علي الوردي:مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث- ولادةٌ مُجهَضة لأول مثقف ديني عراقي-عبدالجبار الرفاعي (ملف صوتي)
(١٢) شجاعة الوردي بالاعتراف بأخطائه
كان الوردي الأكثرَ جرأة من كلِّ الذين قرأتُ لهم من الكُتَّاب العراقيين، والعرب أيضًا، بإعلانه عن أن كتاباتِه تتضمَّن أخطاء، وأنها لم تبلُغ كمالها في أية لحظة؛ لأنها في حالة تطورٍ متواصل، وأنه يغيِّرها بناءً على تبدُّل المعطيات المتاحة في البحث العلمي، ونضجِ تكوينه المعرفي، وتراكمِ خبراته في تفسير الواقع، وتوظيفِ منهجه وأدواته في دراسته وتحليله، وتفكيكِ العوامل المنتجة للظاهرة الاجتماعية، والسعي للكشف عن جذورها ومختلف منابع تغذيتها.
أعرف أن الإعلان عن هذا الموقف يمثل استثناءً في مجتمعنا، الناسُ يمتدحونك دائمًا عندما يجدون أفكارَك ومعتقداتِك هي ذاتها لن تتغيَّر أبدًا، وينفرون منك عندما يجدون أفكارَك ومعتقداتِك تغيَّرَت. يتنكَّرون لأي تحوُّل في رؤيتك؛ في ضوء نضج عقلك، وتطور وعيك، وتراكم معلوماتك وخبراتك، واكتشافاتك لذاتك والعالَم من حولك. لا ينظر الناسُ إلى نُبل أخلاقك وتهذيبها، ولا يكترثون بإنسانيتك، وما يسود سلوكَك من قيَمٍ فاضلة. ليس المهم أن تتكرَّس أخلاقك وتتجلَّى بصدق، المهم عندهم أن يلبث تفكيرُك كما هو، مهما تعلَّمتَ وقرأتَ وعشتَ في بيئات مختلفة، وتنقَّلَت حياتُك في مجتمعاتٍ متنوعة، لا تتطابق فيها المعتقداتُ والأفكارُ والبشرُ والأشياء.
في أول زيارةٍ للوطن شهر «حزيران» ٢٠٠٣م، بعد غياب نحو ربع قرن في المنفى، التقيتُ بعد عودتي بأصدقاء، من الذين مكثوا مرابطين في العراق، كانوا يسألون كثيرًا في الدين أسئلةً متنوعة، فوجئوا بجوابي عن شيء من أسئلتهم، قائلين بأنها لا تتطابق مع ما كنتُ أقوله لهم سنوات السبعينيات من القرن الماضي. قلتُ لهم: هذا علامةُ سلامةٍ عقلية، العقلُ الذي يواصل إثارةَ الأسئلة العميقة، ومراجعةَ القناعات الراسخة، ومُساءلةَ ما يقرأ ويتعلم، هو عقلٌ يقظ. الإنسانُ الطبيعي يختلف عن الصخرة، الصخرةُ قارَّةٌ ساكنة تلبث كما هي لا تتغيَّر، الإنسانُ كائنٌ حقيقته التحوُّل والصيرورة والتجدُّد. كلُّ كائنٍ حيٍّ ينمو ويتجدَّد، من لا يتجدَّد يموت. التكامل علامةُ الحيوية، وهو تعبيرٌ وجودي عن إصغاء الإنسان لإيقاع التحولات والمتغيِّرات المتدفِّقة كالشلال في الواقع، كلُّ مكاسب العقل الحديث، والتطور العلمي والتكنولوجي، تحقَّق بفعل التفكير العقلاني النقدي، الذي يتسلَّح بمساءلةِ الوثوقيات وغربلَتها وتمحيصِها.
الباحثون من الجيل الجديد مدعوُّون إلى تعلُّمِ أخلاقيات الاعتراف بالخطأ في البحث العلمي من الوردي، والإفادةِ من مقدرته الفذَّة في كشف ثغرات أفكاره، وإعلانِه عن تحوُّلات آرائه في سياق ما تفرضُه عليه المعطياتُ الجديدةُ من نتائج. يُعلن الوردي عن شعوره بالندم على روحِ الحماسِ والإثارةِ التي يراها القارئ في شيءٍ مما كتبه في كتابه الشهير «وعَّاظ السلاطين»، الذي كان أحد عناوين الضجة في وقته. بعد مضي نحو ٣٠ عامًا على صدور هذا الكتاب يعلن الوردي ندمَه على تأليفه، فيقول: «إنَ كتابَ وعَّاظِ السلاطين صدرَ عامُ ١٩٥٤م، وإني الآن أشعرُ بالندمِ على تأليفهِ، ومن الممكنِ القول: إنهُ حصلَ على أهميةٍ أكبرَ مما يستحقُّ، إن هذا الكتاب هو من جملةِ المؤلفاتِ التي صدرَت في العهدِ الملكي، وهو إذن يختلفُ في أسلوبهِ ومنهجِه عن الكتبِ التي صدرَت بعد ١٤ تموز ١٩٥٨م؛ حيثُ تغلب عليه روحُ الحماسِ والإثارة، وقد كان الواجبُ عليَّ أن ابتعدَ عن ذلك جهدَ إمكاني؛ لأن النهجَ العلمي يُوجِبُ على صاحبِه أن يكون موضوعيًّا يذكرُ المحاسنَ والمساوئ بلا مبالغة أو مغالاة.»٣٤
(١٣) المتغيِّر والثابت في فكر الوردي
على الرغم من تصريحات علي الوردي الجسورة في أكثر من مناسبة، وتشديده على: «أن ما كتبتُه بالأمس لا يصلح اليوم، كما أن ما أكتبه اليوم قد لا يصلح غدًا.» لكن لا نقرأ تغييرًا لافتًا في رؤية الوردي للعالَم، ولا في منهجه في البحث العلمي، ولا في أدواته، ولا في معظم المعطيات المستخدمة لديه؛ فعندما نراجع أعماله الصادرة في خمسينيات القرن الماضي لا نرى فيها اختلافًا نوعيًّا عن أعماله المتأخرة. كلُّ خبيرٍ يعرف أن آفاق البحث في علم الاجتماع اتسعَت في القرن العشرين ونضجَت بشكلٍ واسع، أضحت أعمق وأثرى وأدق، لكنها لم تنعكس على أعمال الوردي اللاحقة. أظنه لم يطَّلع عليها بشكلٍ تفصيلي ولم تسمح له ظروفه في العراق بمواكبة المعطَيات الجديدة في هذا العلم، بعد مناقشته للدكتوراه في علم الاجتماع بجامعة تكساس في الولايات المتحدة سنة ١٩٥٠م. بمراجعة أعمال الوردي لا نعثر على تغييرٍ لافتٍ لأسس تفكيره ومنهجه، وأدواته التفسيرية، ومقولاته المعروفة. حتى لغة الوردي ومعجمه في الكتابة قلَّما يتغيَّر، لا يجد القارئ تحديثًا لافتًا في لغته وأسلوب تعبيره وكلماته ومصطلحاته المستعملة في الكتابة، ولم تكشف لنا كتاباته اللاحقة عن لائحة أخطاءٍ واضحة أشارت إليها أكثر من مرةٍ كتاباته، ووصفَتْها بأنها ليست قليلة.
رأيتُ مفكرين غير الوردي كانت المرحلةُ اللاحقة في فكرهم تتجاوز رؤيتهم السابقة، وأحيانًا تقطع معها كليًّا. مثل: عبد الجواد ياسين، مؤلف: «مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة»٣٥ الذي استنسخ في كتابه هذا رؤية محمد قطب في «جاهلية القرن العشرين»، بعد مدةٍ قليلة غادر المؤلف هذا النوع من التفكير، وكرَّس مؤلَّفاته اللاحقة لتفكيك مقولة الجاهلية المعاصرة وأمثالها من مقولات سيد قطب وشقيقه الأصغر محمد قطب. داريوش شايغان تحرَّك وعيه في ثلاث محطات حسب كتاباته. مصطفى ملكيان أعلن أنه انتقل عبْر خمس محطات في رحلته الفكرية، صارت اللاحقة منها تتجاوز السابقة. وهكذا غيرهم من المفكرين في الغرب والشرق.
وجدتُ منهج الوردي يتمرَّد أحيانًا على صاحبه؛ إذ يتحوَّل من التفسير والتحليل الذي يتمسك بتاريخية المعتقَد والأفكار والمفاهيم إلى منطقٍ معياري يستعير مجموعةَ أحكامٍ قيِّمة تتعالى على التاريخ، وهو ما وقع فيه علي شريعتي بتمييزِه الحاسم بين «تشيُّع علوي» و«تشيُّع صفوي»، ودعوتِه لاستئناف اللحظة العلوية وتحيينها اليوم كما كانت عليه في عصرها. تهمل مثل هذه الدعوة الواقع المتغيِّر، والبيئة، والثقافة، واختلاف معطيات تشكُّل الواقع باختلاف العصور. عمليةُ استئناف واقعٍ مضى كما هو عمليةٌ لا تاريخية؛ ذلك أنها تسلَخ اللحظةَ التدشينية عن تموضُعها في زمانها ومكانها، وسياقاتها المتنوعة، والواقع الذي تشكَّلَت فيه، وصيرورتها التاريخية. إن استدعاءَ ما كان كما كان ضربٌ من الحلم، كأننا نحلم بأن يلبث ماضينا على الدوام يُكرِّر حاضرنا ومستقبلنا.
