسب رؤية صانع تلك التجارة، كان ذلك أيضا دافع القطب السلفي محمد حسين يعقوب كصانع ومؤثر في اتجاهات فئات عريضة من الشباب، وأيضا كما ثبت ضيق رؤية الفيفا في تصدير الأرجنتين كبطل واقعي للكرة، ثبت فشل رؤية يعقوب كأيقونة واقعية تحرك عاطفة الشباب المنقاد بلا وعي، اتخذت الفيفا من الحياد و الإنصهار رداء كاذب بحكم الترويج التجاري وقصدت الإنحياز نحو رؤها بما تحكمه مصالحها الربحية وخسرت أخلاقيا الدعم والمساندة العاطفية من العالم كله، فازت إسبانيا صاحبة الموقف الواضح من قضايا العنصرية و الأبارتايد من ما يعد انصاف عاطفي للمكلومين حول العالم، وفيما يعادله تخلى يعقوب عن موقعه لينأى بنفسه عن مطرقة السلطة وسنديان الحكم الشعبى، وذهب الموقفان أدراج النسيان سريعا لما كان فيهما من خزي وعار، وفي انتظار ما يعنيه الإنصاف بالنسبة لفلسطين وغزة على أثر تحركات العالم الحر المتمثل في جنوب إفريقيا على وجه التحديد وقضاياها مع العنصرية وبخلفية و بتاريخ مرير مع العنصرية وكدافع لإنصاف أي مظلوم حول العالم لن يأمل أحد أن تغير قضيتها أمام الجنائية والعدل الدولية الكثير، أو يتغير العالم على أثر تحركها الأممي، سريعا، ولكن المواقف تسجل التاريخ المتحول وتكون دلالة عليه حتى بعد مرور القرون عليها.
المواقف تسجل وذكرها التاريخ، وتاريخ الأرجنتين مع العنصرية تاريخ طويل بطول نشأتها إلى خسارتها الأخيرة بهدف دون فعل، إجبارا وفرضا عليها، ولأنها كانت ليلة الحسم، وفي مجال حر يفرض حريته منافسة ليست شريفة وإنما بقواعد اللعبة داخل المستطيل، لكن الأرجنتين في كل الأحوال تفوز لأن سياساتها تتسق مع التوجهات العالمية التي تفرضها دول الهيمنة والسيادة والسيطرة، تعرف الأرجنتين نفسها على الدوام بالدولة البيضاء، وتتخذ من ذلك التمييز العنصري معالجة لتاريخها القائم على الهجرة المتنوعة إليها ابتداء والسكان الأصليين، ذلك ومرورا ب العام 1978، فبعد جرائم قتل وتعذيب وإخفاء قسري لمناهضي حكم خورخي فيديلا، معارضين وضحايا جانبيين بالآلاف، نظمت السلطات الأرجنتينية الكأس الأول الذي تحصلت عليها الأرجنتين في تاريخها، على شاكلة ما كان يقصده أبو تريكة(أن من أراد غسل سمعته السياسية لجأ لتنظيم كأس العالم)، الرياضة التي لم تعد أخلاقية البتة، الأرجنتين فعلتها سابقا وأميركا مؤخرا، إستغل فيديلا الشغف الأرجنتيني بالكرة وقدم لهم الجزرة على طبق من الرشوة للاعبي البيرو لتمرير فوز الأرجنتين بنتيجة فارقة، أكثر من خمسة أهداف تعادل فترة حكم فيديلا الدموي من 24 مارس 1976 وحتى تسليمه السلطة في مارس 1981.
وتاريخ العالم الدموى يكون ضحاياه مفعمون بالشغف إلى ما يذهب إليه وعيهم، ينظرون إلى تلك الدموية كسبيل للإبتعاد عن إنصاف ذواتهم، كراحة قبل الخوف وإسترضاء للضمائر قبل قتلها ووؤدها، كفعل الخسة الذي تبناه حزب النور للنأي بنفسه عن محرقة محققة في أوساطه… كما يقول أقطابه على الدوام، والتباهي المستمر مع السياسات الإقصائية التي تطالهم في بعض الأحيان، فقد ارتضوا أن يكونوا رقما لا رمزا في المعادلة الجبرية السياسية، وعلى كل حال يرون هذا المنحى هدفا ينجلي كلما إتسع المرمى على أمل أن تصبح مداهنتهم الخسيسة مسار الكرة حتى تبلغ الشباك، ليكن الهدف مباركا بالتراضي مابين فيفا الوطن، كما فيفا العالم لما تمنع هدف عن الأرجنتين وتبارك آخر لها.
من تلك الفوضى يبدأ كل شيء، لذا كل شيء فوضوى مستحسن ومؤيد، لا يوجد إنضباط فقط إلا في تكريس سياسات القوة، من يملك القوة يستطيع حكم العالم، لكن المواقف فقط هي من تعبر عن مصادر أخرى للحقائق، والحقيقة أن تلك الحقائق هي ما تفرض نفسها لتقول أنها ليست على تلك الشاكلة من الخسة وأن القوة في شكلها المفرط ما هي إلا ضعف محكم يحيط بأصحابها وأن موقف واحد منصف يستطيع فضحها، كهدف إسبانيا السياسي والكروي، وهدف جنوب إفريقيا الأممي، وما ينتظر من عقول منصفة في شرق أوسط العالم ومصر تحديدا، حيث ما ينظر من فشل يثمر عن وعي بضرورة وجون الإنصاف ومنذر ببروزه كلما إستمر الضغط واستمرت المداهمة والتباهي، وهي خلخلة للمواقف حتى لا نستشكل أو تنخدع في مظاهرها مستقبلا.
الحياة أهداف فلننظر أي هدف يستحق أن نسجله.





