مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة – حامد الضبياني

مخطط لرجل يرتدي بدلة رسمية يجلس مبتسمًا على كرسي، مع العلم العراقي خلفه.

لم أكتب هذا النص من برجٍ عاجي، ولا من ذاكرةٍ نقيّة لم تُمسّها الخسارات، بل من شقوق الروح التي رأت كيف يتحوّل الإنسان من كائنٍ له جذور إلى ظلٍّ متحرّك، ومن صاحب إرادة إلى ساحةٍ مفتوحة للضجيج. هذا زمنٌ غريب، لا يُحارَب فيه الجسد كما في الحروب القديمة، بل تُستهدف فيه الإرادة بصمت، ويُغتال فيه الانتباه دون قطرة دم، حتى يستيقظ المرء ذات صباح ليكتشف أن أفكاره لم تعد له، وأن رغباته مستعارة، وأن صوته الداخلي قد خفت حتى كاد يختفي.في إحدى الحكايات التي لا يعرف أصحابها أنهم شخصيات رمزية، كان شابٌ يجلس كل مساء أمام مرآةٍ لا تعكس وجهه، بل تعكس ما يريد الآخرون أن يروه فيه. كلما غيّر ملامحه ليرضيها، صفق له الصدى، لكنه في الليل كان يشعر بثقلٍ في صدره، كأن شيئًا ما يُنتزع منه ببطء. لم يكن يعرف أن أخطر أنواع الفقد هو أن تفقد ذاتك وأنت ما زلت حيًّا، وأن أسوأ أنواع العبودية هي تلك التي تُغلّف باسم الحرية.نحن لا نعيش أزمة فقر أفكار، بل أزمة ترتيب أولويات. الروح تُترك جائعة، ثم نندهش من شراسة الفراغ. حين ينقطع الإنسان عن منبعه الأول، لا يضيع فجأة، بل يتآكل تدريجيًا. يصبح ذكيًا بلا حكمة، نشيطًا بلا معنى، حاضرًا بلا عمق. رأيت أناسًا امتلكوا كل شيء، إلا السكينة، لأنهم خاصموا المصدر الذي يمنح الأشياء قيمتها. ليس الإيمان فكرة معلّقة في الهواء، بل هو توازن داخلي، هو أن تعرف لماذا تنهض، ولماذا تصبر، ولماذا ترفض أن تكون نسخةً رخيصة من أحد.وفي قصةٍ أخرى، كان هناك رجلٌ يزن نفسه بميزانٍ غريب، لا يعمل إلا إذا صفق له الناس. إن صمتوا، انهار. سلّم مفاتيح طمأنينته لوجوهٍ لا يعرفها، وأصواتٍ لا تعنيه. كان يظن أن رضا الجميع انتصار، ولم يفهم أن إرضاء الجميع هو أول طريق الضياع. الوعي يبدأ حين تدرك أن قيمتك لا تُقاس بعدد العيون التي تنظر إليك، بل بقدرتك على النظر في المرآة دون أن تشعر بالخجل.

أما الذين ينتظرون المزاج ليبدؤوا حياتهم، فقد رأيتهم يشيخون في محطات الانتظار. الحياة لا تكافئ الأكثر حماسًا، بل الأكثر انضباطًا. الإرادة لا تولد من الشغف، بل الشغف هو نتيجة السير الطويل. في الحكايات الكبرى، لم يصل أحد لأنه كان متحمسًا دائمًا، بل لأنه واصل المشي حتى في الأيام التي كره فيها الطريق.وفي زاوية أخرى من هذا الزمن، يجلس الانتباه مقيدًا. الشاشات لا تسرق الوقت فقط، بل تعيد تشكيل العقول. التشتت لم يعد عرضًا جانبيًا، بل أصبح أسلوب حياة. من لا يملك شجاعة أن يخلو بنفسه قليلًا، أن يسمع صوته الداخلي دون وساطة، سيبقى تابعًا، مهما ادّعى الاستقلال. القيادة تبدأ من القدرة على الصمت، من لحظة تُغلق فيها الضجيج لتسمع الفكرة وهي تتكوّن.

كم من شابٍ ظنّ أن المظهر اختصار الطريق، فأنفق عمره في تلميع القشرة، ونسي أن الهيبة الحقيقية تنبع من الداخل. الأشياء اللامعة تخطف النظر، لكنها لا تحترم العقل. الفكر وحده هو الذي يصنع حضورًا لا يبهت، ومكانة لا تهتز، حتى حين تتغير الأزمنة.ثم هناك العجلة… ذلك المرض العصري. يريدون كل شيء الآن، فورًا، بلا صبر ولا نضج. لا يعلمون أن الأشياء العظيمة لا تأتي راكضة، بل تُختبر أولًا. من لم يتعلّم الانتظار، لن يعرف قيمة الوصول. بناء الذات ليس تطبيقًا يُحمّل، بل رحلة تُعاش، بخساراتها قبل مكاسبها.القوة، في جوهرها، ليست صراخًا ولا استعراضًا. القوة أن تملك زمام نفسك حين يفقد الآخرون السيطرة. أن تبدأ من الداخل، حيث لا كاميرات ولا تصفيق، ثم تترك الأثر يتكلم عنك. هذا المقال ليس خطابًا أخلاقيًا، بل وجعٌ مُحبّ، ومحاولة أخيرة لطرق باب الوعي في زمنٍ يُغلق فيه الناس أبواب عقولهم طوعًا.إن لم تستيقظ اليوم، فلن توقظك كل الضربات غدًا. الوعي ليس ترفًا، بل ضرورة للبقاء إنسانًا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading