كيف ترد على الافتراءات الموجهة ضد الإسلام ؟ا.د/حامد طاهر

ادعـاء أن مصدر القرآن بشرى ، وليس وحياً إلهياً
من الثابت تاريخياً أن محمداً صلي الله علية وسلم كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، والقرآن كتاب على أعلى مستوى من البيان الأدبى ، وهو مختلف – تماماً – عما كان يعرفه العرب من شعر ونثر . القرآن معجزة لغوية وأدبية جديدة بالكامل وليس لها سوابق مشابهة، وكونه يأتى على يد إنسان أمى دليل على أنه ليس من عمله ، وإنما هو وحى منزل .
يحتوى القرآن على نظام تشريعى متكامل يشمل العقيدة والشعائر والأخلاق ، والمبادئ السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ويهدف إلى إحداث توازن بين المادة والروح فى حياة الفرد ، وإلى إقامة علاقة مستقرة بين الفرد والمجتمع . ومثل هذا النظام التشريعى المتكامل والمتميز لا يمكن أن يصدر من إنسان فى بيئة عربية كالبيئة التى كان يعيش فيها محمد صلي الله علية وسلم .
يمتلئ القرآن بالإشارات إلى حقائق علمية لم يتوصل إليها العلم إلا فى العصر الحديث ، ويستحيل وجودها تماماً فى البيئة البدوية التى نشأ فيها محمد صلي الله علية وسلم ، ومن أمثلة ذلك : الإشارة إلى تطور الجنين فى بطن أمه ، وبصمة الأصابع فى الإنسان ، والإشارة إلى حركات الأفلاك ، وأصل نشأة الكون ، والتفاعل المستمر بين الكائنات ، وحركة الشمس والقمر والرياح والأمطار والنبات .
يقول الله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ? ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ? ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ) (سورة المؤمنين، آيات 12- 14).
ويقول سبحانه : (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى) (سورة الرعد، الآية 2) وأيضاً (لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (سورة يس ، الآية 40). وكذلك قوله تعالى : (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ) (سورة الأنبياء ، الآية 30).
وقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ) (سورة الزمر ، الآية 21) . وقوله تعالى : (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) (سورة الحجر ، الآية 22). وقوله تعالى : (مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ? بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ) (سورة الرحمن ، الآية 19- 20). وقوله تعالى : (وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) (سورة الحديد ، الآية 25).
لقد جاء القرآن مكملاً للكتب السماوية السابقة (التوراة والإنجيل) ومصححاً لما حدث لها من تحريف ، وإذن فهناك عناصر متشابهة بين القرآن وهذه الكتب ، ولكن القرآن يزيد عليها فى أشياء كثيرة ، من ذلك مثلاً ما أورده عن ولادة مريم وكفالة زكريا لها ، وكذلك نظام المواريث الذى جاء بصورة متكاملة لا يكاد يوجد مثلها حتى الآن . وبالنسبة لتصحيح التحريفات ، فإن تصور القرآن لله تصور واضح يعقله الناس جميعاً ، ويقوم على تنزيه الله عن صفات البشر (بينما ترد فى التوراة عبارات لا تليق بالذات الإلهية كمصارعة الله لإسرائيل ، وغلبته على يديه ! وتحتوى المسيحية على التثليث وبنوة عيسى لله تعالى ).
وقد عرض القرآن الكريم لقصص الأنبياء السابقين ، وأحوال الأمم التى أرسلوا إليها ، والمصير الذى واجههم . وفى هذا الصدد يقرر الإسلام الكثير من المبادئ الأخلاقية ، والقوانين الاجتماعية التى ثبتت صحتها ، ومازالت صالحة حتى اليوم , من ذلك مثلاً أن تغيير المجتمع إنما يكون برغبة داخلية من أبنائه ، ثم تأتى بعد ذلك الظروف الخارجية التى تساعد على ذلك (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (سورة الرعد ، الآية 11).
وقد اشتمل القرآن كذلك على الإخبار ببعض الحوادث المستقبلية التى تحققت فيما بعد ، من مثل (غُلِبَتِ الرُّومُ ? فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ? فِي بِضْعِ سِنِينَ) (الروم ، آيات 2- 3). تحقق ذلك بالفعل . ومن مثل الإخبار بموت أبى لهب ، والوليد بن المغيرة كافرين ، وقد حدث بالفعل : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ? مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ? سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ) (سورة المسد ، آيات 1- 3). (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ? وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ) (سورة المدثر ، الآية 26- 27).
