دراسة حقيقة التهويل الاعلامي للظاهرة الاثنوغرافيا

من كتاب: الاستاذ الدكتور حمام محمد.
اولا: الظاهرة الإمبريقية للخوف
في بداية الأمر، هل يمكن طرح سؤال يتعلق بانطلاق الخوف كظاهرة اجتماعية في المجتمعات القديمة؟.
ربما لا يمكننا تقديم إجابة تاريخية دقيقة لانطلاق تدوينه على سبيل انتمائه إلى عصر ما، ولكن يمكن الإجابة عليه أنثروبولوجيًا، باعتباره مفهومًا يحلل العلاقات في تطور الإنسان، مما يمكننا من إعطاء إجابة تجعلنا نتعرف على ظاهرة الخوف.
أولًا: انطلاقًا من مبدأ نظرية السلطة الرئاسية التي أنجبت قاعدة التمركز الأعلى، نشأ سلطان الخوف وكأنه صُنِع سياسيًا قبل أن يكون اجتماعيًا أو حتى دينيًا، لأنه ارتبط بالأسس الإيجابية التي تقتضيها السلطة الفاعلة.
ولا أريد هنا أن أتجذر أكثر في استقراء التاريخ الأزلي، لأني أرى أن فكرة الخوف الطبيعي كانت نزيل المشهد الإلهي الذي صوره المولى في خلق آدم، وأمره تعالى للملائكة بالسجود، إقرارًا بعبادته وخوفًا من سخطه.
قد نسلّم هنا بمنطلق الخوف، لكنه لم يكن خوفًا كحالة شعورية، وإنما كان خوفًا طبيعيًا أقره الولاء للسلطة الإلهية من باب العظمة، وهو ما جعل إبليس يكسر ذلك الخوف لطبيعته ومشيئته تعالى. ونذهب مع ما ذكره خالد عبد الرؤوف الجبر بأن الخوف لا علاقة له بالوراثة الجينية، بل له علاقة بالوراثة الاجتماعية والثقافية والعقدية (الجبر، 2006، ص 86). لنحتفظ بهذا التعريف الوجاهي للخوف، ونحاول أن نفيض مع المؤرخ في استكشاف انطلاقة الخوف حسب المجتمعات التي حددها.
عند الحديث عن الحضارات، لا شك أننا سوف نمر بمرحلة الصنع والإبداع، وهي مرحلة متأخرة لفهم الخوف، لأن ما قبلها شهد تطورات على جنس الإنسان، كما أقر بذلك التطوريون في مراحل متعددة، وكأنهم أرادوا أن يبنوا أصولًا نموذجية للخوف كظاهرة شعورية. وبالرغم من سذاجة هذه المناقشة، فإن الخوف في العصور التطورية كان متمركزًا حول الخوف من الموت، وهو الإطار نفسه الذي انساق وراءه علماء النفس عند تعريفهم للخوف بأنه حالة شعورية تصيب العقل المترقب لحدوث خطر يهدد أمنه وجسده.
وهي نظرة لا تختلف عن منظور التطوريين، إذ أن الخوف من شيء ضار يدل على تطور حاصل في منظومة الخوف كظاهرة اجتماعية، ارتبطت بها نواحٍ أخرى لا يمكن فصلها عند الشرحKلا يمكن للأنثروبولوجي أن يضع أجندة زمنية أو مكانية لتعريف الخوف، فقد تناولته نظريات متعددة، منها ما أورده الجابري، الذي يرى أن الثابت في دولنا هو امتداد (القبيلة، والعقيدة، والقيمة)، وهو فكر عرضه على مأساة المثقف العضوي أو المقاومة المدنية التي تتوخى الحذر والخوف.
أما موقف محادين، فقد أكد أن “التابو” يولد أولًا، ثم يأتي الخوف، مع العلم أن مرافقة الطوطم كانت مماثلة لتعميق مفهوم الخوف إمبريقيًا. فالـ”تابو” هو مصطلح بولينيزي أُطلق على ما هو ممنوع في نظر المجتمع، حيث تعتبره الأعراف شيئًا لا يمكن الخوض فيه، وكان البدائي يخاف الاقتراب منه دون أن يعرف حقيقته.
