مقالات اجتماعية

علي الوردي:مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث- ولادةٌ مُجهَضة لأول مثقف ديني عراقي-عبدالجبار الرفاعي (ملف صوتي)

(٦) المثقَّف النقدي غير المثقَّف الأيديولوجي

علي شريعتي مثقَّف أيديولوجي، أما علي الوردي فمثقَّف نقدي. يبدو للوهلة الأولى أن شريعتي والوردي متشابهان في المنهجِ والتفكيرِ والرؤية للعالَم والمواقف، لكن ما يسود أعمالَ الوردي عقلانيةٌ نقدية لا تخلو من انطباعاتٍ ذاتية، ما يسود أعمالَ شريعتي التبشيرُ بأيديولوجيا الثورة، وتوظيفُ تراث الإسلام والنصوص الدينية في التحريض على النضال والتضحية، عبْر استلهام مواقف الشخصيات الثورية في الماضي والحاضر، في سياق انطباعاتٍ ذاتية. وإن كانت أعمالُ علي شريعتي لا تفتقر للنقد العقلاني، والتفسير والتحليل العلمي. عندما نقرأ آثارَ كلٍّ منهما، ونتعرَّف على مواقفه، نرى الاختلافَ بينهما واضحًا. لم يكن علي الوردي داعية، بل كان باحثًا يُحاول أن يتحرَّى الحقيقةَ في آثاره، ويسعى لأن يكتشفَ شخصيةَ الفرد والمجتمع العراقي، في ضوء ما تُوصله إليه مناهجُ البحث الاجتماعي، وفهمُه وانطباعاتُه الخاصة.

لم ينخرط الوردي في جماعةٍ سياسية، ولم يكن في يومٍ ما منظرًا أيديولوجيًّا أو مبشرًا، أو خطيبًا حماسيًّا، ونادرًا ما كان يحاضر في الجامعات والمنتديات والحسينيات، أو يشارك في ندوات ومؤتمرات، أو مقابلات ومقالات في الصحف والمجلات داخل العراق وخارجه. السبب في ذلك لم يكن مزاج الوردي وطبيعة شخصيته فقط، بل موقفُ النظام السابق في العراق من تفكيره العقلاني الحر، ونقدُه الشجاع الذي لا يطيقة كلُّ نظام شمولي.

لم تتضمن أعمال الوردي تحريضًا على التضحية بالنفس من أجل العقيدة، بالمعنى النضالي المتداول في أدبياتِ اليسار الأممي، واليسار القومي، وأدبياتِ الجماعات الأصولية، إلا أن بعض الفقرات في كتاباته تطغى فيها حماسةٌ لا تختلف أحيانًا عن حماسة المبشِّرين، ورؤيةٌ لا تغور عميقًا في إدراك الواقع المعقَّد، وفهمٌ سريع لعملية التغيير الاجتماعي المركَّب. ربما يقع الوردي في تفاؤلٍ وأملٍ مُفرِط بالمستقبل، كما حدث في رهانِه على ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨م، واعتقادِه بأنها غيَّرَت المجتمع ونقلَت العراقَ إلى الالتحاق بمسار التقدُّم. بعد سنواتٍ قليلة كشف المستقبل عن أن هذه الثورةَ كانت بدايةً مريرة لمسارٍ نكوصي انحطاطي أنهك الدولة، وساق الشعب لمجازر حروبٍ عبثية. منذ انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣م، للحرس القومي، ارتُهن حاضرُ العراق ومستقبلُه بيد جماعة من الضباط، حتى سقط بيدِ صدام حسين وأوهامِه الإمبراطورية، وحمقه وتوحُّشِه الذي قاده لأن يُهدر أرواحَ العراقيين في حروبٍ طائشة، ويعمل على تهديم كلِّ ما تم بناؤه من مرتكزات الدولة. لم يتخلص علي الوردي من أثر الأيديولوجيا إلا في مرحلةٍ لاحقة من حياته؛ فقد تأثر في بداياته بما يُسمَّى ﺑ «الاشتراكية الإسلامية»، ثم «الاشتراكية الفابية»، قبل أن يصبح «ليبراليًّا براغماتيًّا»، كما يحدِّثنا تلميذُه إبراهيم الحيدري.٧