كلُّ عصر هو ضربٌ من ظهور الوجود، وحضورٌ لكينونة الكائن البشري بنمط وجودٍ مختلف، وفقًا لهايدغر. الانتقال من عصرٍ إلى آخر إنما هو انكشافٌ جديد للوجود، وحضورٌ آخر لكينونة الإنسان في العالَم، لا يمكن تكرارُ الظهور واستئنافُ الحضورِ ذاتِه من عصرٍ سابق إلى لاحق. في ضوء هذا الفهم لا يُمكِننا أيضًا أن نقرأ النصوصَ المؤسِّسة في الأديان قراءةً تزامنية، تستأنف معناها لحظةَ نزولها كما هو. تلقِّي المعنى محكوم بذات المتلقي والأفق التاريخي، والزمان والواقع ومعطياته.
(١٤) شخصية الفرد والمجتمع العراقي في فكر الوردي
أكثرُ أعمال الوردي تستقي نماذجَها من شخصيةِ الفرد والمجتمع العراقي، تدرسُ الظواهرَ المتفشيةَ في السلوك، لا تُغفِل تسليطَ الضوء على المواقفِ الشاذَّة، لا تُهمِل الممارساتِ المستهجنةَ والمنبوذة، تحاول تفسيرها. تهتمُّ أعماله أيضًا برصد ما تُعلِن عنه وتُضمِره تقاليدُ البيوتات البغدادية، وبروتوكولات الطبقة الأرستقراطية، فيتكشَّف في كتاباتِه ما تنطوي عليه هذه التقاليدُ والبروتوكولات من ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.
لا يترفَّع الوردي عن الجلوسِ في المقاهي الشعبية، ومعاشرةِ الفُقراء الذين يمارسون أعمالًا خِدْمية في الأسواق. يتعرَّف على ثقافتِهم، يهتمُّ بعاداتِهم وأعرافِهم التي تفرضُها مهنُهم وطريقةُ عيشهم، يتفحَّص أنماطَ علاقاتهم الاجتماعية، والتقاليدَ والقيمَ المتحكِّمة في حياتهم. يترفَّع الإقطاعيون والوجهاءُ والتجارُ ورجالُ الدولة وأساتذةُ الجامعة والموظَّفون الكبار عن الجلوسِ في المقاهي الشعبية ذلك الوقت، وارتيادِ تجمُّعات ذوي المهن الخدمية. الوردي لا يكترثُ بذلك، يجلسُ حيث يجلس العامة، يحضُر مقاهيَهم، يرتادُ مجالسَهم، لا يُشعِرهم بتفوُّقه عليهم، ولا يستنكفُ من اتخاذهم أصدقاء. أسلوبُه التهكُّمي وشخصيتُه المباشرةُ غيرُ المفتعَلة، سرعان ما ينجذب إليهما ويحبُّهما مَن يُعاشره من الناس. يشعُر المهمَّشون لحظةَ يجلسون معه بالانشدادِ إليه، والرغبةِ في البَوْح بتفاصيل يومياتهم، والحديثِ عن تجاربهم الحياتية المتنوعة أمامه. كانت حكاياتُهم وأمثالُهم وطرائفُهم منجمًا زوَّده بالمزيدِ من المعلومات والطرائف والمكائد والأمثال الضرورية لفهم شخصية الفرد والمجتمع العراقي. علي الوردي سوسيولوجيٌّ يقِظٌ، دقيقُ الملاحظة، لا يُهمِل ما يصفه غيرُه بالهامشيِّ والعابرِ والحقيرِ والمُنْحَطِّ والخَسِيس والأحْمَق والضَّئيل. يحرصُ على التقاطِ دلالاتِ الظاهرة مهما كانت تافهة، يكشف عمَّا لا تبوح به مضمَراتُها، وما لا تقوله كلماتُها.
مسقطُ رأسه مدينةُ الكاظمية الدينية ببغداد، وهي تقع بموازاة مسكنه في الأعظمية. تضمُّ الكاظميةُ مرقدَ الإمامَين موسى بنِ جعفر وحفيدِه محمد الجواد، تضم الأعظميةُ مرقدَ الإمام أبي حنيفة النعمان بنِ ثابت الملقَّب بالأعظم. المدنُ الدينية بطبيعتها منجمٌ بالغُ الثراء للمعاني والدلالات والرموز، وهي موضوعٌ شديد الأهمية للباحث في علوم الإنسان والمجتمع. هذه المدن تحتفي على مدار السنة بطقوسِ الزيارة وشعائرها، ومجالسِ العزاء، واحتفالاتِ المواليد، وتستقبل كلَّ يومٍ زائرين من مختلف المجتمعات والثقافات في العالَم. تبحث الأشياءُ في هذه المدن عن بصمةٍ دينية، نرى تلك البصمةَ ترتسم في هُويةِ المدينة وأنماطِ العمارة والأزياء والأسواق، ومختلفِ وسائل العيش المادية، تؤشِّر إليها المعاني الرمزية، وتبُوح بها القيمُ الثقافية.
تنوَّعَت خبرةُ الوردي الميدانية في دراسة المجتمع، وتعمَّق فهمُه للشخصية العراقية، وهو يعيشُ في فضاءِ تنوعٍ مذهبي، بين الكاظمية الشيعية والأعظمية السنية. ظلَّت مدينةُ الكاظمية مُلهِمةً لعلي الوردي في كلِّ أعماله، انعكسَت في كتاباته أمثالٌ وحكاياتٌ وقصصٌ وطرائفُ ونوادرُ مستقاةٌ من حياة الناس فيها، واهتمامِه بمناسباتها الدينية والاجتماعية، وارتيادِه لمقاهيها وأسواقها ومنتدياتها، وزياراتِه للمرقد المقدَّس للكاظمَين.
يعيب عليه نقَّادُه هذا النوعَ من البحث الاجتماعي الذي يخلو من الاستبياناتِ الميدانية والإحصاءاتِ وجداولِ الاستطلاعات المباشرة؛ إذ كان يتخذ من حكايات الناس في المقاهي مادةً له، ويستند إلى أحاديث العامة وأمثالهم في تفسيره للظواهر، حتى وصَفَه البعضُ ﺑ «مثقَّف المقاهي»، وغير ذلك. لم يكن ذلك نقصًا في كتاباته، بل كانت ميزةً اتصفَت بها. هذه الأماكن ومرتادوها منجمٌ للباحث المحترف، مثلما تميَّزَت رواياتُ نجيب محفوظ بذلك.
على الرغم من أن الوردي يفسِّر كلَّ شيء في حياة الإنسان بما يفرضه عليه نمطُ الثقافة، والمحيط المجتمعي، والظروف المتنوعة، التي يعيشها منذ ولادته إلى آخر يوم في حياته. الإنسان كما يراه الوردي كائنٌ تصنع حياتَه ومآلاتِه الظروفُ المحيطة به، والاختلافُ بين الأشخاص والمجتمعات يعود إلى الاختلاف في ثقافاتهم وبيئاتهم وأحوالهم، وعمليةُ التغييرِ الاجتماعي والتحولاتِ التي تحدُث في تاريخ أي مجتمع تنشأ عن التحوُّل في تلك العوامل، إلا أن الوردي في تفسيره لشخصيةِ الفرد والمجتمع العراقي والظواهرِ الملازمة لها، والعناصرِ المولِّدةِ لهذه الشخصية، نجده ينطلق من مسلَّماتٍ كلية يلخِّصُها في: «صراع البداوة والحضارة، ازدواج الشخصية، التناشُز الاجتماعي.» ينظر إلى هذه المسلَّمات بوصفها ثوابتَ مزمنةً تكرِّر سطوتَها على الدوام، تُعيد إنتاجَ شخصيةَ الفرد والمجتمع ذاتَها منذ العصر العثماني حتى اليوم. وهذا ضربٌ من الفهم يتورَّط في النظر للإنسان وكأنه ساكن والتغيير الاجتماعي متوقف. كأن الظروف والمعطَيات المعاشية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية أبدية. إن عدم تحوُّل الظروف والثقافة والمعطَيات المتنوِّعة في الحياة، وتعطُّل صيرورة المجتمع الدائمة، هو فهمٌ لا يتطابق مع ما يشدِّد عليه ويستند إليه الوردي، الذي يرى عدمَ استمرار الظروف والمعطَيات والوقائع في كلِّ عصر؛ إذ يقول: «المجتمع ذو طبيعةٍ حركية، والحركة أصيلةٌ فيه، فهو في صيرورة دائمة.» إن كان كلُّ شيء في المجتمع يتطور، وكلُّ شيء في المجتمع يتغيَّر، لا يُمكِننا جعل معادلات: «صراع البداوة والحضارة، ازدواج الشخصية، التناشز الاجتماعي» مزمنة، خارج اختلاف الأحوال والوقائع والمعطَيات المتنوِّعة للعلوم والتكنولوجيات الجديدة، والعوامل الاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية المرئية والمُستترة. مفاهيم الدولة والمدينة والمحلة والطائفة والعشيرة والبداوة شهدَت تحوُّلاتٍ متنوعة، وفقًا لتنوُّع المجتمعات والدول والحضارات، وأُعيد تشكلها وتنوَّعَت مصاديقُها في مختلف العصور.
