السياسة عقل و مُعتقل – رامي الحلبي
مُكرها أبدأ مقالتي بمزحة؛ ماذا تعرف عن سايكس و بيكو؟، وفر على نفسك العناء سأخبرك… ألفريد سايكس و محبوبته إليزابيث بيكو، إحدى شخصيات الرواية ماكبث للروائي البيلا روسي دستويفسكي. هل ترتيب الكلمات والسرد المتتابع يخلق لديك منطق ؟، هل إنطلت عليك الخدعة!، هكذا هي السياسة تورطك بسرديتها إن كنت تجهل أبسط المعلومات عن محتواها، إلا أن عشر رسائل بين الرجاء والوعود الفارغة عبرت عن أكبر خدعة إنطلت علينا جميعا وشهد بها تاريخنا العربي المعاصر علينا، (رسائل الحسين مكماهون)، وهي عشر رسائل بين الشريف الحسين بن علي(شريف مكة زمن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني) و السير هنري مكماهون(المندوب السامي البريطاني في مصر) بواقع خمسة لخمسة(تعادل)، إلا أنه وكما كنت أقول من يمتلك بسيط الحس والإدراك سوف يثمن ابسط درجات إعقاله وفهمه، وحينها في زمنه، حيث لا زمن طويل منذ الأعوام ١٩١٤، ١٥، ١٦ إلى الآن من الإطلاع والتدارس ، فمن لغة الخطابة في الرسائل يظهر حجم الخداع حيث أكبر درجات المسايسة من طرف المستعمِر وأحط درجات المحاسسة من طرف المُستعمَر، ففي المراسلة الأولى بتاريخ ١٤ تموز ١٩١٥ خط الشريف حسين للسير هنري مكماهون رسالة يقول فيها “يرى الشعب العربي أنه من المناسب أن يسأل الحكومة البريطانية إن كان من المناسب ان تصادق بواسطة مندوبيها عل الإقتراحات الآتية؛ … ” وذكر في رسالته حدود دولته المرجوة وختم بخاتمة أولية تعبر عن الرجاء، “على أن توافق إنجلترا أيضا على إعلان خليفة عربي على المسلمين”، وبخاتمة تطمين نهائية أضاف الشريف الحسين بن على تقرير جهودة منذ العام ١٩١٤ حتى تاريخ الرسالة، أن العرب إجتمعت كلمتهم وادركوا الغاية وأمهل الحكومة البريطانية ثلاثين يوما للرد سلبا أو إيجابا وإن لم يكن هناك رد يكون للعرب فعل ما يشاؤون، لم تكن مكة والحجاز تحت الإستعمار البريطاني لكن الجوار بأكمله تقريبا واقع تحت هذا الإحتلال، والحراك العربي المحتدم وقتها ضد الدولة العثمانية كان فرصة لفرض هيمنة بريطانية على كامل الصحراء العربية، فليس صحيح أن بريطانيا لم تحتل الحجاز ومحيطه، بل إحتلته بجندى واحد ذاع صيته في أدبياتنا بمسمى(لورانس العرب) الصديق المقرب للشريف الحسين بن علي، وكانت الردود بترجمتنا المعاصرة كما لو كانت مضحكة، فعلى اللياقة التي بدت بها خطابة الشريف حسين خلال مراسلاته كانت تقابل بأكاليل التعظيم والتبجيل في ديباجتها من طرف السير مكماهون فمثلا رد مكماهون على إحدى رسائل الشريف الحسين بديباجة لا تكون إلا لصعلوك أمام سلطان السلاطين، وهو مكر الثعابين …، فتأتى يقول “إلى ساحة ذلك المقام الرفيع، ذي الحسب الطاهر والنسب الفاخر، قبلة الإسلام والمسلمين، سلالة مهبط الوحي المحمدي الشريف، صاحب الدولة السيد الشريف الحسين بن علي، أمير مكة المعظم”، ومن يومها ونحن في مخيلتنا التاريخية ندين لهذا الحراك الإمتنان ونذكره على أنه إضاءة ثورية في تاريخنا المعاصر، فهل من موقعك الزمكاني الحالي ياصديقي تصادق على هذا؟، فبالنظر للواقع كنا ومازلنا إرث لهيمنة إستعمارية مختلفة بعد الإمبراطورية التي غابت عنها الشمس ولم تعد، ولهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية والتي لسخرية القدر إستقلت عن نفس المستعمر البريطاني بواقع حرب إمتدت بين العامين ١٧٧٥-١٧٨٣، تخللها إعلان الإستقلال في ٤يوليو ١٧٧٦ حتى وضعت الحرب أوزارها وانتهت بإعلان الإعتراف من قبل بريطانيا بالإستقلال لأميركا في معاهدة باريس ١٧٨٣. فهل يتضمن موقفك ياعزيزي منطق القوة هذا حتى لانكون قد ظلمنا أنفسنا والتاريخ الشاهد علينا، لتكن اللحظة التالية لحظة إفاقة!. فقط إستمع إلى (ألدوس هكسلي) يقول”ضحية التلاعب بالعقل لا يدرك أنه ضحية، بالنسبة له؛ جدران سجنه غير مرئية ويظن أنه حرا” هكسلي الكاتب والمفكر البريطاني، ربما خبرته من واقع كونه مواطن قبل كل شيء في بلد إستعماري عتيق، و تقريرا على واقع ما أتى به الكاتب والمفكر الإستعماري، كون الهيمنة إرث و موروث، في مؤتمر بريتون وودز عام ١٩٤٥، اتفقت العديد من الدول على ربط عملاتها بالدولار الأمريكي بدلاً من الذهب غير المستقر. وفي العام نفسه، تم ما عرف ب البترودولار عندما أبرمت المملكة العربية السعودية اتفاقية مع الولايات المتحدة لقبول الدولار الأمريكي عملة دفع وحيدة مقابل نفطها مقابل التدريب العسكري والتجاري، فمرة أخرى وقع شريف مكة في معتقل السياسة الأمريكية، صحيح أن هذا كله حقق الثراء الفاحش للجزيرة العربية لكنه لم يحقق الكلمة الحرة التي في جهة معاكسة تتخذها الولايات المتحدة شعار أيقوني ودعائي للترويج عن نفسها، ويحق لها إن كنا موضوعيين، لكن السؤال، هل يحق لنا ان نقول يوما لقد اتبعنا كلمتنا الحرة ودافعنا عنها؟، هل يحق لنا أن نشك في هذا؟.
كان يمكننا القول أن هذا التاريخ الذي أجده مخزي عبر عن ظاهرة إجتماعية ومضى وانتهى لو كان فعلا هذا قد حدث،
فمن المفيد العلم بأن الظواهر الإجتماعية غير مقيدة بزمان أو مكان وكلما طرأت ظاهرة ربما سيطر مناخها لزمن طويل وتشعب توسعها لمساحات أوسع، لكنها في الآخير تنتهي وهو ما يستدعي الإطلاق عليها مسمى الظاهرة لأنها تطرأ وتبدأ من ثم تنحصر وتنتهي بعد فترة من الوقت، ومن الظواهر الإجتماعية ما يمكن وصفها بالجائحة لسوء وقعها وشين تأثيرها فخلالها يتشابه الناس حيث الوعي الواحد و الإدراك الواحد و التصرف الواحد والحكم الواحد، أو بالأحرى الإعياء والجهل و التبلد و التيأس المشترك حيث لا يحصد المختلف معهم إلا السوء منهم، فيظل حبيس عقله أو نزيل معتقلهم.