لم يكن علي الوردي داعيةً لأيَّة ثورة بالمعنى النضالي المتداول، بخلاف علي شريعتي الذي كان أحدَ أبرز دعاة الثورة الدينية في القرن العشرين في عالَم الإسلام، إلى الحدِّ الذي كانت فيه محاضراتُه وخطبُه وآثارُه المكتوبة أحدَ منابع إلهام الثورة الإسلامية في إيران خارج الحوزة، وذلك ما دعا أتباعَه لخلع لقب «منظِّر أيديولوجيا الثورة» عليه. كلُّ من يحاول التعرُّفَ على هذه الثورة وما واكبها من مخاضراتٍ يرى بوضوحٍ أثرَ علي شريعتي في التمهيد لها، ودورَ خطاباته وكتاباته في تعبئةِ الشعب، وحضورِ الجماهير الاحتجاجي الواسع ضدَّ نظام الشاه. كانت جهودُ شريعتي شديدةَ الفاعلية والتأثير بوصفه مُنظِّرًا أيديولوجيًّا، وأستاذًا جامعيًّا، وداعيةً، وخطيبًا حماسيًّا، تكتظ «حسينيةُ إرشاد» والشوارعُ المحيطة بها لحظة يعتلي المنبر. علي الوردي لم يتَّخذ من الحسينيات منبرًا، ولم يخطب فيها مثلما كان يفعلُ شريعتي. لم يكن الدينُ حاضرًا في أعمال الوردي بكثافة حضوره في أعمال شريعتي، ولم يتخذ من الدين الركيزةَ الأساس في كتاباته، يتحدث الوردي عن الدين بوصفه ظاهرةً مجتمعيةً تتأثر بكلِّ أحوال المجتمع وظروفه.

يُشدِّد شريعتي على التضحية بالنفس من أجل العقيدة، ويُقدِّم تفسيرًا للشهادة بوصفها هدفًا لا وسيلةً، بقوله: «الشهادة في قاموسنا درجة؛ فهي ليست وسيلةً إنما هي هدف، إنها أصالة وتكامل وسمو، إنها مسئوليةٌ كبرى وصعودٌ من أقصر الطرق إلى معارج الإنسانية، إنها منهج. في جميع العصور إذا ما هُدِّدَت عقيدة بالانهيار فإن أنصارها يدافعون عنها بالجهاد، ويضمنون استمرارهم واستمرارها بقوة الدفاع والنضال، وإذا ما عجزوا عن النضال، ولم يمتلكوا وسائل الدفاع، وضعفَت لديهم الإمكانات، فإنهم سيحافظون على إيمانهم وعزَّتهم ومستقبل تاريخهم بالشهادة. الشهادة دعوة لكل الأجيال في كل العصور: إذا استطعَت فانتزع الحياة، وإلا فقدَّمها.»٨

الدينُ وتمثُّلاتُه أمس واليوم في حياة المجتمعات، والمجتمع الإيراني بالذات، هو المحورُ الذي تلتقي فيه محاضراتُ شريعتي وكتاباتُه، كلُّ شيء في أعماله ينتهي بالدين أو يبدأ منه، الدينُ والشأنُ الديني هو البصمة الموشَّاة فيها آثارُه. هذه ميزةٌ لا ينفرد فيها علي شريعتي، بل نراها ماثلةً في محاضرات وكتابات أكثر المفكرين والشعراء والأدباء وحتى الفنانين الإيرانيين، أكثرُ الشعر الفارسي يتعطَّر بنكهة العشق الإلهي، الموسيقى الإيرانية سحرُها في ألحانها العرفانية، الفكرُ الإيراني أحد منابع إلهامه الشعرُ الفارسي، منه يستقي مادتَه ولغتَه وأمثلتَه وأحيانًا محاججاته، كثيرًا ما ترتسمُ صورُ هذا الشعر بأحاديث الروح، وتكتبه لغةُ القلب، ويحضُر فيه صوتُ هُويةٍ قومية ليست مكشوفةً عند حافظ الشيرازي وأمثاله، وميثولوجيا قومية اصطفائية مكشوفة في «شاهنامة» الفردوسي وأمثاله.

