علي الوردي:مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث- ولادةٌ مُجهَضة لأول مثقف ديني عراقي-عبدالجبار الرفاعي (ملف صوتي)

الفصل الأول
هذا العمل من إنتاج مؤسسة هنداوي، منشور برخصة المشاع الإبداعي CC BY 4.0.
(١) اللقاء الأول بفكر علي الوردي
بعضُ المدن تمكث في ضميرك، إن غادرتها فلن تغادرك، إن نسيتها فلن تنساك، إن تذكَّرتَها تُشعرك بأنها تتذكَّرك قبل تذكُّرك لها، تفرض حضورَها عليك وإن هجرتها. الشطرةُ جنوبَ العراق كانت أفضلَ مثالٍ لهذه المدن والبلدان المتنوعة التي تنقَّلتُ فيها. بدأتُ فيها أجملَ محطات حياتي، ظلت هذه المدينةُ حيةً مُلهمةً في ذاكرتي، لن تمحوَ الأيامُ مهما تقادمَت أثرَ ثلاث سنواتٍ عشتُها فيها، أحببتُ فيها نفسي وحياتي لأول مرة، بعد أن كنتُ أكره نفسي وأكره حياتي منذ طفولتي، إثر عذابات العيش المُوجِعة التي تجرَّعتُها بمرارة في طفولتي وفتوَّتي، أحببتُ: أهلها، ونهرها، وبيئتها، وثقافتها، وليلها ونهارها، والعيش فيها.
تعرَّفتُ في هذه المدينة على كتابات علي الوردي، قرأتُ الجزءَ الأولَ من كتاب «لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث»، سنة ١٩٧٠م، في مكتبتها العامة، وأنا تلميذٌ بدايةَ المرحلة الثانوية، جذَبني عقلُه النقدي، وطريقةُ تفكيره، وواقعيتُه، واهتمامُه بالمهمَّش والمهمَل واليومي في المجتمع، وأسلوبُه المُيسَّر، وذكاؤه في تفسير الظواهر المجتمعية، وبناء فهمٍ مختلفٍ لها، أدقَّ وأعمقَ مما هو شائعٌ في الفهم الشعبي الساذج.
لم أواصل مشواري مع الوردي لعدم عثوري على كتابٍ آخر له في المكتبة العامة، كنتُ أفتقر للمال الذي يمكِّنني من شراء الكتب. قرأتُه وأنا بعمر ١٥ سنة، ندمتُ لاحقًا لأني غادرتُ مدرسةَ الوردي العقلانية الواقعية، وإن عُدتُ لها بعد سنواتٍ قليلة. كتابات الوردي كان يمكن أن تثير عقلي، وتستفز تفكيري فتوقظه من سُباته، وتُوفِّر عليَّ سنواتٍ ضائعة في رُكام كتابات يتبلَّد فيها العقل، وتُغرقه في أحلامٍ مثالية، وأوهامٍ عبثية.
تنطلق النهضةُ بانطلاقة العقل وقدرته على تحطيم أغلاله، الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع هي ما يكفُل إيقاظ العقل، ويمنحُه القدرة على تفسير الأشياء والظواهر المتنوعة تفسيرًا علميًّا. عندما نبحث عن بداية انبثاق النهضة نجدُها وُلدَت بعد إيقاظ العقل وتشكُّله من جديد في ضوء الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة. حين استفاق العقل وُلدَت الاكتشافات والاختراعات وكلُّ المنعطفات العظمى في العلوم والمعارف والتكنولوجيا. لم تظهر فيزياءُ نيوتن وغيرُها من الاكتشافات في العلوم الطبيعية إلا بعد ظهور الفلسفة الحديثة.