فرق ابن خلدون بين علم العمران(الإجتماع) وعلم السياسة، واصفا حديثه فى مقدمته… أن علمه بعيد عن الخطابة ولا هو من السياسة في شيء، إذ أن السياسة المدنية حسب قوله”تدبير المنزل أو المدينة بما يجب، أو بمقتضى الأخلاق والحكمة ليُحمل فيه الجمهور على منهاج يحفظ النوع ويضمن بقاءه”، بوصف آخر يرى ابن خلدون أن السياسة أخلاق وحكمة ضرورة لبقاء النوع، فمن تلك الزاوية نجد الواقع الإنساني العربي بعيد كل البعد عن معالم النوع التي يقصدها ابن خلدون والأصعب إدراكا من زاوية واقعنا الفوضوي هو أن السياسة لدى صاحب المقدمة منهاج أي طريقة وطريق من أجل التعايش المشترك، وهل هذا ما تم؟، وان عدنا لموضوع الإختلاف بين علم الإجتماع وعلم السياسة كما حده ابن خلدون إذ أشبهه بالإختلاف ما بين(الوصف والسرد)، فالوصف هو الصورة القائمة، والسرد هو الحديث المعبر عن دراسة تلك الصورة، والإرتباط القائم لا يعزز الإندماج فيما بينهما، بل السياسة كسرد ولغة خطابية لابد أن تعبر عن الوصف الذي هو إجتماع البشر، علم الإجتماع علم وصفي يدرس الظواهر، والسياسة علم خطابة وبت وتوجيه، وقد أنكر ابن خلدون محاولة الدمج بتأكيده الفارق الكبير بين العلمين في العالم العربي الواحد، ذلك لإمكانية الخداع الكامن في السياسة وليس ذلك فحسب بل بإشارات عديدة وصف إبن خلدون تأثير التوجيه السياسي الفاسد على العمران البشري بالسلب والإنتكاس، منها أن فساد الحاكم مؤذن بخراب العمران، وأن المغلوب مولع بتقليد الغالب، وإن كان عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الخضرمي يعاين من حضرته موقعنا الآن لقال فينا، أن المغلوب مولع بتقلد توجيه الحاكم بأمر المستعمر ، حيث الإدعاء ان الفقر والعوز والحاجة ضرورة لبناء الأوطان ونشر التنمية و العمران ولمقت شعار الأمن أولا ولمقت صورة الترف المبالغ فيه على النقيض في الشرق العربي، فالقطيعة الأبستومولوجية تتلخص بين الشرق والغرب العربي في المظهر بين عالمين أحدهما في القاع يزعن والآخر في عنان السماء يهوي وتتلاشى تلك القطيعة عند التشارك في الإزعان لمستعمر ومهيمن مسيطر .
نظرية الكمون أو المركزية تدعي أن الشيء مركز نفسه، وهي جوهر السياسة العلمانية الغربية، اذ تعتبر الإنسان مركز الكون والتاريخ، إلا أن التاريخ في وصف ابن خلدون متدرج حيث كل حضارة لا تبدأ من الصفر بل تتطور على ما تتركه الحضارة السالفة لها، حيث العقل يدرك صعوبة واستحالة التخلى عن منجزاته السابقة وعدم بنائه عليها بمكاسب جديدة تجذر مكاسبه السابقة فتتحول لأصول ومراجع عند الحاجة للتصحيح أو البدأ في مسيرة أخرى، حتى العقل الغربي يدرك هذا فإذا تخلى عن تاريخه الإستعماري وانكره بشكل قطعي نافذ صار نفسه ضحية لنظرية الكمون الخادعة من ثم السقوط الحضاري، فالتاريخ الإستعماري يغذي الهيمنة الغير مباشرة بدوافع الإستمرار، لذا يقاوم وبشدة انماط التعايش المشترك والوصاية التراحميةداخله، ويشرذم أعداءه ليس للهيمنة فوقهم فحسب بل للحفاظ على خداعه داخليا، اذ انها نظرية سياسية بدرجة كبيرة ، تجعل الرجل يعتقد في نفسه الفردانية بينما هو مسلوب في اتجاه رجال مثله فردانين نحو سياسة إستهلاك جماعي، كأحرار بأوامر رأس المال ، من جهة ثانية ومن الطبيعي للإدراك أن يكون الفكر أكثر عقلانية في أوقات الإنحدار فيما يخص منطقتنا العربية حيث محك النجاة وضرورة البقاء، فالخبرات المتراكمة أساس الإنتاج، وطبيعة سياسية سوية تنتج بشر أصحاء نفسيا وإجتماعيا، قد تعتبر تلك الإفهامات مجرد سطور يقرأها عابث، سوف يتوافق معي هذا العابث أنه بيدق متحرك ضمن قطيع منقاد، فهو غير مؤمن بالحرية والعدالة والكرامة، ليس لأنه تعرف على تلك الأشباح بالنسبة له ورفضها ومقتها، بل لأنه خُوف منها، فرحب بغرابته كونه يريد ألما أقل أو حسب تعبير نيتشة، وكل إنسان غريب أو مختلف الأطوار يريد التواري والإختباء حتى يجد المساعدة والتوجيه، و شعور وجوب الإختباء لا يكون بديهيا
أو ضروريا إن كان المجتمع في غالبه مختلف عن الطبيعي فيما تقتضيه الحكمة من أجل بقاء النوع، حيث نعاين حرفيا قطعان موجهة إلى مراعٍ جدباء يكون فيها المنفلت عنهم خائن طبيعتهم الجديدة.