كان علي شريعتي مثقَّفًا رسوليًّا، كرَّس جهودَه لترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا، وحاول أن يعمل على تحويل الدينِ من ثقافةٍ إلى أيديولوجيا. أدرك شريعتي أن تفسيرَه الثوري للدين يتطلَّب قراءةً أيديولوجية، الدين كما يرى هو يفتقر إلى مثلِ هذه القراءة، فعكف على إنجازها في أعماله، كما يقول: «سألني أحد رفاق الدرب: ما هو برأيك أهمُّ حدثٍ وأسمى إنجازٍ استطعنا تحقيقه خلال السنوات الماضية؟ فأجبته: بكلمةٍ واحدة، هو تحويل الإسلام من ثقافةٍ إلى أيديولوجيا.»٩ حرص شريعتي في كل كتاباته ومحاضراته على بناءِ فهمٍ ثوري للدين، وقراءةٍ نضاليةٍ لنصوصه؛ لذلك طبعَت الأيديولوجيا بصمتَها في آثاره.

لا أعني بالأيديولوجيا حيثما وردَت «علم الأفكار»؛ أي دراسة الأفكار دراسةً علمية، وهو المعنى الذي وضعَ له المصطلحَ بعد الثورة الفرنسية أنطوان دستيت دو تراسي. أعني بالأيديولوجيا: الفهم غير العلمي للواقع، الذي تفرضه معتقداتٌ مغلَقة. وهذا الفهم متداول في كتاباتٍ كثيرة. الأيديولوجي كالواعظ لا يتيح لك أن تتساءل وتتأمل ما يقول، يقدِّم لك قناعاتٍ جاهزةً وأقوالًا خارج سقف النقد والمناقشة. يُغالي شريعتي بوظيفة الأيديولوجيا، لترتقي لديه إلى مرتبة تصير فيها وصفةً تعالج تشوُّهات وأمراض المجتمع، وتمنحه مجموعةَ أحلامه صفقةً واحدة، فهو لا يني يُشدِّد على أخلاقيةِ الأيديولوجيا، وابتكارِها لقيمٍ جديدة، وأثرِها السحري في المحو والإثبات، وصياغةِ مجتمعٍ مثالي.

الأيديولوجيا لا تصف الواقع ولا تفسره، الأيديولوجيا انتقائية تلتقط بعض الصور وتعالجها بطريقتها الخاصة في المخيال، وتُوظِّفها في الاعتراض والتحريض والاحتجاج وتأجيج الغضب العام. المخيال هو الحبل السُّري الذي تتغذَّى منه كل الأيديولوجيات. لم يتنبه شريعتي إلى أن تفشِّي الأيديولوجيات اليسارية والقومية والأصولية في مجتمعاتنا، أنتج عقلًا مغلقًا مُتحَجِّرًا، يفسِّر كلَّ شيءٍ بشيءٍ واحد، ويبثُّ وعودًا وأحلامًا رومانسيةً خلاصية، منقطعةَ الصلة بالواقع، يُنتِج ذلك العقلُ مفاهيمَ وشعارات، بمرور الأيام تصبح معتقداتٍ راسخة مسيَّجة بأسوارٍ مُقفَلة، وكأنها سجونٌ يُولَد ويترعرع في داخلها أتباعٌ لا يطيقون العيشَ خارجَ أسوارها، تُمسي الأيديولوجيا مادَّةً لأذهانهم ومشاعرهم، ويُمسون هم مادَّةً لها.