ثم إنه على الرغم من ضخامة حجم القرآن الكريم ، وطول الفترة الزمنية التى أنزل فيها على محمد صلي الله علية وسلم (ثلاثة وعشرين عاماً) فإن دراسته بعناية تثبت عدم التناقض بين جزئياته ، كما تؤكد الدقة البالغة فى اختيار ألفاظه وعباراته مما يدل بوضوح على أنه فوق طاقة البشر .
والقرآن نفسه يتحدى العرب – وكانوا متفوقين فى البلاغة – أن يأتوا بمثله ، أو بمثل عشر سور منه ، أو حتى بسورة واحدة منه ، وكانت النتيجة أن أحداً لم يستطع الإتيان بعمل مشابه للقرآن الكريم منذ نزل وحتى اليوم ، وذلك على الرغم من وجود المعارضين الذين كانوا يسعدهم الإتيان بهذا الشبيه . ويعتبر استمرار التحدى بهذا الشكل من أهم البراهين على أن القرآن كتاب إلهى ، وليس من صنع البشر .
وتشير المصادر التاريخية الموثوق فيها أن محمد صلي الله علية وسلم كانت تعتريه حالة خاصة جداً عند نزول الوحى عليه ، إلى درجة أنه كان يتصبب عرقاً ، ويشاهدها كل أصحابه ، ثم بعد ذلك يهدأ تماماً ، ويبدأ فى إملاء ما نزل عليه من القرآن على بعض أصحابه ، الذين عرفوا باسم ” كتاب الوحى ” وبلغ عددهم تسعة وعشرين . ومن الواضح أن القرآن متميز فى نظمه وأسلوبه عن حديث محمد صلي الله علية وسلم الذى كان يصدر منه شخصياً ، وكان يمنع أصحابه من كتابته حتى لا يختلط حديثه بالقرآن الذى هو كلام الله تعالى .
إن من أعظم ما اشتمل عليه القرآن تخليص الوحدة الإلهية من مظاهر الشرك والوثنية ، واعتبار الأنبياء كلهم حلقات فى سلسلة واحدة جاءت لهداية البشرية كلها (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (سورة الشورى ، الآية 13). والتأكيد أخيراً على وحدة الإنسانية وكرامة كل إنسان على ظهر الأرض ، مع رفض كل صور التمييز القائم على اللون ، والأصل ، والوضع الاجتماعى .. الخ . وفى كل هذا دلالة على أن القرآن كتاب إلهى أسمى من أن يؤلفه بشر ، وأعظم من أن تنتجه بيئة .
الادعاء بعدم جمع القرآن فى حياة الرسول صلي الله علية وسلم ،
وأن الصحابة هم الذين تدخلوا فى كتابته وترتيبه ،
وأن عثمان بن عفان أحرق النسخ المخالفة.
الرد
الثابت تاريخياً أن القرآن كله كان محفوظاً عن ظهر قلب من عدد كبير من الصحابة فى عهد الرسول صلي الله علية وسلم ، وأنه راجعه معهم قبل وفاته ، وبعد أن راجعه على جبريل ، عليه السلام ، كاملاً مرتباً فى شهر رمضان الأخير مرتين .
أما كتابته ، فقد كان الرسول صلي الله علية وسلم يملى على بعض أصحابه المعروفين باسم ” كُتّاب الوحى ” ما ينزل عليه عقب نزوله مباشرة . وكانوا يكتبون حينئذ على أى شئ يجدونه ميسوراً لهم (مثل قطع الجلد ، أو سعف النخل ، أو عظام الإبل).
وبعد وفاة الرسول صلي الله علية وسلم بعام، قتل سبعون من حفظة القرآن فى معركة اليمامة، ونتيجة لذلك عهد الخليفة أبوبكر إلى زيد بن ثابت بتكوين لجنة مهمتها جمع وثائق القرآن التى كان موجودة لدى كتاب الوحى . ومما اشترطه زيد بن ثابت عدم قبول أى آية إلا إذا شهد شخصان على أنها مكتوبة بإملاء الرسول صلي الله علية وسلم نفسه .
تجمعت هذه الوثائق كاملة عند أبى بكر ، الذى سلمها عند وفاته إلى عمر بن الخطاب ، وظلت عنده حتى سلمها إلى ابنته حفصة ، أم المؤمنين ، عند وفاته ، لأنها كانت ملمة بالقراءة والكتابة .