كلُّ بدايةٍ للتجديد في عالَم الإسلام تتجاهلُ الدينَ تُخطِئُ الطريق. فهمُ الدين وكيفيةُ قراءة نصوصه من أهمِّ العوامل الفاعلة في تحوُّلات السياسة والاقتصاد والثقافة والعلاقات في حياة المجتمعات والأفراد. الدينُ هو الحبل السُّري الذي يتغذَّى منه تكوينُ الفرد، وتقاليدُ المجتمع وأعرافُه وقيمُه وهويتُه، والبنيةُ اللاشعورية للمجتمع.١ لم يهتمَّ أكثرُ من يكتبون عن الدين في بلادنا بالأثرِ الفاعل لاختلافِ طرق فهم الدين، وكيفيةِ قراءة نصوصه في تكوين الفرد والمجتمع، ولم يُسلَّط الضوءُ على دورِه في رفد اللاشعور الجمعي وترسيخه، وإنتاج المخيال الجمعي والسيطرة عليه، وأثرِه في تشكيل شخصية الفرد في طفولته، وتوجيهِ سلوكه وبناءِ مواقفه في مختلف مراحل حياته. قلَّما تحضر دراسةُ الدين وتمثلاتُه في الحياة الفردية والمجتمعية في الجامعات العراقية في ضوء المناهج العلمية الحديثة، يمكن أن يكون الدينُ ونصوصُه وتمثلاتُه موضوعًا خصبًا لدراساتٍ متنوعة في علوم الإنسان والمجتمع الحديثة في جامعاتنا. للأسف ما زال حضورُ الدين في الأكاديميا العراقية شحيحًا جدًّا، ينظر بعض الأكاديميين بسطحية إلى الدين وتمثلاته في حياة الفرد والمجتمع، ويحتمي آخرون من الخبراء ذوي التكوين الرصين بكتاباتٍ عن قضايا لا صلة لها بالواقع الذي يكابده الإنسان العراقي؛ حذرًا من أن يصطدم بالمجتمع والمؤسَّسة الدينية.
الوردي كاتبٌ يتقن مهارةً إنشائية ينفرد بها؛ فهو يكتب فهمًا سوسيولوجيًّا، وتفسيرًا أنثربولوجيًّا، وتحليلًا سيكولوجيًّا لمختلف الظواهر في المجتمع العراقي بأسلوبٍ شعبي مباشر؛ يفهمه كلُّ الناس، لما يسوقه من أمثال وقصص وفلكلور، بلغةٍ لا تخلو من تهكُّم وسخرية لاذعة أحيانًا، وكأنه حكواتي يتحدث في مقهًى قديم يُدمن روَّادُه الإصغاءَ لقصص الحكواتيين. لم أقرأ لعالمِ اجتماعٍ يكتب باللغة المتداولة في تخاطُب الناس ومحادثاتهم اليومية في مختلف القضايا كعلي الوردي؛ فهو لا يكف في كتاباته عن الإثارة والتحرُّش في تابوات مؤسَّسات الدين والعشيرة والسلطة. وتظهر مهارةُ الوردي في انتخاب عناوين كتبه، كأنها لافتاتٌ تحريضية، مثل: «وعَّاظ السلاطين»، و«أسطورة الأدب الرفيع»، و«مهزلة العقل البشري».
(٢) ولادة أول مثقَّف ديني نقدي عراقي
حاول علي الوردي أن يُقدِّم نفسَه نموذجًا لمثقَّف لم يعرفه المجتمعُ العراقي من قبلُ، وهو «المثقَّف الديني النقدي»، الذي خرج من سجون المجتمع والأيديولوجيات السياسية. مثقَّفٌ يتساءل ويفحص ويشكِّك في التابوات المعروفة، ويدرُس تجلياتِ الدين المتنوِّعة وتعبيراتِه المتضادة في المجتمع العراقي، من منظورِ علوم الإنسان والمجتمع الحديثة. كان الوردي يحظى بتبجيلٍ في الجامعة من الأساتذة والتلامذة، وكان محترمًا في مدينته، بفعل حضوره في المجتمع وشخصيته الساخرة، والتماعات وعيه المتوهِّجة. وبوصفه ابنَ مدينة الكاظمية المقدَّسة، وسليلَ عائلةٍ علوية معروفة، وهذه العوائل تحظى بتقديرٍ ومكانةٍ دينية خاصة عند الشيعة.
