علي الوردي:مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث- ولادةٌ مُجهَضة لأول مثقف ديني عراقي-عبدالجبار الرفاعي (ملف صوتي)
(٣) روافد تشكُّل المثقَّف الديني النقدي
روافدُ تشكُّل هذا النوع من المثقَّف مركبةٌ مزدوجة، تعتمد نمطَين من التكوين؛ تكوينًا تراثيًّا أولًا؛ إذ لا مثقَّف دينيًّا بلا درايةٍ علمية بالتراث الديني. وتكوينًا حديثًا ثانيًا؛ إذ لا مثقَّف دينيًّا بلا خبرةٍ جادةٍ بالفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة. يعتمد تشكُّلُ المثقَّف الديني النقدي على البيئة الحاضنة بمختلف مكوِّناتها، وأهمها: وجود «مجتمع معرفة»؛ فلن يتشكَّل هذا المثقَّف ما لم يتشكَّل مجتمعُ المعرفة، الذي يمثِّل البنية التحتية لتكوُّنه. في «مجتمع المعرفة» يسود وعيٌ نقدي ينطوي على عدمِ الارتياب من العلوم والمعارف الحديثة، وعدمِ تحريم الأسئلة الكبرى، وعدمِ منع التفكير الحر، وعدمِ تعطيل العقل الخلَّاق الذي يقتحمُ المناطقَ الممنوعةَ في التفكير، والذي يتخطَّى مدَياتِ السقف المتعارَف عليه في المجتمع للرأي والتساؤل الجديد.
المثقَّف الديني النقدي يتخذ العقلَ مرجعية، ولا يتردَّد في النقد العلمي لمختلف المسلَّمات والمفاهيم المتجذِّرة والقناعات الراسخة. لا يخيفه اللايقينُ والشك، يُعلي من قيمة العلم والتعليم، لا يؤجل التفكيرَ بأية قضية راهنة، ولا تُثنيه أيةُ ذريعةٍ عن فتح أرشيفات التاريخ المطمورة، ودراسة ما هو منسي ومهمَّش ومتكتَّم عليه فيها، والإعلان عن محتوياتها وغربلَتها مهما كانت. وعي المثقَّف الديني النقدي يفضح المسكوتَ عنه في التراث، ويكتشف أنساقَه المضمَرة، وأشكالَ السلطات السياسية والروحية وشبكاتِ المصالح المتنوعة، وآثارها في تكوين التراث وتكريسه واستمراريته، ويعرف مواطنَ القصور في دين الآباء، وعجزَه عن الإصغاء لإيقاع الحياة الجديدة.
يتميز هذا المثقَّف باستيعابه للتراث، وخبرتِه براهنِ الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، واهتمامِه بدراسةِ الدين وأشكالِ تعبيراته المختلفةِ في الحياة، وتحليله العلمي لتمثُّلاته في الحياة الشخصية والاجتماعية. إنه مثقفٌ قادر على تقديمِ فهمٍ نقدي للتراث، فهم لا يتحدث فيه الماضي للحاضر، ولا تترسخ فيه سطوةُ الآباء على الأبناء.
المثقَّف الديني النقدي ليس مرادفًا للمتكلم القديم أو الفقيه، ولا بديلًا عنهما، بل يمكن أن يكون هذا النوعُ من المثقَّف أحيانًا متكلمًا جديدًا، وفقيهًا مجدِّدًا. المثقَّف هذا مفكرٌ حرٌّ، وليس مبشرًا أو داعيةً أو مناضلًا أو فدائيًّا. مؤمنٌ برسالة الدين الروحية والأخلاقية والجمالية، ذو عقلٍ حر، لا تأسِرُه المعتقَداتُ المغلَقة، وليس مسكونًا بأدلجة الدين. يحرصُ على فهمِ ونقدِ ما يتفشَّى في مجتمعاتنا اليوم من قراءةٍ مغلَقة للنصوص الدينية، كما يعمل على نقضِ القراءة الفاشية المتوحِّشة لهذه النصوص. يسعى لاكتشاف القيم الروحية والأخلاقية والجمالية في القرآن الكريم، وما تتضمنه النصوصُ والمعارف الدينية من آثارٍ ذات مغزًى كوني، وبصماتٍ مضيئةٍ في الحضارة الإسلامية، يهتم بالكشف عن القيَم السامية، والتشديد على ضرورة حضورها في حياة المسلمين الخاصة والعامة.
لا ترتهن عقيدةَ هذا المثقَّف مقولاتُ متكلِّمي الفرق، وما تدعو إليه من نبذٍ للمختلِف في العقيدة والبراءة منه. لا يرى هذا المثقَّف ما تراه كلُّ فرقة من احتكار النجاة لمن ينتمي إليها خاصة، ولا تأسِرُ حياتَه فتاوى لا تعترف بتساوي حقوقه وحرياته مع حقوق وحريات الشركاء في الوطن المختلِفين في المعتقَد، ولا تهدرُ حاجتَه للجمال فتاوى لا تكترث بالذوق الفني، وتُحرِّم تذوُّقَ تجليات الجمال في العالَم. يعرفُ أن تلك المقولات والفتاوى اجتهاداتٌ وتأويلاتٌ للنص الديني تنتمي للزمان والمكان والأفق التاريخي الذي أسهم بإنتاج مقولات المتكلم وفتاوى الفقيه، وليست نصوصًا ترقى إلى القرآن الكريم.
علي الوردي يمتلك تكوينًا أكاديميًّا جادًّا في علم الاجتماع، ولديه خبرةٌ واسعةٌ بثقافة المجتمع العراقي وتقاليده وأعرافه وفلكلوره، وتاريخه في القرنَين الأخيرَين، غير أنه كان يفتقر لتكوينٍ مماثل في الفلسفة، وعلم الكلام، وأصول الفقه، والفقه، والتفسير، والحديث، والتصوف، وغيرها من علوم الدين التراثية. كانت أحكامُه تتموضع في تمثُّلات الدين المجتمعية والفردية، وقلَّما تُلامِس البنيةَ التحتية والأنساقَ الاعتقادية العميقة؛ بوصفها المنابعَ الأساسيةَ التي تبتني عليها وتتغذَّى منها تلك التمثُّلات.
رؤيةُ الدين للعالَم وكيفيةُ قراءة نصوصه فرضها في الإسلامِ علمُ الكلام التقليدي، وما صنعَته الأنساقُ الراسخةُ لمقولات الأشعري الاعتقادية، ومختلفُ معتقدات متكلمي الفِرق. كان لهذه الرؤية الكلامية للعالَم تأثيرٌ بالغٌ في انحطاطِ مجتمعات عالَم الإسلام، وتعطيلِ الاجتهاد والتجديد في الدين. الوردي بوصفه عالمَ اجتماعٍ كان ماهرًا في الكشف عن عناصرَ أساسيةٍ مكوِّنة لشخصية الفرد والمجتمع العراقي، غير أن بحثَه لم يتوغل في الحفر ليصل إلى البِنى الدينية والأنساقِ الاعتقادية المترسخة في اللاوعي الجمعي، وأثرِها في رؤية العراقي للعالَم، وطريقةِ فهمه للمعاد، وتأثيرِ ذلك على سلوكه في المعاش.
يمكن التماس العذر للوردي؛ لأن الكشفَ عن تلك البِنى الدينية والأنساق الاعتقادية الغاطسة في اللاشعور الجمعي يتطلب خبرةً تخصصيةً في علوم الدين وعلم الكلام خاصة، ومعرفةً واسعةً بالتراث ومسالكه المتشعبة، مضافتَين إلى خبرة في علوم الإنسان والمجتمع. وذلك حقلٌ لم يكن علي الوردي متمرسًا فيه، وهكذا أغلب أمثاله من الأكاديميين المتخصصين في علوم الإنسان والمجتمع.
المثقَّف الديني النقدي خبيرٌ بالتراث ومسالكه المتنوعة، متشبعٌ بمُناخاته، حفَّارٌ لطبقاته العميقة، متوغلٌ في مدَياته القصية. يفترض أن يكون مكوَّنًا تكوينًا جادًّا في العلوم والمعارف الحديثة، يقرأ التراثَ والنصوصَ الدينية بمناهج التأويل وهذه العلوم والمعارف، من دون وجلٍ ولا ارتيابٍ ولا قلق. يمارس هذا المثقَّف الاستيعابَ النقدي للتراث، والعلوم والمعارف، دون أن يستسلم للتراث، ولا يتقبل أية نظريةٍ جديدةٍ من دون أن يتعرَّف عليها، ويتحقَّق علميًّا منها. يتمسَّك بحرية البحث العلمي، لا يمنع أيَّ تساؤلٍ عقلي، لا يرى فهمَه نهائيًّا، لا يسقط في القراءة الإسقاطية، ولا يعتقد أن قراءتَه وتفسيره للنصوص الدينية هما القراءة والتفسير الأخير.
