لما أفكر أن لي بيتاً ولي فيه عيال – د.ابتهال الخطيب
تأكلني رغبتي في الكتابة عن قضايا المرأة، عن القضايا الجندرية وحقوق الأقليات، تتآكل روحي في بعدي «الكتابي» عن قضايا انعدام الجنسية وحقوق العمالة وحقوق الأجانب في دولنا المدنية الحالية، إن صح عليها هذا التوصيف. العجز أصبح هوية، والخوف بات عنوان المرحلة، والرقابة الذاتية حولت عقولنا إلى سجن كبير نحبس فيه ذواتنا بأفكارها وأسئلتها، نكتم بين أسواره صرخاتها وتأوهاتها. أنا، وأتصور الملايين مثلي، نشعر بغربة كبيرة عن هذا العالم، بخوف موحش فيه، بتهديد وحشية مخيفة في يد كل «أخ أكبر» يتحكم في مصيره. أنا تائهة حين استأصلت الظروف الجزء الأكبر من هويتي الروحية، من حريتي في التعبير، من قدرتي على المشاركة في الحياة بطريقة تشعرني بهذه الحياة. أنا آكل وأشرب وأنام وأصحو وأعمل وأتسوق بشكل آلي، كأنني مخدرة، كأنني أحيا عن بعد من جسدي، أنظر فيما يحدث مني ولي دون علاقة مباشرة بالأحداث ومجرياتها. أنا ضائعة تماماً في هذا العالم الذي لا أعرفه ولا يعرفني، الذي انقلب في يوم وليلة من حال إلى حال وقلبني في صباح وضحاه من سعادة إلى تعاسة.
لربما هي سنوات العمر التي تثقل كاهلنا بالتجارب والذكريات ومشاعر الندم والغضب والحزن، لربما هي خيبات الأمل في الظروف والأشخاص، لربما هو مرض من نحب وفقد من نستأنس بهم وبعد من كانوا ذات يوم أحبة أصدقاء وقرب من أصبحوا ثقلاً وهماً على القلب. لربما هي الأحداث الخارجية والداخلية التي لا أعرف كيف أتركها عند عتبة باب بيتي، ليصبح حواري مع زوجي كله حول الصهاينة الأصليين والمتصهينين الجدد، وكأن الصهيونية لا تنفك تقول هل من مزيد، ليصبح كلامي مع أبنائي كله حول الديكتاتوريات التي تجتاح العالم والديموقراطيات التي تنتقل إلى رحمة الله غير مأسوف عليها، لتتحول حكاياتي مع الصديقات كلها لهموم النساء التي راكمتها اليوم الأحداث والظروف في عالمنا العربي والخليجي. كل الحكايات تعيسة، كل الحوارات محشوة بالهم والغم، كل الأخبار توجع القلب، كل الأفكار مضببة مظلمة، وفوق كل هذا وذاك، لا بد لكل هذه التعاسة والهم والوجع والظلمة أن تبقى في القلب، ألا تفلت من طرف اللسان، لا بد لكل هذه التعاسة والهم والوجع والظلمة أن تبقى معي في داخلي، في سجني الكبير، في الصمت المطبق والظلام الدامس.
