المرأة التي تحمل العالم وحدها – الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد – مصر

المرأة… كيان مركب، أحيانًا هادئ، وأحيانًا صاخب، لكنها دائمًا تحمل أعباء لم يختبرها غيرها. في كثير من المجتمعات، المرأة ليست مجرد فرد، بل رمز للصمود، للعطاء المستمر، للحب الذي لا ينتهي. تحمل العالم في قلبها، بين أحضانها، وبين قراراتها الصامتة، التي تصنع الفارق في حياة كل من حولها.
في صباح عادي، قد تصحو المرأة وهي تعلم أن عليها أن تواجه تحديات غير مرئية: توازن العمل والمنزل، الاهتمام بالآخرين قبل نفسها، مراقبة تفاصيل حياتها اليومية بدقة شبه مستحيلة، بينما تحارب صمت المجتمع حول ما تبذله من جهد. كل خطوة تقوم بها هي محاولة للحفاظ على التوازن، وكل ابتسامة تمنحها هي علامة صمود، ولو بدا ذلك عاديًا للآخرين.
المرأة التي تحمل العالم وحدها لا تفعل ذلك لأنها ترغب في ذلك، بل لأن الظروف تتطلب منها أن تكون قوية، صامدة، واعية لكل لحظة. هي من تُعلم أبناءها معنى الحب الحقيقي من خلال صبرها، ومن تُصنع الحياة حولها رغم الألم، ومن تمنح نفسها أقل قدر من الوقت لتعيد ترتيب طاقتها، لأن العالم لا ينتظر، والحياة مستمرة مهما انهارت القلوب.
لكن هناك جانب آخر لهذه القوة: الوعي العميق بأنها غير مضطرة لإثبات شيء لأحد. الصمود ليس عرضًا للناس، ولا وسيلة للحصول على احترام، بل هو عملية داخلية للحفاظ على كيانها، على روحها، على إنسانيتها. المرأة تعرف أن قوتها ليست في أن تكون مرئية دائمًا، بل في قدرتها على الاستمرار، على العطاء، على النهوض بعد كل سقوط.
المرأة التي تحمل العالم وحدها تعلم أيضًا كيف تكون رحيمة بنفسها. فهي تدرك أن الكمال وهم، وأن الإرهاق جزء من المعركة اليومية، وأن السماح لنفسها بالخطأ، بالراحة، بالدموع أحيانًا، ليس ضعفًا، بل شهادة على إنسانيتها. الصمت الذي تختاره أحيانًا ليس استسلامًا، بل مساحة لتجميع قواها، لإعادة ترتيب أفكارها، للتحضير للمعركة التالية التي لا يعلمها أحد سوى قلبها.
المرأة التي تحمل العالم وحدها، في النهاية، ليست مجرد صورة صمود أو رمز قوة، بل درس حي: أن الحب، والكرامة، والإرادة يمكن أن تنبثق من قلب واحد، حتى في أحلك اللحظات. هي التي تعطي بدون انتظار المقابل، تحمي بدون طلب اعتراف، وتحيا رغم كل شيء، لتثبت أن الإنسان قادر على مواجهة العالم بأكمله، وأن الصمود الحقيقي لا يحتاج ضجيجًا، بل صمتًا هادئًا وثقة داخلية لا تنكسر.
—