(١٥) يفهم الوردي المجتمع في أفق رؤية ابن خلدون
القارئ الذي يُواكبُ المسارَ التاريخي لكتابات الوردي يراه يكرِّر مسلَّماته الكلية: «صراع البداوة والحضارة، ازدواج الشخصية، التناشز الاجتماعي»، ونماذج وأمثلة لتطبيقاتها على الفرد والمجتمع العراقي. هذه المسلَّماتُ أنتجَتها ظروفٌ وعواملُ متغيِّرة، وتشكَّلَت كمعطياتٍ لواقعٍ تاريخي فرضَها، عندما يتبدَّل ذلك الواقع يفترض أن تتبدَّل المسلَّمات المعبِّرة عنه. ويغضُّ الوردي النظرَ عن عواملَ أخرى فاعلةٍ ومؤثِّرة في تكوين شخصية الفرد والمجتمع العراقي.
منذ أول محاضرة ألقاها في «قاعة الملكة عالية» سنة ١٩٥١م، وصدرَت في كرَّاسٍ ببغداد في السنة ذاتها بعنوان: «شخصية الفرد العراقي»، أعاد الوردي هذه المسلَّماتِ الكلية الراسخة، واعتمدَها بوصفها أدواتٍ تفسيريةً لما يحدُث في حياة الفرد والمجتمع، في كتابه: «دراسة في طبيعة المجتمع العراق»،٣٦ الذي صدَر بعد ٢٠ عامًا من ذلك التاريخ. ولم أقرأ تحوُّلًا لافتًا في فكرِه في حواراتٍ متأخرةٍ معه؛ حوارٍ في مجلةِ الأقلام سنة ١٩٨٣م، وحوارٍ متأخرٍ معه أجراه جليل العطية في مجلةِ العربي الكويتية سنة ١٩٨٨م، وحوارٍ أعدَّه وقدَّم له سعد البزاز في عمان، انتخب المحرر الإجابات نصوصًا مستقاةً من أعمال الوردي، ونُشِر بعنوان: «في الطبيعة البشرية: محاولة في فهم ما جرى»، سنة ١٩٩٦م.
أكثرُ كتابات الوردي عن المجتمع العراقي تدور في أفقِ رؤية ابن خلدون للمجتمع، وتفسيرِه للصراع بين البداوة والحضارة، وآراء ابن خلدون في بناء العمران وخرابه، ونشوءِ الدولة على العصبية وانهيارها بعد انفراط تلك العصبية. يقول الوردي: «وخلاصةُ رأيي في ابنْ خلدونْ، هوَ أنَ نظريتهُ التي مضى عليها نحوِ ستمائةِ سنةٍ ما زالت أفضلَ نظريةٍ لفهمِ المجتمعِ العربي.»٣٧
رؤيةُ ابن خلدون وتفسيرُه للتاريخ لم تتحرَّر كليًّا من الأنساق الاعتقادية العميقة الكامنة في البنية اللاشعورية لفكره. لا ينتمي تفسير ابن خلدون للحداثة بمضمونها الفلسفي ورؤيتها للعالَم، وإن كان يُصِر غيرُ واحدٍ من الباحثين على حداثة رؤية ابن خلدون. كشفَت عنه الباحثةُ التونسية الذكية ناجية الوريمي في كتابها: «حفريات في الخطاب الخلدوني»؛ عن خضوع عقل ابن خلدون لسلطة النص، وأوضحَت أن عقلَه فقهيٌّ لا فلسفي؛ إذ إن «خطاب ابن خلدون العمراني والتاريخي ينتظم في النسق المعرفي النصي، وصدور أهم إضافاته العمرانية عن عقلٍ فقهي، ارتقَى معه إلى درجة صياغة التصورات العامة الشاملة.»٣٨ ترى الباحثة أن عمل ابن خلدون في مجال التاريخ هو المرحلة الثالثة المكمِّلة لتسيُّد سلطة النص، أنجز الشافعي (ت٢٠٤ﻫ) المرحلة الأولى في القرن الثاني الهجري بتأسيسه لعلم أصول الفقه،٣٩ وفي القرن الرابع الهجري أكمل أبو الحسن الأشعري (ت٣٢٤ﻫ) المرحلةَ الثانيةَ في علم الكلام، عندما أخضع العقل لسلطة النص، وفي القرن الهجري الثامن أكمل المرحلة الثالثة ابن خلدون (ت٨٠٨ﻫ) بإخضاع التاريخ وعلم العمران إلى النص.
الوردي يمتلك تكوينًا أكاديميًّا جادًّا في علم الاجتماع، ولديه خبرةٌ واسعةٌ بثقافةِ المجتمعِ العراقيِّ وتقاليدِه وأعرافِه وفلكلورِه، وتاريخِه في القرنَين الأخيرَين، غير أنه كان يفتقر لتكوينٍ مماثلٍ في المنطق والفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه والفقه، وغيرها من علوم الدين، كانت أحكامُه تتموضع في تمثُّلات الدين المجتمعية والفردية، وقلَّما تُلامِس البنيةَ التحتية والأنساقَ الاعتقادية العميقة الغاطسة، بوصفها المنابعَ الأساسية التي تبتني عليها وتتغذَّى منها تلك التمثُّلات. كان لفهمِ الدين في سياق معتقدات علم الكلام التقليدي، وما صنعَتْه الأنساقُ الراسخة لمقولات الأشعري الاعتقادية، ومقولات متكلمي الفِرق الإسلامية، وخاصةً عقيدةَ الجبر، ونفي السببية كما نصَّت عقيدةُ الكسب الأشعرية، أثرٌ شديد في إعاقةِ الاجتهاد وتجديدِ فهم الدين، وانحطاطِ مجتمعات عالَم الإسلام.
الوردي لم يبحث في الأنساق الاعتقادية العميقة الكامنة في البِنى اللاشعورية للوعي الجمعي، وأثرِها الكبير في رؤية هذه الشخصية للعالَم، وفهمِها للمعاش والمعاد. يمكن التماسُ العذر للوردي هنا لأن الكشفَ عن تلك البِنى والأنساق الاعتقادية يتطلب خبرةً واسعةً في علم الكلام التقليدي، ومعرفةً علميةً بالتراث ومسالكه المتنوِّعة، وذلك حقلٌ لم يكن متمرسًا فيه الوردي وبعضُ المتخصِّصين في علوم الإنسان والمجتمع.
انشغلَت أعمال الوردي بالتفسير والتفكيك والنقد، ولم تنتقل إلى التركيبِ والبناء، ورسمِ خارطةِ طريقٍ واضحةٍ للخلاص. لم يهتمَّ بالأثر العميق لطريقةِ فهم الدين وتفسيرِ نصوصه في تكوين الشخصية، وتأثيرِه في تشكيل البِنى اللاشعورية للوعي وأثرِها في توجيه سلوك الإنسان ومواقفه. طريقةُ فهم الأفراد والمجتمعات للدينِ وتفسيرِ نصوصه من أهم العوامل الفاعلة في تحوُّلات الاقتصاد والثقافة والسياسة في المجتمعات الإسلامية عامة والمجتمع العراقي خاصة. كان الوردي ناقدًا جسورًا لتأثيرِ فهمِ الدين في التحجُّر، غير أن الدينَ لم يحضُر بوضوح في كتاباته بوصفه حافزًا فاعلًا في العمل والإنتاج، وعنصرًا في بناء التمدُّن وبناء الحضارات، كما نراه في تجربة نبي الاسلام ﷺ، وحضارة الإسلام. الدينُ يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا في الهدم، ويعود الاختلافُ في ذلك إلى الاختلاف في طريقةِ فهم الناس للدين، ونمطِ قراءتهم لنصوصه، وكيفيةِ تمثُّلهم له في حياتهم.٤٠ القُرَّاء في مجتمعنا ينجذبون للكاتب الذي يُصدِر الأحكام، ويقعون في أَسْر الكتابة الساخرة. الوردي كاتبٌ ساخر يُتقِن التندُّر، أحيانًا يتحوَّل عقلُه إلى عقلٍ وثوقي، يُصدِر أحكامًا نهائيَّة، كما في آرائه بالشخصية العراقية، وكأن العراقي استثناءٌ من البشر. مهمَّة عالم الاجتماع ليست إطلاق الأحكام والتعميم. التعميمُ غير دقيق في علوم الإنسان والمجتمع. هذه واحدةٌ من الثغرات العلمية في بعض كتابات الوردي، وإن كانت لديه أقل بكثير من غيره. إصدارُ الأحكام مهمة القاضي وليس الباحث، وظيفةُ الباحث تفسير العالم تفسيرًا علميًّا صحيحًا. تغيير العالم وظيفة الأنبياء والدعاة والمبشرين، وأصحاب الأيديولوجيات السياسية، وليست وظيفة الكُتَّاب.