رؤيةُ الدين للعالَم وكيفيةُ قراءة نصوصه من أهمِّ العوامل الفاعلة في تحولات السياسة والاقتصاد والثقافة والعلاقات في كلِّ المجتمعات. ظل الدينُ مسكوتًا عنه في كتابات أغلب العراقيين من أكاديميين وأدباء ومثقفين، وكأن التفكير والبحث والحديث في الدين والتدين شأنٌ خاص بالمؤسسة الدينية ومعاهد التعليم الديني. كان علي الوردي الأكثرَ اهتمامًا بدراسة تمثُّلات الدين وتعبيراته في حياة المجتمع، مقارنةً بغيره من الأكاديميين والأدباء والمثقَّفين، الذين انشغل كثيرٌ منهم بدراسة موضوعاتٍ لا صلةَ لها بحياة الناس اليومية وآلامهم، غير أن اهتمامَ الوردي بالدين لم يتخذ موقعَه الذي يتناسب مع أثرِ الدين العميق في حياة الناس والتحكُّم بمصائرهم.
انفرد علي الوردي بكونه أولَ متخصص في العلوم الإنسانية من جيله يقتحم دراسةَ الظواهر الدينية بشجاعة، ويفسرها في ضوء تخصصِه وخبرتِه في المجتمع. الوردي يمتلك تكوينًا أكاديميًّا جادًّا في علم الاجتماع، ولديه خبرةٌ واسعةٌ بثقافة المجتمع العراقي وتقاليده وأعرافه وفلكلوره، وتاريخه في القرنَين الأخيرَين. وذلك ما يعكسه كتابُه: «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» وغيره من أعماله. بدأ علي الوردي حياتَه العلمية بالكتابة عن الإسلام في رسالته للماجستير، المقدَّمة في جامعة تكساس ١٩٤٦م، بعنوان: «سوسيولوجيا الإسلام»،٢ وواصل البحثَ في الدكتوراه عن ابن خلدون. وتحوَّل «وعَّاظ السلاطين»، الذي نشره سنة ١٩٥٤م، في بغداد، إلى أحد عناوين الضَّجة الثقافية في وقته، وتباينَت ردودُ الفعل بشأنه؛ ففي حين استأثر باهتمام قُراء كثيرين وإعجابهم، استَفزَّ بعضَ رجال الدين فكتبوا يناقشونه ويتهمونه. لفت هذا الكتابُ نظرَ القُرَّاء لظهور نوعٍ من النقد الديني الجريء بلغةٍ مختلفة وأفكارٍ جديدة، نقدٍ لم تألفه الثقافةُ العراقية قبل الوردي، حتى صار الكتابُ سببًا لانطلاقِ شهرة الوردي وانقسامِ مواقف الناس حوله.
كان «وعَّاظ السلاطين»، صوتًا غريبًا في مجتمعٍ يسوده تدينٌ تقليدي، وتتحكم في سلوكِه ومواقفِه قيمٌ عشائريةٌ راسخة، ويهيمن على توجيهِه وإدارة شئون حياتِه شيوخُ عشائر أغلبُهم أميون، ووعَّاظ ورجال دينٍ أكثرُهم لا يمتلكون تكوينًا تراثيًّا رصينًا يحيل إلى عصرِ ازدهار الميراث العقلاني والإنساني في الإسلام، ويكرِّرون مواعظَ تحكي عصرَ انغلاقِ العقل في الإسلام وسُباتِه، ويسوقونها كحقائقَ دينيةٍ أبدية.
لحظةَ صدور «وعَّاظ السلاطين» كان النظامُ السياسي في العراق هشًّا، يتمثل في حكومةٍ قلقةٍ سريعةِ التغيير،٣ تنهشها أحزابٌ سياسيةٌ فتيَّةٌ مُراهِقة، وكانت النخبةُ الناشئة منقسمةَ الولاءِ بين يسارٍ أمميٍّ مهووسٍ بطُوبى الشيوعية، ووعودِها الخَلاصية الخلَّابة ﺑ «وطن حر وشعب سعيد»، ويسارٍ قومي مسكون بطوبى الوحدةِ العربية، ومخدوعٍ برومانسيةِ أدبياتِ البعث المبسطة، ومفتونٍ بشعاراتِ جمال عبد الناصر المثالية، وأبواقهِ الإعلامية الصاخبة،٤ البارعة في إذكاءِ الغرائز العدوانية، وإيقادِ المشاعر المنفَعلة، وإسكاتِ صوتِ العقل الهادئ. المتمرِّسةِ في تجييشِ الجماهير وتهييجِها، وزجِّها في معاركَ موهومةٍ لا نهايةَ لها.