الأيديولوجيا نسقٌ مغلَقٌ، يغذِّي الوعيَ بمعتقداتٍ ومفاهيمَ ومقولاتٍ جزميةٍ نهائية، تعلن الحربَ على أيَّة فكرةٍ لا تُشبِهها، تنتهي إلى إنتاج نسخٍ متشابهةٍ من البشر، وتجييش الجمهور على رأيٍ واحد، وموقفٍ واحد. يتبنَّى الأيديولوجي نموذجًا تفسيريًّا مسطَّحًا أُحاديًّا، يمنحه شعورًا مزوَّرًا بأنه قادرٌ على الفهم الدقيق والتحليل العميق لكلِّ شيء، وأن أفكارَه مبتكرةٌ فريدة، ويُوحي له ذلك التفسيرُ بنزعةٍ رسوليةٍ خلاصية، وشخصيةٍ نبويَّةٍ إنقاذية. ويلبث غارقًا لا يستفيق من عبوديته للأيديولوجيا، حتى كأن سعادته في عبوديته هذه.

نقدُ استعمال شريعتي الدين كأيديولوجيا، لا يعني التنكرَ لكفاح شريعتي وتضحيته، الذي يفرض عليَّ وعلى كلِّ مَن يقرأ أعمالَه، ويكتشف سيرتَه ومواقفَه، احترامَه وتبجيلَه وتخليدَه، والاحتفاءَ بشجاعته وشهامته وصدقه. عندما قرأتُ سيرة شريعتي الفارسية لحظة صدورها بجزأَين قبل سنوات، كتبَتها رفيقةُ دربه بوران شريعت رضوي زوجتُه، كنتُ أتمثل مواقفَ هذا المثقَّف الشهم الغيور على الإنسان، تألمتُ جدًّا لما تعرَّض له من اضطهاد ومطاردة وتشريد، ما اضطَره للهجرة متخفيًا للمنفى سنة ١٩٧٧م، ووفاته المفجعة بعد وصوله لندن بمدة قليلة، وهو بعمر ٤٤ عامًا.

على الرغم من أن عقلَ علي شريعتي وقع أسيرًا للأيديولوجيا، غير أن قلبَه لبث قلبَ عاشق، كأن شخصيته تلتقي فيها الأضداد. ظل شريعتي منحازًا للضحايا كلَّ حياته، يشدو آلامَ المحرومين، يصرخ بمظلومية المعذبين، يبكي جراحَ أرواحهم النازفة، لم يُرهبه السجنُ الانفرادي في زنزانةٍ كئيبة. أودُّ الاشارة إلى أن أفكار هذا المقال وُلدَت بعد أن قرأتُ آثار علي شريعتي الصادرة بالفارسية، قبل أكثر من ٣٠ عامًا.

(٧) الوردي ناقدًا لأفكاره

شهد العراقُ بعد منتصف القرن الماضي صراعًا أيديولوجيًّا منفعلًا بين حركاتٍ يساريةٍ أممية، وحركاتٍ قوميةٍ ودينية، انعكس هذا الصراعُ على النخبة وتسرَّب إلى فضاء الجامعات بشكلٍ واسع، وتنوَّعَت المواقفُ الأيديولوجية والسياسية للأساتذة والتلامذة بتنوع هذه الحركات، كلٌّ منهم كان ينحاز لأحدِ الجماعات برأيه ومواقفه أحيانًا، وإن لم يكن منتظمًا في صفوف هذه الجماعة عمليًّا، لم تلتزم الحيادَ الأيديولوجي والسياسي إلا أقليةٌ قليلة ذلك الوقت.

لبث علي الوردي غريبًا، يرفضه المجتمعُ؛ لأنه أصرَّ على نبذ أكثر القيم العشائرية المكبِّلة للمجتمع. ورفضَته المؤسسةُ الدينية؛ لأنه لم يشأ التصالحَ مع المفاهيم الدينية المغلَقة المناهضة للتطور وبناء الدولة الحديثة. ويرفضه اليسارُ الأممي، والقومي؛ لأنه يكشف زيفَ أكثر شعاراتهما الرومانسية اللاواقعية، ولا يقبل أدبياتهما الأُحادية، ويفضح طمسَهما للذات الفردية في الحزب والجماعة التنظيمية. لا يتردَّد الوردي في الحديث عن التهافت بين «قوقعتهما»١٠ وانكفائِهما على كتلتهما الحزبية، ودعوتِهما المثالية الحالمة بالأممية العالمية، أو الوحدة على أساس الهُوية القومية العربية. ورفض المجتمعُ الورديَّ، بوصفه أصَرَّ على نبذ القيَم العشائرية المكبِّلة للمجتمع. ورفضَته المؤسسةُ الدينية؛ لأنه لم يشأ التصالحَ مع المفاهيم الدينية التقليدية المُناهِضة لقيَم المدينة والدولة الحديثة.١١