ساهم هذا النوع من الخوف في تنويعه ضمن فكر الإنسان، لكن هذا التقدم كان أكثر عنفًا. ولتجسيد مفهوم الخوف، حُدِّدت مستويات وخطوط حمراء لا يجب تجاوزها، وهي ما يُطلق عليها “الطوطم”، وهو الرمز المقدس عند القبائل القديمة في أستراليا وميلاينزيا والهنود. وقد وصفه دوركايم بأنه الشكل البدائي للدين.
ويكاد يُجزم بأن الخوف المرضي المنتشر اليوم في المجتمعات المعاصرة هو تأكيد لما أقره التطور، إذ أن التطور الموجود في الحياة البيولوجية موجود أيضًا في الحياة العقلية، التي تنتقل من مرحلة إلى مرحلة حتى تصل إلى المرحلة الأخيرة، مما يؤكد أن الخوف المرضي أصبح وسيلة للسيطرة. ولعل الحروب المنظمة في إفريقيا وآسيا برهنت على انتشار ظاهرة الخوف المرضي من خلال ما ابتكره الإنسان من أدوات تعذيب.
بالتالي، يمكننا الجزم بأن الخوف المرضي هو هدف قديم في إفريقيا، سرعان ما بدأ يتحدد في النظام السوسيولوجي الجديد.
ثانيا: الخوف كرسالة إعلامية للتهويل
لا يمكننا عزل الخوف كظاهرة مرضية هدامة عن دوره كمحفّز أساسي للاستشارة الإنسانية لمقاومة الأخطار المحدقة بالكائن البشري. ولعل أبرز مثال على ذلك هو تخوّف البشرية من ثقب الأوزون أو التصحر، حيث شكّلت هذه الأخطار نداءً طبيعيًا للخوف، دفع الدول إلى وضع استراتيجيات لمواجهتها، سواء من خلال سياساتها العامة أو عبر الإعلام، الذي يبقى في بداية شيوع الظاهرة مجرد ناقل ينظر، كغيره، إلى مخاطر الظواهر الطبيعية التي تهدد الإنسان وتنغّص حياته المستقبلية.
عند إدراك ذلك، تنمو الصحوة في وسائل الإعلام الجديد ومواقع التواصل، حيث يظهر الخوف من خلال الضمير ليغيّر رأي كل متابع أو مهتم حول خطر محدق. إنه تعبير بمثابة تخوّف أو استقراء للخطر الذي يهدد النشاطات الحياتية، مما يجعل الإنسان كائنًا مضطربًا على الدوام، يشتكي من انفعالات القلق والرهاب.
إن الإنسان في المجتمعات المشبعة بالحاجيات الأساسية، يضع خططًا واستراتيجيات لتحقيقها ضمن برامج سنوية أو متعددة السنوات، مما يعني أنه يخطط مسبقًا لتحقيق الأولويات والأهداف عبر بدائل متعددة. وعليه، فإن تنفيذ هذه الحاجيات يصبح بمثابة معتقد راسخ، حيث لا يمكنه تصور عدم تنفيذها، بنفس درجة اليقين الذي آمن به أثناء رسمها.
وعندما تصبح الحاجيات موضوع دراسة ونقاش داخل الأسرة، فإنها غالبًا ما تكون معلومة لدى الجميع، ولكن بدرجات متفاوتة وبأحجام مختلفة، وهو ما يؤدي إلى تشابه في رسم وتحديد الحاجيات أو طلبها بين مختلف الأسر، سواء البسيطة أو المركبة.
ونظرًا لهذا التشابه، فإن وسائل الإعلام، سواء الكلاسيكية أو الحديثة، تتفق في نقل الحاجيات والمطالب ضمن رسائلها الموجهة للجمهور، مما يجعلها تلعب دورًا أساسيًا في تكريس الخوف كوسيلة للتأثير في الأفراد والمجتمعات.
للتواصل مع الباحث:m.hemmam@univ-djelfa.dz