كتابات المثقَّف الديني النقدي تفتح الأسئلةَ المغلَقة، لن تقدِّم إجاباتٍ نهائية لكلِّ سؤال. إنه ليس متكلمًا قديمًا يُنتج مقولاتٍ اعتقاديةً مغلَقة، مَن يعتقد بها ينجو ويُكتب له الخلاص في الدنيا والآخرة، ومَن لا يعتقد بها يكون من الهالكين. المثقَّف الديني النقدي غيورٌ على الحياة العقلية للناس، يحرص على إيقاظ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين. تنشُد رسالتُه: إيقاظَ العقل، وإحياءَ الروح، وإثراءَ الأخلاق، وتربيةَ الذوق الفني. يعمل على حماية العقل من أن تستهلكه الخرافات، والروح من أن يستنزفها تقديسُ غير المقدَّس، وأن تستلبَها عبوديةُ الآلهة الزائفة، وما تُفضي إليه من أوهام وتشوُّهات في رؤية العالَم، ويحرص على الكشف عن رسالة الدين الحقيقية، بوصفه نظامًا لإنتاج معنًى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة.
يهتم المثقَّف الديني النقدي ببناء تديُّن عقلاني، يُعلِن حدودَ ما هو دنيوي وما هو ديني، ويرسم المجالَ الخاص بكلٍّ منهما، ويُعرِّف بالمجالاتِ التي يتحقق فيها الدنيوي، والمجالاتِ التي يتحقق فيها الديني. يهتم هذا المثقَّف بالسعي لبناء تديُّن أخلاقي، مقابل ما يتفشى من تديُّن شكلي زائف.
همومُ المثقَّف الديني النقدي ترمي إلى بناءِ الإيمان وتمتينِه، لا تبديده وتهديمه، والعملِ على حمايةِ الأجيال الجديدة من القلق والتمزُّق والعبثية والضياع، وفقدانهم لمعنى الحياة. يهمُّه تكريسُ الحياة الروحية، وتنميةُ الحياة الأخلاقية، بوصفها تجربةً للحياة يعيشها، وتجربةً للحقيقة يتذوَّقها. يفترض أن يعيش حياةً روحية وأخلاقية يجسدها فعلُه قبل قوله، وإلا فلن يكون لكلامه أثرٌ عمليٌّ ما لم يكن سلوكُه مرآةً للقيم التي يتحدث عنها.
المثقَّفُ الديني لا مرجعيةَ له خارجَ دين القيم الروحية والأخلاقية والجمالية، لا ترتهن عقيدتَه مقولاتُ متكلمي الفِرق، وما تدعو إليه من نبذٍ للمختلف في العقيدة والبراءة منه، ولا يرى هذا المثقَّفُ ما تراه كلُّ فرقة باحتكارها للنجاة لمن ينتمي إليها خاصة، ولا تأسِر حياتَه فتاوى لا تعترف بتساوي حقوقه وحرياته مع حقوق وحريات الشركاء في الوطن المختلفين في المعتقَد، ولا تُهدر حاجتَه للجمال فتاوى لا تكترث بالذوق الفني، وتُحرِّم تذوُّق تجليات الجمال في العالَم؛ لأنه يعرف جيدًا أن تلك المقولات والفتاوى اجتهاداتٌ وتأويلاتٌ للنص الديني تنتمي للزمان والمكان والمتكلم والفقيه الذي أنتجَها، وليست نصوصًا ترتقي إلى مكانة المقدَّس.
(٤) نقاش حول المثقَّف الديني النقدي
بعد نشر مقالتي: «ولادة مجهَضة لبذرة مثقَّف ديني عراقي»، في صحيفة الصباح الصادرة ببغداد، في ١٢ كانون أول (ديسمبر) ٢٠٢٠م، التي كانت محاولةً أوليةً للكشف عن شيءٍ من توصيفِ هذا المفهوم وفهمِه، وبيانِ ملامح هُويته وحدودها، والسياق الذي يمكن أن يتشكَّل فيه، بادَر بعضُ الأصدقاء ممن قرءوا المقالَ مشكورين في إثراء النقاش حول مفهوم «المثقَّف الديني النقدي»، وأثار قراءُ آخرون أسئلةً إنكارية حول إمكان تحقُّق مصداقٍ واقعي لهذا المفهوم. أسعدَني النقاشُ والأسئلة، النقاشُ يغربل الأفكارَ ويمحِّصها وينقِّحها ويعمِّقها، النقدُ العلمي والنقاشُ المنطقي ضربٌ من الاهتمامِ بالأفكار والاحتفاءِ بها وتكريمِ صاحبها.