وفى خلافة عثمان بن عفان ، كثر دخول غير العرب فى الإسلام ، وترتب على ذلك الاختلاف فى نطق القرآن ، فأمر عثمان بن عفان بتشكيل لجنة من زيد بن ثابت نفسه ، لكتابة مصحف اعتماداً على النسخة التى كانت لدى السيدة حفصة . ونسخت اللجنة خمس نسخ أرسلت إلى مكة ، والمدينة ، والبصرة ، والكوفة ، ودمشق . وفى نفس الوقت راجعت اللجنة عملها على ما يحفظه الحفاظ من القرآن الكريم بنفس نطقه فى عهد الرسول صلي الله علية وسلم . وهذا هو المصحف المتداول بين المسلمين حتى وقتنا الحاضر ، ولدى جميع الفرق الإسلامية بدون استثناء .
ومن الثابت أن المسلمين قد حرصوا أشد الحرص على عدم تغيير أى كلمة أو حتى حرف أو حتى حركة حرف فى مصحف عثمان . ويلاحظ أنه عندما تقوم بعض الجهات المعادية للإسلام بطبع مصحف يحتوى على أدنى تحريف يهب المسلمون جميعاً لوقفه والتنبيه إلى خطورته .
يعتمد بعض الباحثين الغربيين على أن الصحابى عبدالله بن مسعود اعترض على إحراق مصحفه الخاص به . والواقع أن ابن مسعود هو الذى أحرق نسخته الخاصة بنفسه ، وانضم إلى إجماع المسلمين على مصحف عثمان ، الذى تلقته الأمة الإسلامية كلها منذ ذلك الوقت وحتى الآن بالرضا والقبول الكاملين .
الادعـاء بـأن الرسول صلي الله علية وسلم كـان يغير خططـه حسـب الظـروف التـى يوجـد فيهـا ، فقدم الإسلام فى مكة على أنه دين عربى ،
ثم لما انتصر فى المدينة جعله عالمياً
الرد
الإسلام منذ نشأته الأولى يقرر فى صراحة ووضوح أنه دين عالمى ، جاء للناس جميعاً ، وأن محمداً صلي الله علية وسلم جاء بشيراً ونذيراً إلى العالمين .
وفى اللحظة التى أمر فيها محمد صلي الله علية وسلم بإعلان دعوته على الناس فى مكة ، صعد إلى ربوة عالية وخطب فيهم قائلاً : ” إنى رسول الله إليكم خاصة ، وإلى الناس كافة “.
والمتتبع لآيات القرآن يستطيع أن يتبين أن القرآن موجه للبشرية كلها . وهذه الصفة العالمية واضحة فى الآيات العديدة التى نزلت فى مكة ، قبل الهجرة إلى المدينة ، ومنها فى سورة الفرقان التى نزلت بمكة (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (سورة الفرقان ، الآية 1) ، وفى سورة الأنبياء المكية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) سورة الأنبياء ، الآية 107).
وفى سورة إبراهيم المكية (هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ) (سورة إبراهيم ، الآية 52).
ويكفى أن السورة التى يفتتح بها المصحف ، وهى سورة الفاتحة ، تبدأ بقوله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) ، وهى السورة التى نزلت فى مكة قبل الهجرة ، وقبل أن يكون للمسلمين دولة فى المدينة .
ومما سبق يتضح أن تغيير الخطط ينبغى أن يفهم فى إطار التدرج فى التشريع. فقد كان من الطبيعى جداً أن يتصرف الرسول صلي الله علية وسلم فى العهد المكى ، وتحت ضغط المشركين ، بصورة تختلف عن العهد المدنى الذى تكونت فيه للمسلمين عناصر الدولة الجديدة . وحتى فى بداية هذه الدولة الصغيرة ، بعث الرسول صلي الله علية وسلم برسائل إلى ملوك ورؤساء العالم حينئذ لدعوتهم إلى الدخول فى الإسلام باعتباره الدين الذى جاء للبشرية كلها .
الادعاء بأن محمداً صلي الله علية وسلم كان رجلاً شهوانياً
والدليل كثرة عدد زوجاته
الرد
هذه الدعوى ينقضها الرجوع إلى التاريخ الموثق لحياة الرسول صلي الله علية وسلم قبل البعثة وبعدها . أما الدليل فسوف نرد عليه بالتفصيل .