(١٦) العراقي ليس استثناء
عند حديثه عن طبيعة الإنسان العراقي لا يهتمُّ الوردي كثيرًا بما تشترك فيه الطبيعةُ البشرية للإنسان العراقي مع أيِّ إنسان. البشرُ لا يتطابقون في كل شيء، الإنسانُ بطبيعته ليس روبوتًا، وليس كائنًا يتحكم فيه العقلُ فقط، دورُ العقل في قراراتِ الإنسان وصناعةِ مواقفه وسلوكه أقلُّ من دور المصالح والمشاعر والانفعالات والغرائز، وما هو مترسِّب في اللاوعي الفردي والجمعي. الوردي كأيِّ عالم اجتماع تنبَّه لذلك ونبَّه إليه في مواردَ متنوعة، لكنه لا يذهب إلى أعماق البشر، ولا ينشغل بالكشف عن شيءٍ من كينونتهم الوجودية العميقة، والتي هي أبعدُ من ظروف الإنسان المعيشية والثقافة الموروثة في بيئته. مرةً أخرى يُمكِننا التماسُ العذر للوردي؛ لأن الرؤيةَ التي تتخطى ثقافةَ الإنسان وأحوالَه الاجتماعية وظروفَه المعيشية، تتطلب تكوينًا فلسفيًّا يتوغل في أنطولوجيا الإنسان وكينونتِه الوجودية.
لا تخلو آثارُ الوردي من أحكامٍ سلبية يخصُّ بها العراقي، وربما قدحٍ وهجاءٍ وتندُّر بظواهر تطغى على سلوكِه وعلاقاتِه الاجتماعية وثقافتِه وطريقةِ تفكيره، وكأن الأفرادَ والمجتمعات الأخرى تخلو من تلك الظواهر. العراقي لا ينفرد بشخصيته وتاريخه وتحولاته عن غيره من البشر. تاريخُ العراقي ليس مستقلًّا عن تاريخِ البشرية، وطبيعةُ العراقي ليست استثناء من الطبيعة البشرية. العراقي ليس أفضل إنسان ولا أسوأ إنسان، العراقي ككل الناس محكومٌ بما يتحكم بحياة ومآلات البشر من عوامل طبيعية ومجتمعية ترسم مصائرَه مع أمثاله من الناس. تطورُ العلوم والمعارف والتكنولوجيا يؤثر على حياة الكل بدرجات ليست متطابقة. ينفرد العراقي بعوامل وأحوال ووقائع تخصُّه دون سواه، مثلما ينفرد غيرُه في مجتمعاتٍ أخرى بظروفٍ محلية خاصة. توصيفاتُ وأحكامُ الوردي الصارمة بالازدواجية والتناشز والفصام لا يختصُّ بها العراقي، يمكن تطبيقُها على أفرادٍ ومجتمعاتٍ محكومة بسياقاتٍ دينية وثقافية واجتماعية مماثلة لما يعيشه الفردُ والمجتمع العراقي. لو عاش إيُّ إنسانٍ ظروفَ العراقي وتجرَّع مرارات واقعه المفروض عليه يصير سلوكُه مشابهًا لسلوك العراقي. قلَّما رأيتُ مَن يعطي مجانًا في مجتمعاتٍ عرفتُها، رأيتُ بعضَ العراقيين يبادرون فيُفيضون محبتَهم ودعمَهم العاطفي وحتى أموالهم مجانًا.
عشتُ في عدة بلدان وعاشرتُ مجتمعاتٍ متنوعة، تلمَّستُ الازدواجية والتناشز والفصام والمراوغة والتمويه والخداع في سلوك الإنسان، وكان العيش في بعض المجتمعات ضنكًا تجرَّعَت مراراته، رأيتُ شخصيةَ الإنسان في بعضها أشد غموضًا وتركيبًا ووعورةً من الشخصية العراقية. هذه ليست حالاتٍ شاذة أو مختصة بفرد أو مجتمع. كلُّ إنسانٍ يحمل تناقضاتٍ في داخله، وفقًا للبنية السيكولوجية لشخصيته، ونمط تربيته، وعُقَده النفسية، ودرجة وعيه، وكيفية رؤيته لذاته وللعالَم. الطبيعة الإنسانية في غاية التركيب والتعقيد والعمق، يقول علي الوردي: «إن طبيعةَ البشر هي من أصعب المواضيع النفسية والاجتماعية، إن لم تكن أصعبها جميعًا، فهي موضوعٌ متشعبٌ ومعقَّد إلى أبعد الحدود، والواقعُ أني كلما توغلتُ في دراسته شعرتُ بأني لا أزال في أول الطريق، وكلما بحثتُ في جانبٍ منه ظهرَت لي جوانبُ أخرى تحتاج إلى بحث. ظهرَت في موضوع الطبيعة البشرية نظرياتٌ متعددة، ونُشرَت فيه دراسات لا تُحصى، وأعترف أني أشعر بالعجز تجاه تلك النظريات والدراسات؛ فهي في غاية الصعوبة، بل من المستحيل استيعابها كلِّها. أضِف إلى ذلك أنها قد تتعارض وتتناقض؛ ولهذا يقف الباحثُ حائرًا لا يعرف ماذا يأخذ منها وماذا يترك.»٤١
لا فرق بين العراقي وغيره في مجتمعاتٍ أخرى عشتُ فيها، الإنسان هو الإنسان، الفرد في تلك المجتمعات ربما يستطيع أن يتحكَّم بتناقضاته ويُخفي الكثير منها خلف أقنعةٍ يتقن حياكتها. العراقي نتيجةً لمعطَيات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وظروف حياته المحلية القاسية، غالبًا لا يستطيع إخفاء غضبه وتناقضات سلوكه، وأقل قدرةً في التحكُّم بانفعالاته وردود أفعاله الفجائية. لم تتشكَّل هويةٌ عراقيةٌ واضحة المعالم، ينغرسُ فيها انتماء العراقي لأرضه حتى اليوم؛ لذلك قد يبادرُ فيهجو نفسَه ووطنه ومواطنه ومجتمعه، وقلَّما رأيتُ من يهجو وطنه في تلك المجتمعات، حتى وإن كان أحيانًا يهجو نفسه ومحيطه.
لم تتشكَّل دولةٌ في العراق تُعبِّر عن شخصيته وتاريخه الوطني، وتعكس هويتَه المشتقة من تاريخه الحضاري والديني والثقافي والاجتماعي والسياسي. التاريخ السياسي للعراق لا ينتمي إلى أرضه، أكثر من عشرة قرون قبل الإسلام، وأكثر من ثمانية قرون بعد احتلال هولاكو لبغداد بلا هويةٍ عراقية، مكثَت هذه الأرضُ فريسةً للمحتلين الأتراك وغيرِهم. تشكُّلُ الهوية الوطنية يقترنُ بولادةِ المدينة وحضورِ الدولة، ما قبل المدينة والدولة تتبعثر قبائلُ وعشائرُ وطوائفُ وجماعاتٌ، متناحرةٌ متصارعة في الغالب. المدينة هي المرحلة التي يتجاوز فيها المجتمعُ القبيلةَ وكلَّ تشكيلات ما قبل المدينة والدولة، ويبحث عن هويةٍ جامعةٍ يتوحد فيها على أساس قيمٍ مدينية تُوحِّدها أرضٌ وثقافةٌ مشترَكة. تتأسَّس الدولةُ على تقاليد وقيم وقوانين المدينة المجتمعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وهذه القيمُ والقوانين لا تحضُر إلا بوصفها مُشتركًا يلتقي فيه كلُّ من ينتمي إلى هذه المدينة والدولة، ويعيش على أرضِها الواحدة. الانتماءُ للأرض، بالمعنى السياسي للأرض، هو النصابُ في المدينة والدولة، هذا النوعُ من الانتماء هشٌّ في القبيلة، بوصفها في حالة ترحُّلٍ على الدوام، من أرضٍ إلى أخرى وراءَ الماء والكلأ.
عندما تتعرض أرضُ بلدٍ إلى سلسلة احتلالاتٍ موجِعة، وينتهكُ حكَّامٌ مستبدُّون كرامةَ الإنسان، تتقوَّض وشيجةُ الانتماء للأرض، ويحاول الإنسانُ أن يجدَ له ملاذًا يأويه في إطار العشيرة والطائفة والقومية. باستثناء المثقَّف، عمومُ الناس في العراق ينتمون أولًا إلى الطائفة ثم إلى العشيرة. يستفزُّ الشيعيَّ نقدُ التشيُّعِ والعشيرة، يستفزُّ السنيَّ نقدُ التسنُّنِ والعشيرة، ويستفزُّ الكرديَّ نقدُ الكرد وهُويَّته القومية. جَمْعٌ في هذه البلاد لا يستفزُّه هجاءُ العراقِ والهويةِ الوطنية المشترَكة. الهويةُ الوطنية هُلاميَّة، لم تتشكَّل وتنضج وتأخذ نصابَها حتى اليوم. اليساريون والأصوليون في القرن العشرين أغرقوها بأوهام الأممية، القوميون العرب لبثوا مولَعين برومانسياتِ الوحدة العربية وشعاراتِها.