لم يصمت علي الوردي، على الرغم من أنه لم يتموضع في أيَّةِ جبهة، اختار موقفًا وضع فيه نفسَه في مواجهة الكل، استطاع أن يتخطَّى كلَّ هذه الأيديولوجيات. كان ناقدًا لكلِّ الجماعاتِ السياسيةِ في العراق، ناقدًا للماركسية، ناقدًا للجماعات القومية، ناقدًا للتشدُّد الديني، ناقدًا لوعَّاظ السلاطين، بل ناقدًا لأفكاره. هذا الموقف النقدي جعل الوردي غريبًا، لا تتحمَّس أيَّةُ جماعةٍ أو مؤسَّسةٍ حكومية لترويج أفكاره، وتعرَّضَت أعمالُه لموجةِ سخطٍ قاسية، تمثَّلَت بكتاباتِ أدباء ورجال دين وسياسة، وشائعاتٍ وأباطيل ظلت تلاحقه بين الناس، وكان لتلك الموجةِ أثرٌ بالغٌ في ترويج كتاباتِه المدوَّنةِ بلغةٍ ميسَّرة يفهمها القُراءُ بمختلف مستوياتهم.

في كلِّ محطات حياته كان علي الوردي منحازًا للعقلانية النقدية، ومدافعًا عن حريات الإنسان وحقوقه، لم يقتنع بالشعارات الأممية لليسار التي وقع في فتنتها أكثرُ الشباب، ولم يتورَّط بالتفكير الأيديولوجي السياسي المغلَق للجماعات القومية أو الدينية، ولم يتبنَّ موقفًا ثوريًّا بالمعنى النضالي الذي يدعو إليه اليسارُ الراديكالي والأصولي، كان ديمقراطيًّا يدعو لثورةٍ عقليةٍ علمية. تصف لاهاي عبد الحسين أستاذَها الوردي بقولها: «الوردي عالِمُ اجتماعٍ تحرُّري ديمقراطي تنويري مدني، أثرى المكتبةَ والوعي الجمعي العراقي بتحليلاتٍ ملهمة، ووجهاتِ نظرٍ غيرِ مألوفةٍ، للتأملِ في واقعِ المجتمعِ والظواهرِ الطارئةِ فيه.»١٢

لم يلجأ علي الوردي للتمويه، واللعبِ على الكلمات، وقولِ نصف الحقيقة، أو التخفي خلفَ مجازاتِ الكلمات، وكناياتِ العبارات. كان يخاطب الناسَ بلغتهم المحكية، لم يوظِّف ألفاظًا غيرَ متداوَلة في علاقاتهم ومعاملاتهم، أو يلجأ لمفرداتٍ غيرِ مُستعمَلة في محادثاتهم اليومية، مثلما يفعل بعضُ الكُتَّاب الذين ينسجون نصوصَهم من كلماتٍ غريبة، وربما ميتة يلتقطونها من معاجم اللغة، فتفتقد الكلماتُ قدرتَها على إيقاظ المعنى لدى المتلقي؛ لأنها تفتقرُ للتدفُّق العفْوي والتبادر الذي يُحضر المعنى سريعًا في ذهن المتلقي.