في تلك الجلسة بين الصديقات، أخبرتني إحداهن عن معاناتها في إتمام إجراءات الطلاق من زوج لا يرحم، لا يعرف كيف يحب أو يعاشر. انقلبت حكايتها في لحظة لغضب مشتعل في قلبي، عدت لبيتي وأنا أنفث دخاناً من أنفي وكأني تنين قادم من زمن غابر إلى زمن لا ينتمي إليه. حق الطلاق، قلت لزوجي، حق فسخ هذا العقد بين الاثنين هو كل مُحَدِّد لعلامات القوى والموازنة في الزواج، فحين يعطي القانون طرفاً عن طرف آخر الحق المطلق في الإمساك والتسريح، حين تتجلى كل القوة في لفظة يلفظها الرجل على المرأة ليتبدل حالها وتتغير حياتها من نقيض إلى نقيض، لا يمكن لعلاقتهما، مهما كانت طيبة ودودة وحسنة العشرة، أن تكون علاقة بالغين متساويين. على خلفية هذه العلاقة، دوماً ستتجلى الصورة لمتحكم، المصير كله منطو في كلمة على طرف لسانه، ولمحكوم عليها المصير كله خارج عن إرادتها ورغبتها. كيف يمكن لهكذا علاقة مؤطرة بهكذا قانون أن تكون صحية مغمورة بالمساواة والاحترام المتبادل؟
ولأن هذا الرجل يعرفني، قابل الثورة بالصمت، وهدّأ ألم الروح بنظرة حانية متفهمة، وخفف الوجع بإفساح الطريق وتوفير المساحة لأرغي وأزبد وأغضب وأحزن لأنطوي على كل ذلك في سريره الآمن الذي يغمرني بأمان روحه ورائحته. لم نقل شيئاً صباح اليوم التالي، فوجع رأسي وألم عينيّ وثقل جفني وأكواب القهوة المتتالية، استهلكت اليوم بأكمله. وحين راقت الروح بعض الشيء، توالت الصور البشعة: نساء السودان، نساء الكونغو، الغزاويات، هذه السورية المكلومة التي قُتلت في قضية شرف، هذه المصرية المقهورة التي ضُربت في الشارع. تتوالى الحكايات وكأن وسائل التواصل أصبحت وسائل تعذيب وتذكير ووجع للروح والضمير، لتتحول الفكرة في رأسي المخلخل في تلك اللحظة من مصيبة متضخمة لقانون يحرم المرأة مساواتها وقوتها الاجتماعية بل وآدميتها، إلى قضية ضامرة جانبية لا مكان لها في صفوف الهموم الإنسانية الأولى.
وهكذا يحولنا المجتمع ومصائبه المتراكمة علينا كنساء إلى عدوات لبعضنا ولقضايانا، للاستخفاف بمشكلاتنا ولتصغيرها وإبعادها عن منتصف الطريق. قضايا المرأة المناطة بقوانين الأحوال الشخصية لا تقل خطورة وأذى على المرأة من القضايا العالمية الأخرى المعلنة والمعروفة، على الرغم مما يبدو من «بساطتها» وخصوصيتها. كلها أشكال عذاب يُنتهك من خلالها جسد المرأة وتُقهر من خلالها روحها وتتحول إبانها إلى أداة يتداولها ويتناولها الذكور تعذيب بعضهم لبعض، معاقبة بعضهم بعضاً، وانتصار بعضهم على بعض.
ترتبط قضايا المرأة كلها ارتباطاً وثيقاً؛ فاغتصاب الزوج لزوجته لا يقل وجعاً عن اغتصاب الغريب العدو، إن لم يكن يزيد. واستخدام جسد المرأة كأداة عقوبة في أوقات السلام لا يقل خطورة عن استخدامه في أوقات الحروب. وانتهاك حق المرأة في حريتها في الاختيار وممارسة الحياة ومساواتها الاجتماعية والسياسية بالرجل، رغم قِدم مفهوم المساواة بالرجل واستشكالياته الفلسفية الكبرى، لا يقل جرائمية وانتهاكاً للمرأة كإنسان عن غيره من صور الجرائم المعروفة والمنتشرة ضدها وضد جنسها. كلها قضايا مترابطة ومتشابكة، فلا يشعر بتلك المغتصبة في السودان أكثر من تلك المعنفة في سوريا أو مصر، ولا يتفهم تلك الثكلى في فلسطين أكثر من تلك المغتربة عن أبنائها لتعمل خادمة في الكويت أو لبنان. كلنا في الهم والمعاناة نساء، كل قضايانا من أخطرها وأشهرها إلى أصغرها وأقلها وضوحاً في البشاعة جرائم.
«إني أحاذر أن أموت/ لما أفكر أن لي بيتاً ولي فيه عيال/لما أحس بأن في الدنيا جمال» هكذا يقول الشاعر الكويتي العظيم محمد فايز في قصيدته «مذكرات بحار». وها أنا أحاذر مثلي مثل ملايين الجبناء، أن أموت وذلك حين أتذكر بيتي والعيال، حين أتذكر أن في الدنيا جمالاً. ولكنني لا أعرف كيف، كيف أترك العالم خارج بيتي، وكيف أحمي بيتي من كل العالم، وكيف أبقى حية في دنيا تقتل روحي كل يوم.