الدولةُ بنتُ المدينة، لا يمكن أن تتشكَّل دولةٌ في الريف، ولا في البادية. أقدمُ نماذج الدول في الأرض دولةُ المدينة السومرية، وتوالدَت دولةٌ في عدة مدن في العراق القديم على التوالي، حتى ظهرَت الدولةُ المركزية في الإمبراطورية الأكدية، وهي الإمبراطوريةُ الأولى على رأي مؤرخي الحضارات العراقية، وتتابع ظهورُ حضارات بلاد النهرَين؛ الحضارة البابلية الأولى (١٨٩٤–١٥٣١ق.م.)، والحضارة البابلية الثانية (٦٢٦–٥٣٩ق.م.)، ثم الآشورية المبكرة (٢٦٠٠–٢٠٢٥ق.م.)، والإمبراطورية الآشورية الوسطى (١٣٩٢–٩٣٤ق.م.)، والإمبراطورية الآشورية الحديثة (٩١١–٦٠٩ق.م.) قبل الإسلام حدثَ انقطاعٌ للعراق عن سلسلةِ حضاراته العريقة، وجرى طمسُ الميراث الغني لحضاراتٍ انبثقَت وتشكَّلَت ونضجَت، وابتكرَت إبداعاتٍ ثمينةً للبشرية، وتوطَّنَت هذه الأرضَ نحو ٣٠٠٠ سنة، إلى أن أسقَط الأخمينيون الإمبراطوريةَ البابلية الحديثة سنة ٥٣٩ قبل الميلاد. عاش العراقيُّ خارج تاريخ حضاراته وثقافاته منذ ذلك التاريخ إلى الفتحِ الإسلامي سنة ٦٣٣ ميلادية، وتأسيسِ الكوفة والبصرة، وبغداد لاحقًا.
لم تتشكَّل دولةٌ عراقيةٌ منذ نهاية العصر العباسي؛ إذ بعد سقوط بغداد على يد هولاكو تعرَّض العراقُ إلى سلسلة احتلالاتٍ بغيضة، العثمانيون حكَموا العراقَ عدة قرون، وأغرقوه بالظلام والتخلف. الاحتلالُ يعمل على طمسِ الذاكرة الوطنية، ويجفِّف منابعَ بنائِها وتكريسها. كان الولاء كُرهًا عصرَ الاحتلال العثماني المرير للبابِ العالي، وولاتِه على العراق. لا يمكن أن تتشكَّلَ هُويةٌ عراقية ما لم تتشكَّل ذاكرةُ دولةٍ ووطنٍ ومواطنٍ عراقي. اللاشعورُ السياسي العراقي مُرهَقٌ باحتلالاتٍ متوالية، منذ سقوط بغداد على يد هولاكو سنة ٦٥٦ﻫ / ١٢٥٨م وجيشه المتوحِّش، إلى سقوط بغداد على يد جورج بوش سنة ٢٠٠٣م.
عندما تتشكلُ هويةٌ في سياقٍ إمبراطوري تتغذَّى بنرجسية الإمبراطورية، وتُولَدُ وهي تشعرُ بأنها ممتلئةٌ ثرية، فخورةٌ تعتزُّ بذاتها، مركزيةٌ تتوهمُ القوةَ والتفوقَ على غيرها. وعندما تتشكلُ هويةٌ في سياقِ احتلالاتٍ واستعبادٍ أجنبي تُولَدُ وهي تشعر بأنها أشلاءٌ محطَّمةٌ معاقة، هامشيةٌ تحتقرُ ذاتَها وتنظرُ لها بازدراء، ولغيرها بهيبةٍ وإجلالٍ ورهبة، وتظلُّ تدورُ في آفاق وأحلام غيرها.
الشعورُ بالدونية، والنظرُ للأجانب بانبهارٍ وتسويقُهم، وضعفُ الاحتفاء بالمُنجَزِ العراقي والرموزِ الوطنية، من نتائج الاحتلالات المتوالية. صار العراقيُّ يحتفي بالغريب أكثر من شريكه في الوطن، ويعودُ ذلك إلى تبعيةِ العراقي لشيخِ القبيلة وزعيمِ الطائفة والقومية، وإخضاعِه كُرهًا للسلطان والحاكم الأجنبي. لم يخضع بلدٌ للعراق منذ العصر العباسي، عاش العراقيُّ تبعيةً مزمِنة قرونًا عديدة. تبعية قسرية استلبَت ذاتَه، وانتهكَت كرامتَه، واهتزَّت بسببها ثقتُه بنفسِه وتاريخِه ووطنِه. التركي مثلًا ينتمي إلى إمبراطورية تحكَّمَت في مساحةٍ شاسعة من غرب آسيا ومصر وشمال أفريقيا وأوروبا الشرقية في القرون الأخيرة. ما زال يشعر بعضُ الأتراك حتى اليوم بنرجسية الإمبراطورية، ويرى مواطني البلاد المحتلَّة لهم سابقًا رعايا عثمانيين. سنة ٢٠١٨م كنتُ في زيارةٍ لإسطنبول، اشتريتُ بعضَ الأشياء من محلٍّ في السوق المحاذي لجامع السلطان أحمد، يبيعُ فيه شابٌّ يُجيد العربية، سألني عن بلدي، قلتُ له: أنا عراقي، تحدَّث هو عن السياسة قليلًا، وعرَّفَ نفسَه بأنه طالبُ دكتوراه علوم سياسية، وتغنَّى بأمجاد السلاطين العثمانيين، وختم كلامَه: «إن العراقَ وبلادَ الشام والخليج ليست دولًا، هذه كلُّها ولاياتٌ عثمانية، وستعودُ إلينا.»
(١٧) تبجيل السفسطائيين في فكر الوردي
ينحاز الوردي لمنطق الاستقراء الحديث، بل يعود للعصر اليوناني فيبجل السفسطائيين، ويرفض بشدة المنطقَ الأرسطي، مُوجِّهًا نقدًا لاذعًا لهذا المنطق، الذي ينتقل فيه التفكيرُ من الكليات إلى الجزئيات، وتتضمَّن المقدماتُ النتيجة، خلافًا للمنطق الاستقرائي الذي ينتقل فيه التفكيرُ من الجزئيات إلى الكليات، ولا تكون النتيجةُ معروفةً مسبقًا؛ لأنها ليست متضمَّنةً في المقدِّمات. المنطقُ الأرسطي يُعبِّر عن قوالبَ ساكنة، لا ترى حركةَ الواقع، ولا تتسع لتطوراته، ولا تُواكب متغيِّراتِه، ولا علاقةَ لهذا المنطق بالطريقة التي يفكِّر بها الناس، يقول الوردي: «المفاهيم المنطقية لا تُقنِع إلا أصحابها، أما الناس فلهم مفاهيمُ أخرى. ومن يريد أن يطبِّق أقيسةَ المنطق في أمور المجتمع باء بالفشل الذريع.»٤٢
في مقابل رفضه للمنطق الأرسطي يُشيد الوردي بالسفسطائيين، الذين ساد تفكيرُهم في أثينا قبل ظهور سقراط وأفلاطون وأرسطو، ويرى «أن السفسطة كانت فلسفةً ذات أهميةٍ اجتماعية لا يُستهان بها. ومن سوء حظها وحظ البشرية أنها غُلبَت أو قُتلَت في مهدها، فأصبحَت محتقَرةً، والمغلوب دائمًا محتقَر؛ ولذا أخذ المفكرون ينسبون لها كلَّ نقيصة ويُجرِّدونها من المحاسن.»٤٣ الوردي يهتم بنزعة الشك لدى السفسطائيين، ويرى أن طريقتَهم في التفكير تُزلزل اليقينيات، وتُزعزع القناعات؛ لأنها لا ترى مقياسًا للحقيقة غير الإنسان. يُعقِّب الوردي على رأيهم: «إن الإنسان هو مقياس الحقيقة»، بقوله: «ولستُ أرى مبدأً إصلاحيًّا أروعَ من هذا المبدأ السفسطائي العظيم.»٤٤
على الرغم من أن المعرفةَ تبدأ بالشك، وهو منبع توالُد الأسئلة، إلا أن تفكيرَ السفسطائيين لم يتوقف عند إثارةِ الشكوك وطرحِ الأسئلة، بل انتهى إلى حالةِ ارتيابٍ بكلِّ شيء، كلُّ نتيجة تنتهي إليها المقدمات يُشككون فيها، ولا يصلون إلى أية نتيجة، كأن الذهن لا يتقبل إلا الشك. قادهم هذا التفكير إلى نسبيةٍ عدميَّة، لم تعُد فيها أيةُ حقيقيةٍ ثابتة من منظورهم. قضيةُ نفي أية حقيقة تنطوي على مفارقةٍ داخليةٍ تنقضها، إن كانت هذه القضيةُ حقيقة، فقد أقرَّ مَن يقول بها بقبول حقيقةٍ لا شكَّ فيها، وإن كانت هذه القضيةُ ليست حقيقةً لم يعُد هناك أيُّ شيءٍ حقيقي، حتى هذه القضية، فتنقض هذه القضيةُ مدعاها.
لا أريد أن أتحدث عن الشكِّ وأثرِه المهم في تطور العقل الفلسفي، وخلقِه آفاقًا رحبةً للعقل النقدي عبْر التاريخ، وكيف أنه كان ضروريًّا لتقويض بداهاتٍ ليست بديهية، ومقولاتٍ مسلَّمٍ بها بلا برهان، وأقوالٍ شائعة يكرِّرها الناسُ بوصفها يقينياتٍ لم تصمد أمامَ أيِّ تفكيرٍ نقدي. كلُّ فيلسوف، وإن كان تفكيرُه ينطلق من الشك، لكنه يرتكز على حقائق ينطلق منها. كان نيتشه يبجِّل السفسطائيين في كتابه «الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي»، غير أنه في كلِّ أعماله ينطلق من حقائق مسلَّمةٍ يرتكز عليها تفكيرُه.
على الرغم من ثنائه على السفسطائيين، لكن الوردي لم يكن سفسطائيًّا في كتاباته. طريقةُ تفكيره والنتائجُ التي ينتهي إليها ليست متطابقةً أو قريبةً من طريقةِ تفكيرِ السفسطائيين وحُججِهم ونتائجِهم الارتيابية العدمية. الوردي وإن كان لا يثقُ بالتفكير الوثوقي، ويُحذِّر من التعميم، وإطلاقِ الأحكام الجَزْمية النهائية واليقينيات، إلا أن كتاباتِه لا تخلو من تعميماتٍ وأحكامٍ جزميةٍ نهائيةٍ لا تقبل الشك على شخصية الفرد والمجتمع العراقي. يرى هذه الشخصيةَ تعيشُ في ثوابتَ أبديةٍ مقيمةٍ في صراعٍ لا يتغيَّر بين البداوة والحضارة.
لا أتفق مع منهجِ الوردي وتطبيقاتِ هذا المنهج على مختلف الظواهر في المجتمع العراقي، إلا أن محاولتَه النقدية الشجاعة في مجتمعٍ تقليدي مغلَق تستحقُّ التبجيل. كانت وما زالت تجذبني شجاعةُ علي الوردي ونقدُه الصريح وسخريتُه اللاذعة. السببُ الأساسي لشيوعِ كتابات الوردي هو تفسيرُه المباشر للظواهر الاجتماعية المتنوعة، وأسلوبُه القصصي الحكواتي، وحذرُه من الفهم الوعظي المبسَّط.
الوردي يقول في العلن قبل ٨٠ عامًا ما نقوله نحن اليوم في السر. عقلانيتُه النقدية كانت مفاجِئةً في مجتمعٍ تهيمن على حياته قيمٌ دينية وعشائرية تقليدية لا تطيق التفكيرَ الحر، وأعرافٌ وعاداتٌ متشدِّدة. لا نقرأ في أعماله الصادرة ذلك الوقت ما يشي بتردُّد أو خوف من نقدٍ صريح لتلك القيم والتقاليد. يعلن الوردي ما لا يُمكِننا إعلانُه اليوم، يكتب ما لا يمكننا كتابتُه، بعد أن ضاق فضاءُ الحريات في مجتمعنا، وكبَّله مجدَّدًا انبعاثُ قيمٍ دينية مغلَقة وعشائرية متشدِّدة.
(١٨) في المخيال تُولَد الأديانُ ولادةً ثانية
المخيلةُ منجمُ الإبداعِ البشري، كلُّ شيءٍ يضيقُ فيه الواقعُ يتمكنُ الإنسانُ من تخيُّله. لا ينفرد الإنسانُ بالعقل وحده، بل ينفرد بملكة الخيال أيضًا. بواسطة التخيُّل أصبح الإنسانُ كائنًا يتطلع للمستقبل، ويرسم خارطةً لتطوير أحواله والتقدُّم للأمام. لولا الخيال للبِث الإنسانُ يكرِّر كلَّ شيء، في طريقة عيشه وطعامه ولباسه وتأمين احتياجاته المتنوِّعة كما يفعل الحيوان، ولم يتمكَّن من إنتاج العلوم والمعارف والتكنولوجيا والثقافة والآداب والفنون والحضارات. يؤكد غاستون باشلار على «أهمية المخيال والأحلام الشاعرية للعقل العلمي».٤٥
الواقع لا يُطاق، لولا الخيال لمات الإنسانُ مفجوعًا. عالم الخيال أوسع وأثرى من الواقع. يتسع الخيالُ لما يضيق به الواقع. الواقع مفروضٌ على الإنسان، الخيال يمكن أن يتصرَّف فيه الإنسانُ بالخلق والإبداع كيف يشاء. السعادةُ المفقودة في الواقع يمكن أن يتذوق الإنسانُ شيئًا منها في المتخيَّل، مباهجُ الحياة المفقودة في الواقع يمكن أن يتذوق الإنسانُ شيئًا منها في المتخيَّل.
تنشط المخيِّلةُ وتتضخم صورُها لحظةَ تخوض في عالَم المجردات، وتتدفق وتنبعث فاعليتُها لحظةَ تغوص في الوقائع التاريخية القديمة، وتحاول أن تتمثَّل أحداثَ قصصٍ تنتمي إلى ماضٍ اندثرَت معالمُه الأثرية، واختفَى مكانُه وزمانُه عن الأنظار. كلَّما ابتعد الدينُ عن لحظة التأسيس لم يعُد الواقعُ كافيًا لإشباع مخيِّلة الأتباع؛ لأنهم يرون الواقعَ ضحلًا واضحًا، لا لغز فيه، ولا يبوحُ بسِر. الإنسانُ الديني مولَعٌ بالمفارق للمادة، ينجذب لما ينطوي عليه من حَيرة وغموض وإبهام وسحر. وينتهي ذلك إلى تضخُّمِ المجرَّد في المخيال، وقوةِ حضوره في الحياة.
باستثناء أفلاطون الذي تحدَّثَ عن الخيال، كان الاتجاهُ العقلي السائد في الفلسفة اليونانية ينظر للخيال بوصفه: «الجانب الخادع في النفس الذي يقود إلى الخطأ والزلل»،٤٦ كأنه يرادف اللاعقلاني والتوهُّم. منذ ذلك الوقت ظل الخيال منسيًّا، وكان يحذِّر منه الفلاسفةُ بوصفه ضدَّ التفكير العقلي. عزَّزَت فلسفةُ ديكارت مركزيةَ العقل وكرَّسَت تغييبَ التخيُّل، وتضييقَ آفاق المعرفة وحصرَها في حدود العقل خاصة. إيمانويل كانط (١٧٢٤–١٨٠٤م) أعاد للتخيُّل نصابَه، وأخرجَه من مدلوله الميتافيزيقي عند أفلاطون، واستوعَبه في المعرفة، وتنبَّه إلى فاعليته الخصبة في توليد المعرفة وإثرائها. لم يعُد التخيُّل ضدًّا ولا حتى رديفًا للعقل، بل اتسع به فضاءُ العقل. مع كانط اتسعَت مملكةُ العقل لاستيعابِ مَلَكة الخيال، واكتشافِ مصدرٍ غزير لإنتاج المعرفة، لم تمنحه الفلسفةُ اهتمامًا يتناسب وأهميته قبل ذلك. بعد كانط اهتم الفلاسفةُ الألمان بالمتخيَّل، وذلك ما نقرؤه في أعمال: شيلنغ، وشوبنهاور، وهيغل، ونيتشه، وهنري برجسون، وإدموند هوسرل، وهايدغر، وغادامير، ومعهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت، وسارتر، وغيرهم، إلى بول ريكور وأعمالِه المتعدِّدة حول المخيال والسرد. في مدرسة التحليل النفسي فتح سيغموند فرويد آفاقًا جديدة لجذور دراسة المخيال في اللاوعي، وجاء كارل غوستاف يونغ واكتشف منابعَ المتخيَّل في اللاوعي الجمعي، ودرس الصورةَ والرمزَ والأسطورةَ والأنموذجَ الأصلي. وأضحت دراسةُ المتخيَّل وفاعلياته الأساسية في إنتاج المعرفة حقلًا أساسيًّا في الفلسفة وعلم نفس المجتمع وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والألسنيات وعلم اللغة والميثولوجيا. وتطوَّرَت دراساتُ علم اجتماع المخيال، وظهرَت أبحاثٌ ثمينة حول دراسة أثره في تشكُّل الأديان والفِرق والمذاهب والجماعات وتوالُدها.
في المخيال يُولَد الشعرُ والإبداع الأدبي والفني، والعلوم والمعارف والتكنولوجيا. وتُولَد الأديانُ في المخيال ولادةً ثانية بموازاة ولادتها الأولى على يد المؤسِّسين، الولادة الثانية تتشكَّل فيها الأديانُ على شاكلة المخيال. المكان والزمان مقدَّسان في المخيال الديني، وهما غير المكان المادي والزمان الفيزيائي، الخاضعان لكلِّ مشروطياتِ التاريخ الأرضية وعواملِ إنتاجه وتشكُّلِه وصيرورته. المتخيَّل موطنُ صناعة المعنى الديني، تتسع آفاقُ هذا المعنى، ويتمدَّد ويتضخَّم بنحوٍ يتجاوز آفاقَ وحدودَ ولادة الدين الأولى، وبالتدريج تطغى الصورةُ اللاحقة للدين الذي تشكَّل في المتخيَّل وتتقلص صورتُه الأولى. يتغذَّى المتخيَّلُ من شبكةِ الصور الراقدة في اللاوعي الجمعي، المترسِّبة مما تنتجه سردياتُ الجماعة، وتأويل الجماعة لكلِّ شيء يتصل بنشأتها وتحولاتها ومختلف وقائع تاريخها. يتوالد المتخيَّلُ ويتغذَّى وينمو ويتجذَّر، ويتشعَّب كنسيجٍ متشابِكٍ يتراكمُ ويتكثَّف على الدوام.
كما يكون الخيال منبعًا للإلهام والطموح والأحلام والفنون والآداب، ويخفض من القلق الوجودي والملل والسأم والضجر، يكون الخيال منبعًا للخرافات، وللخوف والقلق، وتقديسِ غير المقدَّس، وكلِّ ما يعطِّل العقلَ ويعبثُ بالحياة. لا يضع المتخيَّلَ في حدوده إلا يقظةُ العقل ومرجعيتُه في النفي والإثبات. مَن يمتلك المنابعَ المغذِّية للمتخيَّل الجمعي يتحكَّم بنظام إنتاج المعني في حياة الجماعة، ويتحكَّم بتوجيه حاضرها ومستقبلها.
تجاهلُ دراسة أثر المتخيَّل في فهم الدين وتفسير وظيفته أحدُ أبرز الثغرات عند مفكري الإسلام في العصر الحديث. اكتشافُ جغرافيا المخيال وفاعلياتِه ضروريٌّ للكشف عن نشأةِ وتطوُّر الأديان، وأثرِ مخيِّلة الجماعة في إنتاج المعنى الديني، وكيفيةِ ولادة وتضخُّم مخيلتها في سياق: رغباتها، وأمنياتها، وأشواقها، وأحلامها، وأوهامها، ومسعاها للتعويض عن كلِّ ما تعجز عن إنجازه في عالمها الأرضي، بنحوٍ يُمسي ذلك المتخيَّلُ شديدَ التأثير في حياة الفرد والجماعة، وربما يطغى تأثيرُه، فيُسيطر عليها ويأسِر حاضرَها ومصائرَها.
تجاهلُ دراسة المخيال يجهضُ المساعي الجدية للتجديد، لا ينجز التجديدُ شيئًا من وعوده من دون ذلك. بالإمكان إعادةُ إنتاجِ المتخيَّلِ الديني، وإن كانت شروطُ إنتاجه تتطلب جهودًا تخرج عن قدرة الفرد. المتخيَّل الديني متجذرٌ في اللاشعور الجمعي، مَن يفكِّر بتديُّنٍ عقلاني يظلُ عاجزًا عن إعادة إنتاجه في ضوء رؤيته، لافتقاره إلى الوسائل اللازمة لإنتاجه وتشكُّله. المؤسساتُ الدينية والمجتمعية والسياسية هي مَن تمتلك تلك الوسائل، ولا يمتلكها إنسانٌ واحد خارج إطارها. المخيال ينمو ويزدهر في مناخات التديُّن الشعبي، وهو تديُّن يتوارى فيه العقل. روافد تشكُّل المتخيَّل لا تخضع للعقل ولا تستفتي حججَه، ولا تحتاج أدواتِ استدلالاته بالضرورة. تهربُ من العقل، وتعملُ على تحصينِ نفسها بوسائلها الخاصة لئلا يفكِّكها ويقوِّضها، وهي محصَّنةٌ منه على الدوام؛ إذ تحتضنُها مشاعرُ يختفي العقلُ فيها وراءَ العواطف والانفعالات والهواجس والمخاوف.
كلُّ مجتمعٍ يصنع مُتخيَّله على شاكلة معتقداته وسردياته ورؤيته للعالَم وتأويله لتاريخه، ليعود المتخيَّلُ فيُعيد بناءَ رؤية ذلك المجتمع للعالَم في سياق رغباته وطموحاته وأحلامه. أنتج المتخيَّلُ الجمعي للمجتمعات عبْر التاريخ قصصَ الهلاك الشامل، تعبيرًا عن رغباتٍ ورُهابٍ بشري مكبوت، وما يشي بفَناء عالَمٍ أكلَته الشرورُ والحروبُ والطغيانُ والقبح، وشغفٌ لا يكُفُّ عن أشواق العودة إلى بدايات الخلق الصافية النقية؛ حيث صارت صورةُ ذلك العالم على وَفْق المتخيَّل، كلُّها خيرٌ وعدلٌ وجمالٌ وسلام. كما يشرح ذلك عالمُ الأساطير ميرسيا إلياد.
خيال الجماعة يتشكَّل ويتغذَّى بأدواتِه وروافدِه المُلهِمة، وأكثرها خارج العقل، وهي بارعةٌ بشحذِ المشاعر وتأجيجِ العواطف وإثارةِ الغرائز. ليس هناك وسيلةٌ لترسيخ المعتقَدات أيسر وأسرع وأشد تأثيرًا من إثراءِ المتخيَّل وتنميتِه والضخِّ فيه باستمرار، وتلك وسيلةُ الأديان والمَعتقَدات والأيديولوجيات، وإن كانت تختلف باختلاف منظورات الأديان وثقافات المجتمعات، ووسائلها وقدرتها على التعبئة والتحشيد.
يرسمُ المخيالُ صورةً للتاريخ في ضوء أفق أحلام وتمنِّيات الجماعات، لا كما عاشه الناسُ وحدثَت الوقائع. تُنتِج الواقعةُ التاريخية متخيَّلًا بموازاتها، هذا المتخيَّل يعبِّر عن تمثُّلاتٍ للواقعة يرسمُها أفقُ انتظار الجماعة وضميرُها ورؤيتُها للعالم ولاوعيُها الجمعي. يسرد المتخيَّلُ روايتَه للتاريخ، ويرسم صورتَه المُفارِقة للواقع والعابرةَ لسياقات الزمان والمكان التاريخي، ويُعاد في هذه الصورة رسمُ ملامح المعتقَدات والوقائع والشخصيات والجماعات في فضاء المخيال. يُفضي ذلك أخيرًا إلى ضياعِ صورة الواقعة كما حدثَت، وإهدارِ معنى التاريخ. هنا يأتي دورُ المؤرِّخ الخبير في علم التاريخ ليحفر عبْر مدونات التاريخ عن وثائقِ الواقعة وأرشيفِها وآثارِها، فيرسم ملامحَ صورةِ الواقعة كما حدثَت، وليس كما رسمَت صورتَها مخيِّلةُ الجماعة.
الهوياتُ المغلَقة للجماعات تتلاعب بالذاكرة التاريخية، فتعمل على إعادةِ خلقِ ذاكرةٍ موازية في ضوء اصطفائها لذاتها؛ لذلك تعمد لحذف كلِّ خسارات الماضي وإخفاقاته، ولا تتوقف عند ذلك، بل تسعى لتشويهِ ماضي الجماعات الموازية لها، والتكتُّمِ على مكاسبِها ومنجَزاتِها عبْر التاريخ. في الهوية المغلَقة يعيد مخيال الجماعة كتابةَ تاريخها، في أفقٍ يتحوَّل فيه الماضي إلى سرديةٍ رومانسية فاتنة، ويصبح العجزُ عن بناءِ الحاضر استعادةً استيهاميةً مهووسة بالأمجاد العتيقة، ويجري ضخُّ الذاكرة الجمعية بتاريخٍ يضمحلُّ فيه حضورُ وقائع التاريخ الدنيوي، وتخلع على شخصياته ورموزه وأحداثه وكلِّ ما يَحفِل به هالة أسطورية عابرة للزمان والمكان ووقائع التاريخ الأرضي.
التمثُّلاتُ البشرية للأديان لا تقتصر على التعاطي مع تلك الشخصيات في إطارٍ بشري تاريخي، بل تحاول أن تتخطَّى ذلك لتُخرِجَها من عالَمِها الأرضي وخصائصِها البشرية، كما يفعل بعضُ مريدي المتصوفة وغيرهم، الذين يُغالون بشيوخهم فيُخرجونهم من الزمان التاريخي الأرضي إلى زمانٍ مقدَّس لا تاريخي. وهي ظاهرةٌ موجودة في الأديان والمعتقدات المختلفة؛ كلٌّ على شاكلته. خطورةُ أيِّ شخصيةٍ دينية تكمُن في عبورها من الواقعي إلى الميثولوجي، بل انقلابِها من كونِها حقيقةً إلى خيالٍ محض، لا حضورَ له في الواقع. وقتئذٍ يصير الرمز مُنوِّمًا بعد أن كان مُلهِمًا، مُخدِّرًا بعد أن كان مُوقِظًا. وتنقلب الأديانُ وتهرب إلى عالمٍ غيرِ عالَمِها تخسر فيه رسالتَها. في الديانة غطاءٌ ميثولوجي، حين يستهلك الغطاءُ المضمونَ، تخسر الأديانُ مقاصدَها الروحية والأخلاقية والجمالية وتتبدَّد أهدافُها الإنسانية.
ألحقنا هذه الفقرة بهذا الفصل، لتنبيه الباحثين في علوم الدين في وطننا العراق إلى ضرورةِ الاهتمام بدراسةِ المتخيَّل الديني، وأثرِه وفاعلياتِه الواسعة في تشكُّلِ السرديات الدينية وقراءةِ النصوص، وولادةِ الأديان ولادةً ثانية، وكيفيةِ نشأة الفِرق والجماعات، والكشفِ عن أن كثيرًا من النزاعات والحروب الدينية تعود للاستحواذِ على مصادر إنتاج المتخيَّل الديني؛ فمَن يمتلك تلك المصادر يمتلك حاضرَ أتباع الدين ومصائرهم.
سبقَت الجامعاتُ التونسية والجزائرية والمغربية وغيرها الجامعاتِ العراقية بدراسة المخيال.٤٧ أظنُّ أحدَ أسباب غياب دراسات المخيال في جامعاتنا يعود إلى مرجعيةِ أعمال الوردي وتسيُّدِها في الثقافة العراقية، ورسوخِ حضورها في الدراسات الإنسانية الأكاديمية، بعد وفاته؛ فلم يتخذ علمُ اجتماع المخيال موقعَه المناسب في حديثِ علي الوردي عن الدين وتعبيراتِه المتنوعة في حياة الفرد والمجتمع، على الرغم من الأهميةِ الفائقة لأثرِ المخيال في إنتاجِ المعنى الديني، وتغذيتِه لتمثُّلات الدين الفردية والمجتمعية، وترسيخِ أرضيتها في فضائه الذي يتضخم باضطراد. يمكن الاعتذارُ لغياب الأدوات التفسيرية لعلم اجتماع المخيال في كتابات الوردي المبكرة منتصف القرن الماضي، وإن كان ينبغي أن يواكب الوردي معطياتِ علم اجتماع المخيال المتنوعة لاحقًا بالإنجليزية وهو يتقن هذه اللغة.