نادرًا ما نقرأ لباحثٍ يمتلك شجاعةَ الوردي وجرأتَه في نقد نفسه، وأندَرُ من ذلك أن نقرأ اعترافاتٍ يعلن قائلُها فيها عن أخطائه العلمية وتعجُّله وتناقضاته في إصدار أحكامه كعلي الوردي. بعد أن أشار الوردي إلى كتبه ومحاضرات السابقة لدراسة طبيعة المجتمع العراقي أعلن بصراحة: «قصدي من ذكر هذه البحوث السابقة هو لفتُ نظر القارئ إلى أن الآراء التي وردَت فيها ليست نهائية. فُقد البعض منها، وأبقيتُ البعض الآخر على حاله، وهذا أمرٌ لا أعتذر عنه. البحث العلمي من شأنه التغيير والتطوير؛ إذ هو يسير في ذلك تبعًا للمعلومات التي يعثر عليها الباحث مرةً بعد مرة؛ ولهذا أرجو من القارئ ألَّا يستغربَ حين يجدني في هذا الكتاب أقول برأيٍ مخالفٍ لما جاء في بحوثي السابقة. الواقع، أني من خلال دراستي الطويلة للمجتمع العراقي، قد ناقضتُ نفسي كثيرًا. وربما أخذتُ اليوم برأي، وتركتُه غدًا، ثم رجعتُ إليه بعد غدٍ. وقد لاحظ الطلاب ذلك مني؛ حيث وجدوني أغيِّر منهج الدراسة عامًا بعد عام. ولستُ أستبعدُ بعد صدور هذا الكتاب، أن أغيِّر كثيرًا من الآراء التي وردَت فيه. وربما شهد القارئ في كتبي القادمة آراءً مناقضةً لها.»١٣ لم يقفز علي الوردي في أعماله على حقائق الواقع، ولم يتجاهل الزمانَ والمكانَ والسلطة واللغة والثقافة والمحيط وكلَّ ما يصنع التاريخ، إنه منهجٌ يتبصَّر تاريخيةَ المعتقَد ويكتشف سياقاتِ تشكُّله، ويزيل الغبارَ عن صوره المتنوعة عبْر محطاته.

(٨) مركزية الشعر في الثقافة العراقية عند الوردي

علي الوردي يتقن مهارةً إنشائية ينفرَّد بها؛ فهو يكتب في السوسيولوجيا والأنثربولوجيا والسيكولوجيا، ويصف ويُحلِّل وينقد مختلفَ الظواهر في المجتمع العراقي بأسلوبٍ مباشر، يفهمه كلُّ الناس، بما يسوقه من أمثال وحكايات وفلكلور، بلغةٍ لا تخلو من تهكُّمٍ وسخريةٍ لاذعةٍ أحيانًا، كأنه يتحدث في مقهًى قديم يُدمِن روَّادُه الإصغاءَ له بوصفه قصَّاصًا. يختتم الوردي مقدمتَه لكتابه «أسطورة الأدب الرفيع» متهكمًا بقوله: «وصف أحد الأدباء كتبي السابقة كجُبة الدرويش ليس فيها سوى الرُّقَع. وأظن أنه سيصفُ كتابي هذا بمثل ذلك. ولستُ أرى في ذلك بأسًا؛ فخير لي أن أكون رقَّاعًا أخدم الناس بالملابس المهلهَلة، من أن أكون خياطًا ممتازًا أصنع الملابس المزركَشة، التي لا تُلائم الأجساد، ولا ينتفع بها أحد.»١٤

لم أقرأ لعالمِ اجتماعٍ كتابةً باللغة المتداوَلة في تخاطب الناس ومحادثاتهم اليومية في مختلف القضايا كعلي الوردي، لا يكفُّ في كتاباته عن الإثارة والتحرُّش بتابوات الدين والعشيرة والسلطة ومؤسَّساتها المتنوعة. تظهر براعةُ الوردي في انتخاب عناوين كتبه، كأنها لافتاتٌ تحريضية، مثل: «وعَّاظ السلاطين»، «أسطورة الأدب الرفيع»، و«مهزلة العقل البشري».