في المكتبة كتاباتٌ متنوعة عن «المثقف» عربية ومعرَّبة، وبحدود مطالعاتي لم أعثر على كتاباتٍ حاولَت تحديدَ مفهوم «المثقَّف الديني النقد» وتشكُّله في مجتمعنا، وكيفية ولادة هذا المفهوم كبذرة في وطننا، منتصف القرن الماضي، وكيف أن هذه البذرةَ سرعان ما أُجهضَت، فماتت قبل استنباتها ونُموِّها في المجتمع العراقي. لا أريد أن أخوضَ في التعريف اللغوي والاصطلاحي لكلمة «المثقَّف»؛ فذلك خارج غرضي. القول في هذا الموضوع لا يخرج عن الأقوال الكثيرة المتنوعة، عندما كتبتُ كلمةَ «مثقَّف» في google، عند كتابة هذا النقاش، كان عدَّادُه يحصي حوالي ٧٩٩٠٠٠٠ نتيجة بالعربية فقط. أما كلمة cultured الإنجليزية فأخبرني محركُ البحث أنها جاءت في حوالي ٩١٦٠٠٠٠٠ نتيجة، لحظةَ الكتابة.
مفهومُ «المثقف» غامضٌ مشوَّش في العراق. ومفهومُ «المثقف الديني» أشدُّ غموضًا؛ لأنه قلَّما يجري استعمالُه، ونادرًا ما نقرأ كتابات عنه. كلُّ النقاشات والأسئلة حول مقالتي المُشار إليها تمحورَت حول إمكان اجتماع «مثقَّف»، و«مؤمن»، أو «متدين»، أنكر بعضُ الأصدقاء اجتماعَ هاتَين الصفتَين المتضادتَين لدى إنسانٍ واحد؛ لأنه يرى أن إحداهما تنفي الأخرى؛ لذلك شدَّد على أن: «مَن يكون مثقفًا لن يكون مؤمنًا، ومن يكون مؤمنًا لن يكون مثقفًا»، كان يشير لذلك كمسلَّمة، وكأنها واحدةٌ من اليقينيات الراسخة في الثقافة العراقية. يسارع كثيرون لنفي صفة الثقافة عن المؤمن، يفترضون التضادَّ بين الإيمان والثقافة؛ بنحوٍ صارت كأنها بداهةٌ لا تتطلب برهانًا، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وأمسى لكلٍّ من: المثقف المتدين فضاؤه الفكري وحياته الثقافية، والمثقف غير المتدين فضاؤه الفكري وحياته الثقافية، وتمدَّد الفضاءُ الثاني ليبتلع كلَّ شيءٍ يتصل بالثقافة، فأضحى مفهومُ المثقَّف لا يصدُق إلا على غير المتدين. تسيُّد هذا التقليدِ في الثقافة العراقية يعود إلى مجموعةٍ من العوامل المختلفة، من أهمها:
- (١) «مركزية الشعر في الثقافة العراقية» الحديثة، الذي دعمَه الدورُ الطليعي للعراق في تدشين الحداثة الشعرية، بولادة الشعر الحر في أربعينيات القرن الماضي، في قصائد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وغيرهما؛ ما عزَّز اختزالَ الثقافة بالأدب خاصة، والمثقَّف بالشاعر. كلُّ مَن يحلُم أن يكون مثقفًا ينبغي أن يكون شاعرًا أولًا، وقبل كلِّ شيء، واتسع فضاءُ الكتابة الشعرية لمن لا يمتلكون موهبةً، وأغوى الأذكياء الذين يمتلكون مواهبَ في غير الشعر، ممن تَعِدُ مواهبُهم بولادة مثقَّفٍ كبير، لو شاءوا أن يتكوَّنوا تكوينًا علميًّا صبورًا.
- (٢) الحضورُ المهيمن لليسار الأممي والقومي على الحياة الثقافية في العراق منذ منتصف القرن العشرين، ومواقفُ بعض الكتَّاب الاستئصالية المتسرِّعة حيال الدين والحياة الروحية والشعائر والفرائض الدينية، إلى الحدِّ الذي تقرأ فيه للبعض مواقفَ تذهب إلى: «أن كلَّ ما هو ديني ليس عقليًّا، وكلَّ ما هو عقلي ليس دينيًّا.»
- (٣) القطيعةُ بين الحوزات ومعاهد العلوم الدينية من جهة، والجامعات من جهةٍ أخرى، وهي قطيعةٌ فرضتها عواملُ مجتمعية ودينية، وسياساتُ الأنظمة الحاكمة، وفرضها الوضعَ الخاص لهذه المؤسَّسات، وحذرُها من الانفتاح على منتديات الثقافة والآداب والفنون في المجتمع، وشيوعُ فتاوى تُكرِّس هذه القطيعة؛ مثل: حرمة الفنون السمعية والبصرية، وحرمة كتب الضلال. وإن كانت بعض المبادرات الرائدة في الحوزة تستحق التبجيل، مثل المبادرة الشجاعة للشيخ محمد رضا المظفر بتأسيس منتدى النشر وكلية الفقه لاحقًا، وانفتاح الكلية على نخبة من أساتذة الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في جامعة بغداد، بغَض النظر عن هويتهم الاعتقادية وحياتهم الدينية. كان يحدِّثني الصديق هاني فحص عن أساتذته الزائرين من جامعة بغداد، الذين تأثَّر بهم يوم كان تلميذًا في كلية الفقه، قبل أكثر من نصف قرن، كان هو ومجموعةٌ من زملائه العراقيين واللبنانيين في حوزة النجف، مثل محمد حسن الأمين، ومصطفى جمال الدين، وغيرهما، ممن اهتمُّوا بالثقافة والأدب الحديث، وانفتَحوا على الفضاء الثقافي والأدبي خارج الحوزة.
- (٤) تجربةُ الجماعات الدينية المريرة في السلطة بعد ٢٠٠٣م، وفشلُها في الوفاء بوعودها الرومانسية، وإخفاقُها في بناء الدولة الحديثة ومؤسَّساتها، وغيابُها كليًّا عن المشهد الثقافي الفاعل والمؤثِّر، وما يَحفِل به من إصداراتٍ وفعالياتٍ ومواسمَ أدبية وثقافية متنوِّعة.
- (٥) كثافةُ الحضور العنيف للفصائل المقاتلة سنيَّة وشيعيَّة، وسطوتُها على المدن والأحياء الشعبية، خاصةً بعد ٢٠١٤م، واستيلاءُ داعش على مساحةٍ شاسعة من أرض الوطن. السلطة السياسية والفصائل تتحدث باسم الدين، وتتخذه غطاءً لمشروعيتها وتبرير سلوكها في إدارة الحكومة، والاستئثار بالسلطة والثروة، وممارسة العنف غير المشروع خارج الدولة. كلُّ ذلك وغيرُه من عوامل مباشرة أو غير مباشرة عَمِل على تكريس قناعة بأن الثقافة والمثقَّف لا علاقة لهما بالإيمان والدين والتديُّن.
في ضوء تعريفي للدين بوصفه «حياةً في أفق المعنى؛ تفرضُه الحاجةُ لإنتاج معنًى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة»، لا أرى تضادًّا بين أن تكون متدينًا ومثقفًا. وهذا ليس ممكنًا فقط، بل يتحقَّق مصداقُه على الدوام في كلِّ الأديان بمختلف المجتمعات والأزمنة. يبتني مصطلحُ «المثقَّف الديني النقدي» على رؤيةٍ لا تجد مفارقةً أو تضادًّا بين أن يجتمع العقلُ النقدي، مع الإيمانِ باللهِ ووحيِه ورسولِه «ص»، وقيمِ الدين الروحية والأخلاقية والجمالية. وذلك ما يتحدَّث عنه الواقعُ والتاريخ؛ إذ لا يمكن لخبيرٍ بتاريخ الفلسفة وعلم الكلام وعلوم الدين أن ينفيَ عقلانيةَ وإيمانَ وتديُّنَ متكلمي المعتزلة وغيرهم، وفلاسفةٍ مسلمين؛ وذلك ما تتحدَّث عنه حياتُهم الخاصة وآثارُهم؛ فقد اجتمع لدى هؤلاء الفلاسفة والمتكلمين العقلُ النقدي مع الإيمان والتدين. لسنا في مقام إحصاء واستقراء المؤمنين وأصحاب التجارب الروحية المشرقة من مفكري الإسلام أمس واليوم.
لا يمكن لأي خبيرٍ تجاهلُ البصيرةِ الإيمانية لمحمد إقبال، وبصمةِ الفكر الفلسفي واللاهوتي والعرفاني العميق في تكوينه، ودعوتِه لإعادة بناء الفكر الديني في الإسلام في ضوء رؤيةٍ جديدة. وكانت دروسُ وأعمال محمد عبده العقلانية النقدية بدايةً لدخول الثقافة في مصر عصرَها التنويري المتدفق كالشلال، عبْر تلامذته المباشرين وتلامذة مدرسته، مثل مصطفى عبد الرازق، وعلي عبد الرازق، ومحمد عبد الله دراز، وأمين الخولي، وطه حسين … والعشرات غيرهم. وكانت لأعمالِ محمد حسين الطباطبائي ودروسه الفلسفية وغيرِها بصمتُها المضيئة، في الحياة العقلية والثقافية في إيران، في الحوزات وخارجها. كتابُه «الميزان في تفسير القرآن الكريم»، الذي ألَّفه في ٢٠ مجلدًا، تفسيرٌ يتضمن مباحثَ متنوعة، يحضُر فيها العقلُ النقدي للطباطبائي، وتتكشَّف ثقافتُه الخصبة الموسوعية. وهكذا يعكس تفسير «التحرير والتنوير» للشيخ محمد الطاهر بن عاشور بصيرةً تراثيةً دقيقة، وثقافةً موسوعيةً حديثة، وعقلانيةً نقديةً شجاعة.
كنت أذهبُ لزيارة الشهيد محمد باقر الصدر في حوزة النجف باستمرار، في سبعينيات القرن الماضي، أسأله بمختلف أسئلة الدين والحياة، كان يتدفق تفكيره كالشلال بعقلٍ تحليلي نقدي، يفصح عن ثقافته الثرية المتنوعة. تحدث الصدرُ أكثر من مرة عن قراءاته لمؤلَّفاتٍ حديثة من عدة مجلدات خارج حقل التراث، وهو يشير إلى أنه كان يطالعها من الغِلاف إلى الغِلاف، وكان يستحضر شيئًا من مفاهيمها وأفكار مؤلِّفيها في سياق أحاديثه. إن لم يصدُق على: محمد عبده، ومحمد إقبال، والطاهر بن عاشور، وأمين الخولي، والطباطبائي، والصدر، وأسماء عديدة غيرهم، مفهومُ «مثقَّف ديني نقدي» فمَن هو هذا المثقَّف!
(٥) المثقَّف النقدي والمثقَّف العضوي
على الرغم من أنَّ النقدَ الاجتماعي احتلَّ مساحةً واسعة في كتابات علي الوردي، لكن كثافة حضور الظواهر الدينية والطقوس والشعائر في المجتمع العراقي دعَتْه لأن يهتم بها في كتاباته بشكلٍ خاص. لم يتجاهل الوردي نقدَ تعبيرات الدين المتنوعة، وتحليلَ آثارِه الاجتماعية والنفسية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ومختلفِ آثاره في العلاقات داخل العائلة والمحلَّة والعشيرة والمجتمع.
في ضوء التمييز بين المثقَّف النقدي والمثقَّف العضوي يمكن وضعُ كتابات الوردي في سياق العقلانية النقدية المشغولة باكتشافِ العالَم أولًا، اكتشافِه خارج أسوار الأيديولوجيا المغلَقة على نفسها. أكثرُ مواقف المثقَّف النقدي معرفيةٌ، وأكثرُ مواقف المثقَّف العضوي معياريةٌ. الموقفُ المعرفي غيرُ الموقف المعياري. الموقفُ المعرفي مهمتُه الأساسية تفسير وإيضاح وفهم ظاهرة معيَّنة، ومحاولة اكتشافها كما هي، بحدود ما يصل إليه العقلُ وما تكتشفه العلومُ والمعارفُ البشرية. مهمةُ الموقفِ المعياري هي تحديدُ موقفٍ بالقبول أو الرفض حيالَ ظاهرة، تفرضُه عقيدة أو أيديولوجيا في سياق نمط رؤيتها للعالَم ووعيها للواقع. الموقفُ المعرفي يعبِّر عن الحقيقة من حيث هي بوصفها حقيقة، أما الموقف المعياري فيعبِّر عن الموقف المطلوب أن يُتخَذ من الواقع.
المثقَّفُ العضوي مثقَّفٌ مهموم بتغيير العالَم، واتخاذ موقف من الواقع، غالبًا يفرض عليه موقفُه المسبق الحكم قبل اكتشاف الواقع، وقبل تحليل نسيج المصالح المتضادة والعناصر المعقَّدة المكوِّنة له. يثق هذا المثقَّفُ بالأيديولوجيا التي يعتنقها، من دون مراجعةٍ نقدية وتبصُّر وتأمُّل، ويعمل على أن يكونَ الكلُّ كما هو، إن اقتنع بفكرة أو شعار يريد الكلَّ يردده معه. يتزمَّت تجاه أية معتقداتٍ مغايرة، ولا يقبل من الغير إلا أن يكون نسخةً مكررة له.
مفهومُ المثقَّف العضوي يتناغم والأيديولوجيات النضالية خاصَّة اليسارية، التي اختزلَت مفهومَ المثقَّف، فأصبح مبشرًا وواعظًا، في إطار منظورٍ أيديولوجي للعالم، يعكس موقفًا طبقيًّا نضاليًّا، يعبِّر عن هموم طبقة معينة. وظيفةُ المثقَّف وفقًا لهذا المفهوم هي وظيفةُ المبشِّر في الأديان، ليس مهمًّا لديه اتخاذُ العقل مرجعية، والتفكير العلمي منطلقًا لمواقفه وأحكامه. رسالتُه في الحياة تتلخص في أن يكون صوتًا يصرُخ بشعاراتٍ أبدية في إطار الموقف الذي تفرضه الأيديولوجيا التي يعتنقها.
هذا المثقَّف مسكونٌ بالتبشير بالأيديولوجيا، لا يرى سواها، بوصفها وصفةَ خلاص لكلِّ عذاب الإنسان وشقائه في الأرض. وفقًا لمعتقده يمكن أن تُصيِّر هذه الأيديولوجيا كلَّ ظلامٍ نورًا، وكلَّ ظلمٍ عدلًا، وكلَّ بؤسٍ سعادة. لا ينظر لما تتضمنه هذه الأيديولوجيا من رفضٍ لكلِّ رؤيةٍ مختلفة للعالَم، وفهمٍ مغاير للواقع المعقَّد وكيفية تغييره، وانتهاكٍ للحريات والحقوق الشخصية، وعنفٍ دموي لحظةَ الاستحواذ على السلطة.
لفَرْط شغَفه بالتغيير يمارس أحيانًا هذا المثقَّفُ مهمةَ مفتِّش العقائد والقاضي. ظهر في القرن العشرين هذا النوعُ بين أكثر مثقَّفي الثورة البلشفية في روسيا، والثورة الثقافية في الصين، وكثيرٍ من مثقَّفي اليسار الثوري في العالَم العربي، الذين انحازوا لأنظمةٍ شمولية، أسكتَت كلَّ صوتٍ لا يكون صدًى لشعاراتها، وأباحت لنفسها ارتكابَ مجازرَ شنيعة، بذريعة القضاء على مناهضي الثورة من الرجعيين.
تواطأ بعضُ المثقفين مع أنظمةٍ يساريةٍ أممية وقومية، ضحَّت بالكائن البشري من أجل أيديولوجيا لا ترى الفردَ إلا بوصفه جزءًا منصهرًا في ماكنة عملاقة هي الدولة. هذه الأنظمة أهدرَت الكرامةَ البشرية، وصادرَت أبسطَ حريات الإنسان، واستباحت حقوقَه. مؤسِّسُ النظام الشيوعي في الصين ماو تسي تونغ قتل الملايين، زمنَ السلم لا الحرب في ثورته الثقافية. جوزيف ستالين قتل الملايين أيضًا. الجنرال بول بوت قتل ربعَ شعبه عندما استولت حركةُ الخمير الحُمْر التي يقودها على السلطة في كمبوديا. لم تكن ممارساتُ الأنظمة الثورية اليسارية والقومية والأصولية في بلادنا أرحمَ، ولا أقلَّ استبدادًا وعنفًا من ذلك التوحُّش، بعد استحواذها على السلطة، واتخاذ المواطنين رهائن.
المثقَّف ليس قاضيًا أو مفتِّش عقائد، المثقَّف ليس مبشرًا ولا واعظًا. مهمةُ المثقَّف الفهمُ والتحليلُ والنقدُ والتمحيص، باعتماد العقل المتحرِّر من كلِّ إطارٍ أيديولوجي. المثقَّف ينشغل بتفسير العالَم واكتشاف الواقع المركَّب. لا تُحجِّر على عقله وتستلب وعيَه الأيديولوجياتُ مهما كانت شعاراتُها عاطفيةً عاصفة. يتحرَّر المثقَّفُ من رؤية العالَم بمنظورٍ أُحادي، ويجرؤ على النقد والاحتجاج والإدانة، إنه مثقفٌ تشغله الأسئلةُ قبل الأجوبة، مثقفٌ يتغلَّب على سجون المجتمع، فيعمل على مساءلةِ الوثوقيات، وزعزعةِ القناعات الراسخة، وتمحيصِ الموروث وغربلته، واختبارِ ما تعلنه المعتقداتُ من شعارات تدَّعي إسعادَ الناس، واختبار مصداقية الشعارات في ضوء تحقُّقها في الواقع، والقدرة على تجسيدها في أفعال وسلوك ومواقف عملية ترعى الناس وتهتمُّ باحتياجاتهم.
حاول علي الوردي أن يقدِّم نفسَه نموذجًا لمثقَّف لم يعرفه المجتمعُ العراقي من قبل، هو «المثقَّف النقدي»، مثقفٌ يفكر ويتحدث خارج أكثر القيم السائدة، والأيديولوجيات السياسية المغلَقة، ورومانسيات المثقَّفين الشائعة. مثقَّفٌ يتساءل ويفحص ويشكِّك في التابوات المعروفة، يدرس تجلياتِ الدين المتنوعة وتعبيراتِه المختلفة في المجتمع العراقي، مثقفٌ تنعكس في كتاباته عقلانيةٌ نقدية، تعتمد علومَ الإنسان والمجتمع الحديثة في تفسير الظواهر الاجتماعية، وتحاول اكتشافَ شيءٍ من العوامل الخفية لها، في ضوء تخصُّصه في علم الاجتماع. سبق علي الوردي وعاصره مثقَّفون عراقيون كانوا يتساءلون ويفحصون ويشكِّكون في التابوات المعروفة؛ مثل: جميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، وعلي الشرقي، وجعفر الخليلي، وغيرهم. الوردي تميز عن الكل بدراسته ونقده وتحليله للتابوات وللظواهر الدينية في المجتمع من منظور علوم الإنسان والمجتمع الحديثة، استطاع الوردي بذكاءٍ الإفادة من تخصُّصه في علم الاجتماع، وتوظيفه في تفسير تمثلات الدين والتراث في المجتمع العراقي.