عاش محمد صلي الله علية وسلم طفولته وشبابه فى مكة ، ومن المعروف عنه فى تلك الفترة عدة خصال كان أهمها ” الصدق ” و ” الأمانة ” و ” الاستقامة ” ، فى الوقت الذى كان أمثاله من شباب مكة يقبلون على الملذات الحسية التى كانت شائعة لديهم ، ومنها شرب الخمر ، والنساء ، ولعب القمار . والثابت عنه أنه لم يقرب أى واحدة هذه الآفات .
وعندما بلغ سن الخامسة والعشرين تزوج من السيدة خديجة وكان عمرها حينئذ أربعين سنة ، تزوجت قبله مرتين ، وقد أنجب منها معظم بناته وأبنائه ، وعاش معها وحدها حتى توفيت فحزن عليها كثيراً . وظل لفترة بدون زواج ، حتى عرض عليه أن يتزوج بأخرى ، فاعتذر بحاجة بناته الصغيرات إلى الرعاية ، فاقترح عليه أن يتزوج سودة بن زمعة ، أرملة أحد صحابته ، ولم يعرف عنها أنها كانت ذات جمال .
وبعد أن استقر محمد صلي الله علية وسلم فى المدينة ، وابتداء من سن (الرابعة والخمسين) بدأت مرحلة تعدد زوجاته لأسباب معروفة تماماً ، وهى كلها بعيدة عن الجانب الجسدى أو الشهوانى المزعوم ، فبعضها يرجع إلى عوامل سياسية اجتماعية إنسانية (كانت ومازالت عادة معترفاً بها فى البيئات البدوية التى يسودها النظام القبلى) ومن أمثلة هذه الزيجات زواجه من السيدة عائشة ابنة صاحبه الأقرب أبى بكر الصديق صلي الله علية وسلم ، والسيدة حفصة ابنة صاحبه الثانىعمر بن الخطاب صلي الله علية وسلم ، وواحدة من اليهود (السيدة صفية) وواحدة قبطية (السيدة مارية) من مصر ، وقد أسلمتا بعد زواجه منهما . وكان لهذا الزواج آثار حميدة فى تأليف القلوب ، وتوطيد العلاقات مع أسرهن وقبائلهن .
ومن العوامل التشريعية وراء بعض زيجات الرسول صلي الله علية وسلم زواجه من زينب بنت جحش ، التى كانت متزوجة من متبناه زيد بن حارثة (وكانت عادة العرب تقضى بعدم زواج والد المتبنى من زوجته بعد تطليقها) فجاء الأمر القرآنى للرسول صلي الله علية وسلم بالزواج من زينب لإبطال هذه العادة . يقول الله تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) (سورة الأحزاب ، الآية 37).
وأخيراً يأتى العامل الإنسانى ، ويتمثل فى زواج الرسول صلي الله علية وسلم من بعض النساء اللاتى مات أو قتل أزواجهن ، ولم يكن لهن عائل . ومن المعروف أنه فى البيئة البدوية يكون من الصعب جداً حياة امرأة بمفردها دون عائل يرعاها . ومن الثابت أن بعض هؤلاء النساء كانت مسنة ، وغير مرغوب فى جمالها على الإطلاق ، مما يؤكد أن العامل الإنسانى كان وراء زواج الرسول صلي الله علية وسلم منهن .
وهكذا يتبين أن هناك عدة مراحل فى حياة الرسول . أولها مرحلة ما قبل الزواج (حتى 25 سنة) وقد كان فيها مثال الشاب المستقيم الملتزم والمبتعد تماماً عن كل الشهوات الحسية . ثم مرحلة الزوجة الواحدة التى استمرت مع خديجة (قرابة 25 سنة) ، ثم مع سودة بنت زمعة 4 سنوات ، وأخيراً تأتى المرحلة الثالثة (54 حتى 63) لتشهد هذا التعدد الذى اتضحت أسبابه السياسية، والتشريعية، والإنسانية.
يضاف إلى ذلك أن حياة الرسول فى بيته معروفة تماماً ، وقد كشفت عنها زوجاته فى أدق تفاصيلها . وهى كلها تثبت أنه كان كثير العبادة ، يطيل التهجد بالليل، وطوال النهار مهتماً بتبليغ الوحى ، وتصريف أمور المسلمين ، ومتابعة إنشاء الدولة الجديدة . ولا يخفى أن مثل هذه الاهتمامات لا تتفق مع إنسان شهوانى كما ادعى عليه ! !