لم يكن «وعَّاظ السلاطين» كتابًا يشبه غيرَه من الكتب، كان بمثابةِ «مانِيفِسْتُو» وُلِد في غيرِ موعده، وأُعلن عن حضورِه في غير أجله؛ إذ صدرَ في بيئةٍ لا توفر الحدَّ الأدنى من الشروط الضرورية لغرسِه واستنباتِ مفاهيمه. أثار «وعَّاظ السلاطين» أسئلةً ممنوعة، واخترق فضاءً ظلَّ يكرِّر مواعظَ مملةً سنواتٍ طويلة، وتجاوز خطوطًا حمراء في الثقافة الدينية التقليدية، وتندَّر بقيمٍ وأعرافٍ عشائرية مكرَّسة، وفضَحَ قناعاتٍ جاهزة، وأعادَ النظرَ ببداهاتٍ راسخة، ولم يتواطأ مع أحلام وشعارات النُّخب اليسارية بمختلف أطيافها وأسمائها.
لم يلجأ مؤلفُه علي الوردي للتمويه، واللعبِ على الكلمات، وقولِ نصف الحقيقة، أو التخفي خلفَ مجازاتِ الكلمات، وكناياتِ العبارات. كان يخاطب الناسَ بلغتهم المحكية، ولم يوظِّف ألفاظًا غيرَ متداولة في علاقاتهم ومعاملاتهم، أو يلجأ لمفرداتٍ غير مستعمَلة في محادثاتهم اليومية، مثلما يفعل بعضُ الكُتَّاب الذين ينسجون نصوصَهم من كلماتٍ غريبة وربما ميِّتة يلتقطونها من معاجم اللغة، فتفتقد الكلماتُ قدرتَها على إيقاظ المعنى لدى المتلقي، بوصفها تفتقرُ للتدفق العفوي.
وُلدَت بذرةُ «المثقَّف الديني النقدي» العراقي بولادة «وعَّاظ السلاطين» لعلي الوردي، وغذَّاها ببعض الأفكار في أعماله الأخرى، غير أن هذه البذرة وُلدَت ولادةً مجهَضة. المثقَّف الذي أبصرَت نَواتُه النورَ في أعمال الوردي، لم يكتمل تشكُّلُ هذا النوع من المثقَّف حتى اليوم في الثقافة العراقية، بفعل افتقار المجتمع العراقي للشروط الضرورية لولادته وتكوُّنه. لبثَت تتعثَّر محاولات تكوُّنه سنواتٍ طويلة، وإن كنا نقرأ اليوم كتاباتٍ عراقية تتسلح بعقلانيةٍ نقدية، تؤشِّر لبدايات تكوُّن مثقَّفٍ ديني نقدي.
انصرَف الوردي تدريجيًّا عن الكتابة في الموضوع، واهتم بدراسة وتحليل قضايا مجتمعية لا تتصل مباشرةً بالدين. بعد أن أجهضَت ولادةَ هذا النوع من المثقَّف القيمُ التقليدية الراسخة في العشيرة، ونمطُ التديُّن الكلامي الفقهي الذي تُنتِجه معاهدُ التعليم الديني. لم يجد التفكير الديني النقدي للوردي بيئةً وسط النخبة العراقية للتفاعل معه، ولم يكن المجتمع مستعدًّا للإنصات إليه. في هذا المجتمع لم يجد المثقَّف الديني النقدي الشروطَ الضرورية لتكوينه وتطوره. كان المجتمع العراقي وما زال ينتمي للماضي أكثرَ من الحاضر، وللتراث أكثرَ من الحداثة، وللقبيلة أكثرَ من الدولة، وللخرافة أكثرَ من العقل، وللتفسير الأسطوري للظواهر الطبيعية أكثرَ من التفسير العلمي، ولنداء الموت أكثرَ من الحياة. لو وُلِد كتابُ «وعَّاظ السلاطين» في مجتمعٍ يُنصِت إليه لكان صيحةً مدوِّيةً تفرض حضورَها في الإعلام والثقافة والتربية والتعليم، وتفتح نافذةَ ضوء لإعادةِ النظر في المفاهيم والقيم والتقاليد السائدة المُكبِّلة للفهم، وإيقاظِ العقول لتبدأ بتفكيكها وهدمها، كي يباشر المجتمعُ الالتحاقَ بالعصر في سياق متطلَّبات الواقع ومنطق العلوم والمعارف الحديثة.