لم يدخل علي الوردي في معركة مع الله، ولم يتنكَّر لحاجة الإنسان للدين، لكنه دخل في معركةٍ مع الصور التي يرسمها «وعَّاظ السلاطين» لله، وتنكَّر لمفاهيم دينية متحجِّرة، ورفض فلكلورًا مبتذلًا يتلبس بأقنعةِ الدين، وفضح تمثلاتٍ مجتمعية للدين تُهدر مضمونَه الروحاني والأخلاقي والجمالي، وكشف أنماطَ تدينٍ تنتهي إلى تدجين الكائن البشري على الخضوع والانقياد بلا تعقل. تجعل الإنسان يعيش صراعًا بين متطلبات طبيعته البشرية، وما تفرضه عليه عملية التدجين، فتُصاب شخصيتُه بازدواجية، وفي بعض الحالات تُصاب بشيزوفرينيا مرَضية.
الحديثُ عن «المثقَّف العضوي» و«المثقَّف النقدي» غيرُ حاضر في أعمال الوردي، غير أنه أشار إلى مضمونهما بوضوح في كتاباته، في سياق تمييزِه بين وظيفة الباحث ووظيفة الداعية، وكشفِه عن الاختلاف والبَوْن الشاسع بينهما؛ فهو يقول مثلًا: «ينبغي أن نميِّزَ بينَ وظيفةِ الداعيةِ ووظيفةِ الباحثِ في الحياة؛ فالداعيةُ هو الذي يتمسكُ بعقيدةٍ من العقائد — دينية أو سياسية — ويدعو الناسَ إليها؛ ولذا فهو مضطرٌّ أن ينظرَ في أحداثِ التاريخِ نظرةً تقييمية، حسبَ معيارِ العقيدةِ التي يدعو إليها. أما الباحث فالمفروض فيه أن يدرسَ أحداثَ التاريخ، دون أن تكونَ لهُ أي فكرةٍ مسبقةٍ تحددُ موقفه منها، وإذا كانت لديهِ مثل هذه الفكرة تحوَّل من كونهِ باحثًا إلى كونه داعيةً.»٥ ويسخرُ الوردي من أولئك المثقَّفين المتحذلقين الذين يمارسون مهمة الوعَّاظ بقوله: «الوعَّاظ المتفرنجون لا يقلون عن المعمَّمين في ولَعهم بالنصائح الفارغة؛ فلا يكاد أحدٌ يذهبُ إلى بلادِ الغرب إلا ويرجعُ وقد انتفخَت أوداجهُ غرورًا وتحذلقًا، ويأخذ عند ذلك في تمجيد سجايا الغربيين وسُمو أخلاقهم، ثم ينظرُ إلى مَن حوله من البؤساءِ فيرمقهم بنظرة احتقارٍ ويقول: ما لكم لا تتخلَّقون بأخلاقهم؟ يفتخر المعمَّمون بأخلاقِ السلفِ الصالح، ويفتخر المتفرنجون بأخلاقِ الغربيين. وهم جميعًا يريدون أن يضعوا أمام الناسِ غايةً لا تُنال إلا على سبيلِ الإلهاءِ والترويع.»٦
المثقَّفُ مهمته تفسيرُ العالَم لا تغييره. المثقَّف العقلاني الحر ليس نبيًّا أو مبشِّرًا أو داعيةً أو فدائيًّا، صورةُ المثقَّف ليست واقعيةً في أكثر الشعارات الرومانسية المنفعلة لليسار الأممي والقومي والديني. المثقَّفُ أعزل، لا يمتلك منبرًا، ولا جريدة، ولا نفوذًا بوصفه شيخًا لعشيرة أو أميرًا لجماعة أو زعيمًا. المثقَّفُ في مجتمعاتنا لا تحميه أحزابٌ سياسية، ولا مؤسَّساتٌ، ولا سلطاتٌ سياسية أو روحية أو مجتمعية. للمثقَّف الحقُّ كأيِّ إنسانٍ أن يعيشَ حرًّا كما يعيشُ كلُّ الناس، ويختار الطريقةَ التي يكتبُ فيها.