ادعاء أن المصدر الثانى للإسلام (السنة النبوية)
مشكوك فيه لأن به كثيراً من الأحاديث
المكذوبة والموضوعة
الـرد
مهمة الرسول صلي الله علية وسلم تتمثل أولاً : فى تبليغ القرآن بكل دقة وأمانة ، تحقيقاً لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) (سورة المائدة ، الآية 67) . وثانياً : فى بيان وشرح القرآن . يقول الله تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (سورة النحل ، الآية 44) وهذا يعنى أن السنة هى بالفعل المصدر الثانى للإسلام . ومما هو ثابت تاريخياً أن أصحاب الرسول صلي الله علية وسلم كانوا يحفظون عنه كل أقواله وأفعاله وتقريراته ، وعندما حاول بعضهم تدوينها كتابة فى حياته منعهم من ذلك فى أول الأمر حتى لا تختلط بنص القرآن الكريم .
ونتيجة لذلك ، فقد التزم المسلمون من بعده بعدم كتابة السنة ، حتى بدأ أعداء الإسلام يكيدون له بوضع وتزييف أحاديث ينسبونها إليه ، وهنا وجه الخليفة الأموى عمر بن عبدالعزيز (ت 101 ه) أنظار علماء المسلمين لكى يجمعوا السنة النبوية الصحيحة . فاتجهوا بكل إخلاص إلى جمع السنة النبوية من كل شخص يحفظ شيئاً منها . وقد كان للإمام مالك دور هام فى هذا الصدد عندما ألف كتاب ” الموطأ ” وهو مجموعة أحاديث مرتبة فقهياً .
ثم تلت ذلك عملية فحص دقيق لأحوال هؤلاء الأشخاص ، وكذلك التدقيق الشديد فيما ينسبونه إلى الرسول صلي الله علية وسلم متتبعين بكل تفصيل الطرق التى أخذوا عنها . وفى هذا الصدد أنشأ علماء المسلمين علمين من أهم العلوم التى تحفظ السنة النبوية من التزييف والتحريف ، وهما : (علم الجرح والتعديل) الذى يبحث فيه عن أحوال الرواة ، وأمانتهم وعدالتهم ، وضبطهم ، أو ما يناقض ذلك من الكذب أو النسيان والغفلة . و(علم مصطلح الحديث) الذى يحدد وصفاً دقيقاً لدرجة كل حديث من حيث الصحة والحسن والضعف والتزييف والوضع ..الخ.
وجاء القرن الثالث الهجرى فشهد أكبر حركة علمية فى تأليف الموسوعات التى تحتوى على سنة الرسول صلي الله علية وسلم الصحيحة ، ومن أشهر من قام بهذا العمل البخارى (ت 256 ه) ومسلم (ت 261 ه) وقد جمع كل منهما ما صح لديه فقط من أحاديث الرسول صلي الله علية وسلم من بين عشرات الآلاف من الأحاديث التى كانت موجودة حينئذ. يضاف إلى ذلك ما قام به كل من ابن حنبل (ت 241 ه) وابن ماجه (ت 273ه) وأبى داوود (ت 275ه) والترمذى (ت 279ه) والنسائى (ت 303ه).
وبهذا العمل الكبير الذى لا يكاد يوجد له نظير فى أى ثقافة أخرى غير الثقافة الإسلامية ، أصبح مستقراً لدى المسلمين مدونة للسنة النبوية قام على أساسها ” علم الفقه ” الذى يبحث فى الأحكام التفصيلية للفرد والمجتمع .
ومما ينبغى الإشارة إليه ما قام به بعض علماء المسلمين من تأليف كتب خاصة بالأحاديث الموضوعة أو المكذوبة ، حتى يتنبه لها المسلمون . وهكذا فليس عيباً أن يقال : هذا حديث ضعيف أو موضوع ، وإنما العيب أن نعرف ذلك ونعمل به . ويعترف المسلمون جميعاً بأنه متى ثبتت لديهم صحة حديث أصبح من الضرورى العمل بمضمونه ، تبعاً لقوله تعالى (َمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (سورة الحشر ، الآية 7).