بعض المفكرين تموت أفكارُه بموته، وبعضُهم يتأخر اكتشافُ قيمة أفكاره بعد سنوات وربما بعد قرون. أحيانًا ينبعث المفكرُ فيتسيَّد الحياةَ الفكرية بعد موته، فتعمل أفكارُه على تعطيل التفكير النقدي وعقم الإبداع في ذلك العلم سنواتٍ طويلة. تسيَّدَت أعمالُ الوردي المشهدَ الثقافي وحتى الأكاديمي في العراق، وحجبَت إسهامًا رصينًا من جيلِه والأجيالِ اللاحقة له في علم الاجتماع. ويعود ذلك إلى عدة أسباب، أشرنا إلى بعضِها في حديثنا السابق، منها لغةُ الوردي الميسَّرة، خارج القوالب الأكاديمية الصارمة، الوردي في كتاباته كأنه حكواتي يتحدَّث في المقاهي الشعبية. مضافًا إلى عدم ظهور جيلٍ جديدٍ من علماء الاجتماع يمتلك شجاعةَ عبور الوردي، ويُحدث اخترقًا في الجدار الأكاديمي المتصلِّب والمنغلِق، ويُعلن الخروج من جبة الوردي بمنطقٍ علمي، ويوظِّف المعطَيات الجديدة في علم الاجتماع والعلوم الإنسانية في الدرس الأكاديمي.
١ الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ص١٧، ط٣، ٢٠٢٣م، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.
٢ صدرَت الترجمة العربية لهذا الكتاب بعنوان: دراسة في سوسيولوجيا الإسلام، بترجمة: رافد الأسدي، وتقديم: حسين الهنداوي، ومراجعة: ماجد شبر، ٢٠١٣م، دار الوراق، لندن.
٣ تبدلَت ١٣ وزارة على حكومة العراق للفترة من ١٩٥٠–١٩٥٨م.
٤ راجع الدراسة المهمة للدكتور فؤاد زكريا، كم عمر الغضب: هيكل وأزمة العقل العربي، الكويت، شركة كاظمة للنشر، ط١، ١٩٨٣م.
٥ الوردي، علي، لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث، ج٤، ص٤٧٧.
٦ الوردي، علي، وعَّاظ السلاطين، ص٢٧٠.
٧ الحيدري، إبراهيم، علي الوردي شخصيته ومنهجه وأفكاره الاجتماعية، ص٣٩–٤٢، ٢٠٠٦م، دار الجمل، كولونيا، ألمانيا.
٨ شريعتي، علي، سلسلة الآثار الكاملة ٢٦: الشهادة، ترجمة: إبراهيم الدسوقي شتا، بيروت، دار الأمير، ٢٠٠٧م، الطبعة الثانية، ص١١٥.
٩ شريعتي، علي، سلسلة الآثار الكاملة، ج١، ص٢٠٩.
١٠ يستعمل الوردي في كتاباته مصطلح القوقعة، وهي كما يقول اللغويون: «دِرْع خارجيٌّ صلبٌ يكسو بعض الكائنات الحية مثل الرخويَّات والسلاحف. قوقعة السلَحفاة: الصندوق العَظْمي المُغطِّي جسمها» (أحمد مختار عمر (ت٢٠٠٣م)، «معجم اللغة العربية المعاصرة»، ٤ج، القاهرة، عالم الكتاب، ١٤٢٩ﻫ / ٢٠٠٨م، ج٣، ص١٨٧٢).
١١ «صدر للرد عليه أكثر من خمسة كتب ومئات المقالات في الصحف والمجلات، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وامتدَّ الهجومُ عليه إلى المساجد والمجالس والأندية الثقافية وحتى المقاهي والبيوت، بسبب ما طرحه من آراءٍ وأفكارٍ نقدية صريحة وجريئة لم يألفها القُراء، حول وعَّاظ السلاطين والخطباء والكُتاب والشعراء» (الحيدري، إبراهيم، «وعَّاظ السلاطين: نقد الدين أم نقد وعَّاظه؟»، صحيفة إيلاف الإلكترونية، الصادرة بتاريخ ١ أغسطس ٢٠٠٦م).
١٢ لاهاي، عبد الحسين، الماركسية الأكاديمية لدى فالح عبد الجبار، مقالة منشورة على موقع الحزب الشيوعي العراقي، ١٤ آذار ٢٠١٨م.
١٣ الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص٥.
١٤ الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، دار كوفان، ط٢، ص١٣.
١٥ الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص٥.
١٦ الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص٩–١١.
١٧ الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص٧، ط٢، ١٩٩٤م، دار كوفان، لندن.
١٨ الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بيروت، دار الراشد، ط٢، ٢٠٠٥م، ج٤، ص٥-٦.
١٩ الطنطاوي، علي، فكر ومباحث، ص١٣، ١٩٨٨م، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.
٢٠ طُبع المجلد الأول منها سنة ١٣٩٩ش، بمطبعة الآداب في النجف. وسمعتُ منه أنها تقع في ٢٤ مجلدًا كبيرًا، ولا أعرف مصير ما لم يُطبَع منها.
٢١ الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، ص٧٨، ط١٣، ٢٠١٧م، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
٢٢ أنيس، إبراهيم، من أسرار العربية، ص١٩٨-١٩٩، ط٤، ١٩٧٢م، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
٢٣ يقصد قلب الصبي.
٢٤ الجاحظ، الرسائل، ١: ١٧١.
٢٥ الجاحظ، الحيوان، ص٦٢-٦٣.
٢٦ ابن مضاء القرطبي، كتاب الرد على النحاة، نشره وحققه: د. شوقي ضيف، ص٨٥-٨٦، ١٩٤٧م، دار الفكر العربي، القاهرة.
٢٧ السيوطي، جلال الدين، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ١٩٦٤م، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.
٢٨ الطنطاوي، علي، فكر ومباحث، ص١٧، ١٩٨٨م، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.
٢٩ الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ص٤١–٤٣، ١٩٦١م، دار المعرفة، القاهرة.
٣٠ الوردي، علي، وعَّاظ السلاطين، ص٥-٦.
٣١ جيلسبي، مايكل ألين، الجذور اللاهوتية للحداثة، ترجمة: فيصل بن أحمد الفرهود، ص١٩، ٢٠١٩م، جداول، بيروت.
٣٢ الوردي، علي، وعَّاظ السلاطين، لندن، دار كوفان، ص٩، ط٢، ١٩٩٥م، الهامش رقم (١).
٣٣ المصدر السابق، ص٩.
٣٤ حوار مع الدكتور علي الوردي، أجراه: حسين الحسيني، الأقلام، العدد: ٨، أغسطس (آب) ١٩٨٣م.
٣٥ صدر هذا الكتاب قبل أكثر من ٤٠ عامًا، عن: الزهراء للإعلام العربي في القاهرة. ثم نقض عبد الجواد ياسين أفكاره في هذا الكتاب بجرأة في مؤلفاته اللاحقة.
٣٦ الوردي، علي، شخصية الفرد العراقي: بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث، ص٢٨، ١٩٥١م، بغداد.
٣٧ حوار مع الدكتور علي الوردي، أجراه: حسين الحسيني، الأقلام، العدد: ٨، تاريخ الإصدار: ١ أغسطس ١٩٨٣م.
٣٨ الوريمي، ناجية، حفريات في الخطاب الخلدوني، ص٢٢-٢٣.
٣٩ راجع كتابها: «في الائتلاف والاختلاف: ثنائية السائد والمهمش في الفكر الإسلامي القديم»، ٢٠٠٤م، دار المدى، بيروت.
٤٠ الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ص١٧–٢٠، ٢٠٢٣م، دار الرافدين ببيروت، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.
٤١ وجهًا لوجه: د. علي الوردي، ود. جليل العطية، العربي «الكويت»، ع٣٦٠، نوفمبر ١٩٨٨م.
٤٢ الوردي، علي، مهزلة العقل البشري، ص٢١١، ط٢، ١٩٩٤م، دار كوفان، لندن.
٤٣ الوردي، علي، المرجع السابق، ص١٥٦.
٤٤ الوردي، علي، المرجع السابق، ص١٥٧.
٤٥ يمنى طريف الخولي، مشكلة العلوم الإنسانية تقنينها وإمكانية حلها، ص١٦، ٢٠١٤م، مؤسسة هنداوي للثقافة والعلوم، القاهرة.
٤٦ هلال، محمد غنيمي، الرومانتيكية، ص١٥، ١٩٥٥م، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة.
٤٧ الريادة في دراسة المتخيل في وطننا العراق تعود إلى المنجَز الثمين للصديق د. عبد الله إبراهيم في «موسوعة السرد»، الصادرة بتسعة أجزاء، ومؤلَّفاته وأبحاثه الغزيرة، وهكذا مؤلَّفات وترجمات الصديق الأستاذ سعيد الغانمي.