لبث علي الوردي غريبًا، يرفضه المجتمعُ، ولم تتسع الثقافةُ العراقيةُ لفكره، كلُّ شيءٍ في هذه الثقافة متمركزٌ حول الشعر. لا نحتاج إلى المزيد من الشعر والكتابة الغزيرة عنه، أغلبُ ما يُكتب ويُنشر عن الشعر تكديسُ كلام على كلام، وليس شعرًا بالمعنى الذي تتكشَّف فيه رؤيا مبدِعة، ومعرفةٌ مكتنزة، وبصيرةٌ ملهمة. نادرًا ما نقرأ اليوم شعرًا يلوح لنا فيه أنه يختصر معرفةً في جملة، وجمالًا في لوحة، وكلماتٍ في كلمة.

أخيرًا بدأت الثقافةُ العراقيةُ تنفتحُ على الرواية بجدِّية وغزارة، وهو تحوُّل في الاتجاه الصحيح. الروايةُ تتسع لكل الأجناس الكتابية، وتتغذَّى من مختلف المعارف البشرية، الروايةُ الخالدة هي ما يكشف للقارئ أعماقَ الإنسان، ويفضح تناقضاتِه الداخلية. الروايةُ تُفتضح فيها تابواتُ المجتمع، وما تُخفيه الأعرافُ والتقاليد والثقافة المحلية، وتفسِّر فاعليةَ الهويات وأثرَها في الثقافة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، وأثرَ المخيال في الثقافةِ الجمعية وأنماطِ التدين وتمثُّلاتِ الدين المتنوعة في حياة الفرد والجماعة. وتنقب في أرشيف اللاوعي الجمعي، والمستور الذي يتكتَّم عليه ظاهرُ العلاقات في العائلة والمجتمع والدولة، والأهداف المضمَرة للسلطات السياسية والدينية والحزبية والعشائرية.

تجلَّت غربةُ علي الوردي الأقسى بحضوره في هذا اللون من الثقافة العراقية، ثقافةٌ يتمركز كلُّ شيء فيها حول الشعر، ثقافةٌ متيَّمةٌ بالشعر إلى الحد الذي قلَّما تحتفي فيه بمعرفةٍ أو فكرٍ أو ثقافةٍ لم يمسَسْها الشعر، ولا يندرج في اهتماماتها أيُّ صاحب مُنجَز فكري إن لم يكن أديبًا وشاعرًا، وغالبًا ما لا تصنِّفه على الثقافة، وربما تبخل عليه حتى بعنوان «مثقَّف»، ولا يدخل في اهتمامها وندواتها ومنتدياتها ومهرجاناتها من لم يكن شاعرًا، أو عاشقًا أو صديقًا أو متذوقًا للشعر والأدب.

انشغلَت الثقافةُ العراقيةُ ببعضِ شعراء القصيدة العمودية إلى الحد الذي صارَ فيه كلُّ من يطمح أن يكتسبَ عنوانَ مثقَّف عليه أن يحفظَ بعضَ قصائدهم المحاكية لشعر العصر العباسي، ويكتبَ عنهم. لم يحضُر السيابُ كحضور هؤلاء الشعراء، وكأن السيابَ عُوقب لأنه تجرَّأ على التمرُّد على ميكانيكية القصيدة العمودية فكسر تصلُّبها، ولأنه انتقل بالشعر العربي إلى أفقِ العصر، وذوقِه الفني، ولغتِه الرمزية، وكثافةِ معانيه، واتساعِ رؤيته.

لم يكن علي الوردي شاعرًا، ولم يُعرف عنه ارتيادُ منتديات الشعراء، ولم يكتب مديحًا لشعر أو شاعر، حتى تعاطي الشواهد الشعرية شحيحٌ جدًّا في كتاباته، كان على الضدِّ من توثين الشعر والأدب وتسيُّده في الثقافة العراقية. بأسلوبٍ تهكُّمي في: «أسطورة الأدب الرفيع» يكتب الوردي تصديرًا لكتابه هذا بقوله: «أُهدي كتابي هذا إلى أولئك الأدباء الذين يخاطبون بأدبهم أهل العصور الذهبية الماضية، عسى أن يُحفِّزهم الكتاب على أن يهتمُّوا قليلًا بأهل هذا العصر الذي يعيشون فيه، ويخاطبوهم بما يفهمون؛ فلقد ذهب عهد الذهب، واستعاض عنه الناس بالحديد!»١٥ لا يكفُّ الوردي عن نقدِ الشعر القديم والدعوةِ لتجاوزه، بوصفه مرآةَ العصر الذي أنتجه بكلِّ ما يَحفِل به. بلغَت الجرأةُ به أن يزدري «طريقة الاستجداء لكسب العيش»، وطريقة تكسُّب أكثر الشعراء، ويعلن بصراحة: «إنهم شحَّاذون، ويدَّعون بأنهم ينطقون بالحق الذي لا مراء فيه، والويل لمن يجرُؤ على مصارحتهم بالحقيقة المرة، أو تكذيبهم فيما يقولون.»١٦

بلغ تمركُزُ الثقافة العراقية حول الشعر، والاستنادُ إليه كمرجعية في تصنيف كلِّ ما يتصل بالإبداع والتأليف والكتابة، أن حدَث قبل عامَين أن خصَّصَت إحدى الصحف الثقافية ببغداد مِلفًّا استوعب كلَّ الصفحات لعددَين، بعنوان: «لماذا نكتب؟»، استَكتبَت فيه الصحيفةُ عشراتِ الشعراء والأدباء من العراقيين وغيرهم، ولم تستكتب فيه أيَّ صاحبِ منجزٍ فكري لامع، أو كاتبٍ معروف. سألتُ صديقي المحرِّر: لماذا لم تطلبوا من غير الشعراء والأدباء الإسهامَ في محور صحيفتكم حول الكتابة، فأجاب: نحن نريد بالكتابة في السؤال «الكتابة الإبداعية» خاصة. قلتُ له: بناءً على ما تقول، ينبغي أن نُسقِط مُنجَزًا رائدًا لفقيه ومفكر مثل محمد باقر الصدر، أو لعالم اجتماع مثل علي الوردي، ومن بقامته أمثال فالح عبد الجبار؛ لأننا نبخل عليهم بتوصيف كاتبٍ مبدع! وأخيرًا لم يقتنع المحرِّر بما قلتُه، مثلما لم أقتنع بما قاله.

لم ينشغل الوردي بنقاشاتِ وردودِ التُّهم المُثارة ضدَّه، وثرثراتِ الوعَّاظ الذين أغاظهم كتابُه «وعَّاظ السلاطين» وكتاباتُه الأخرى، ولم يكترث بهذر بعض الأدباء والشعراء الذين امتعضوا من كتاباتِه المثيرة عن الشعر، وسخريتِه ﺑ «الأدب الرفيع». في حالاتٍ استثنائية كان يُصغي لبعض الباحثين الجادِّين، كما فعل مع عبد الرزاق محيي الدين، الذي كتب نقدًا لآراء الوردي في الأدب، فأجابه بسلسلة مقالاتٍ نشرها في كتابه: «أسطورة الأدب الرفيع». يشير الوردي إلى قصة تأليفه كتابه «أسطورة الأدب الرفيع» فيقول: «بدأت القصة منذ بضعة أشهر؛ حيث كنتُ قد نشَرتُ في جريدة الحرية بعضَ المقالات، نعَيتُ فيها على الأدباء تمسُّكَهم بالتقاليد الأدبية القديمة، وقلة اهتمامهم بما يحدث في هذا العصر من انقلابٍ اجتماعي وفكري عظيم. فهبَّ الأدباء من جرَّاء ذلك هبةً واحدة، وأخذوا ينتقدونني ويتهجَّمون، ويصولون ويجولون، فلم أجد بُدًّا من الرد عليهم بمناقشة الآراء التي جاءوا بها … ولسوف أقتصر في هذا الكتاب على إعادة نشر مقالات الدكتور محيي الدين وحدها، تلك التي نشرتُها في جريدة البلاد، وكان لها صدًى بين القُراء لا يُستهان به. ومقالات الدكتور هذه، والحق يُقال، من خير ما كُتب في الموضوع. فهي تمثل وجهةَ نظرٍ جديرةً بالدرس والعناية. وأحسبُها لا تخلو من أصالة.»١٧

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading