مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

الظاهرة الإنسانية وفعل التعلم ✍️ الداودي الخالدي/المغرب 

صورة لرجل يواجه الكاميرا بدقة، يبتسم قليلاً، خلفه جدار مزخرف بألوان زاهية تتضمن نصوص باللغة العربية.

إن الظاهرة الإنسانية ، وخصوصا في مجال التعليم والتعلم، توجب الحذر والدقة والرصد وٱتساع مجال التأويل، فهي ليست ظاهرة فيزيائية كمية أحكامها قارة تخضع للتجريب والمختبرات على اعتبار مخرجات ومدخلات منطقية ،بل هي تمظهرات ممتدة في الزمان والمكان واعماق هيلولة النفس البشرية الخفية إن صح القول ،وهذه الامتدادات هي التي تجعلها زئبقية تتبدل وتتغير الى درجة التناقض احيانا مما يجعل الحكم عليها غير قابل للقياس اساسا اللهم إلا التأويل..

الأنسان ذاك المجهول الذي لم يتم اكتشافه بعد يصعب تفسيره في نظرية نمطية تساويه بباقي الجمادات أو الظواهر الطبيعية فحتى علم النفس والذي يسمى بالعلم الناعم احيانا يجد نفسه عاجزا أمام تفسير الظواهر والسلوك البشري وقد تتضارب فيه الرؤى والمدارس النفسية حد التناقض فالمثير والاستجابة ليس هو العمليات الذهنية وهذه الأخيرة ليست بناء ذاتيا والملاحظة والتقليد ليست الخبرة والتفاعل وغيرها من التفاسير العديدة في حقل التعلم والتعليم..

هذا التضارب إلى حد ما هو ما يشكل على المهتم بهذا الحقل سبر اغواره ويجعل الباحث يؤول أكثر مما يقعد كما تقعد العلوم الحقة الفيزياء والرياضيات وغيرها..وهو نفسه الذي يفرض علينا ألا نشيء (التشيؤ)الظاهرة الإنسانية فنفرض منهاجا تابثا على ظاهرة متغيرة ..قد نسورد مصطلحا أو قاموسا من حقل معرفي آخر لكن وجب تحيينه وإعادة صياغته وفق الظاهرة نفسها في إطار بيداغوجي يفرض انفتاح تمظهراته التي تلغي حتى المنطق أحياناً:

فأنت حين ترى إنسانا يبكي فهذا لا يعني أنه حزين.. اذن الذموع ليست بالضرورة علامة حزن..وحتى الضحك أحيانا..! وحتى فعل التأثر والتأثير يختلف من شخص لآخر وقد يختلف حتى على مستوى شخص واحد إن كررنا نفس التجربة..فنسبة الإستيعاب والإدارك والفهم والتحليل وغيرها.. ليست قارة هي لحظية وفق ظروفها وطقوسها التي تفرضها ذات المتعلم نفسه..أو ما أصطلح عليه ب “الإستعداد” ذهنياً سيكولوجيا …ولهذا فالمؤشرات التي تدرس مثل هكذا ظواهر تبقى إلى حد ما تقريبية إن لم أقل أنها مجرد تأويل والحكم بها أو عليها يبقى كذلك..

إن عملية التعليم والتعلم معقدة وهذا التعقيد فرضته طبيعة الإنسان أو على الأقل نقول غموض هذا الكائن الحي ” وعليه وجب أن نضع في حسباننا أننا نتعامل مع جبل جليد يخفي أكثر مما يظهر..ومع محيط شاسع شساعة الذاكرة والحضور والغياب..هذا ما يفرض أثناء التعامل مع المتعلم استحضار الامتدادات الرباعية الأبعاد ( ماذا أعلم ؟ ولمن؟ وكيف ؟ ولماذا؟ )

إن أسئلة بهذا الشكل تبقى ملحة قبل أية ممارسة..حتى نتمكن على الأقل من معرفة أرضية الصراع والتبادل الذي سيحدث أثناء التعلم…وقد قلت بصراع تجاوزا لأن المعرفة اللاحقة ستكون في صراع مع المعرفة السابقة أي أننا نستحضر التمثلات القبلية بقوة والتي ترسخت ربما لسنين حتى صارت من قبل البديهيات.. فمن الصعب استئصال البديهيات…! إن لم يكن هناك منهج المناهج أو على الاقل انفتاح المنهج على المناهج الأخرى ..ناهيك عن إقصاء المحيط السوسيوثقافي والتي يعد المدرسة الأولى والموازية لإنتاج المعارف وتوريثها (الأسرة.الشارع. المجتمع..العادات . التقاليد..نمط العيش..) 

إن تأسيسا من هذا القبيل يحتم أن نجيب أولا على الأسئلة اعلاه مع تفعيل مقاربة تواصلية صادقة يشعر بها المتعلم أولا كجسر ممتد ينقل المعلومة بشكل سلس ومرن كما يفعل الممرض أثناء حقن ابرة دواء ..لا يجب على المتعلم أن يشعر بأن المعلومة هي تحد او مقارعة أو حتى عبئ..بل هي دواء يشفي ويعطي الحياة إن جاز القول..أو هي من صميم الفكر والحياة ومكون له .. بمعنى أنه في حاجة إليها كقيمة مضافة لها علاقاتها بآفاقه وتفكيره ومشاريعه الشخصية..أي التحول من الترف الفكري إلى الضروري اليومي…وهذا نفسه الذي يجعل المعرفة لاتعيش انفصاما مع واقعها..

وجب القطع مع القطائع الابستيمولوجية لا علم مستقل عن علم آخرولا إنسان في معزل عن إنسان آخر الأشياء كلها تمتد وتترابط وبلغة النقد الابستيمي “تتناص” حتى المعرفة نفسها تناصية ولاشيء أتى من فراغ..على الأقل بلغة العقل والمنطق…وهذا الامتداد في الزمان والمكان والذاكرة لابد أن يؤخد بعين العقل..

اضغط على النجوم واعتمد تقييمك فوراً.

تقييمات القراء المعتمدة:

لا توجد تقييمات لهذا النص حتى الآن. كن أول من يقيّم!

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading