مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

الإجلاء بدلا من التفكير – رامي الحلبي

Gemini Generated Image 2p8d6l2p8d6l2p8d

تعثر انطون تشيخوف بخوف كبير، هو لحظة إدراك أنه قد يموت قبل أن تتحسن أحوال بلده، ولأن الضمير قد توقف عن الإحتجاج حسب ما يقوله ماكس ويبر، وإذ ترى  حنة أرندت أن ذالك يحدث لو كان الشر كيانا إداريا مُسيطر، وعليه يطرح تشارلز بوكوفسكي تساؤل جوهريا غاية الأهمية… هل تتذكر من كُنته قبل أن يخبرك العالم من يجب أن تكون؟.

إحتج تشيخوف على لحظته التى وقف فيها مكبلا بالقيد يستشرف مستقبل الأجيال القادمة متخيلا كم اللعنات التي يستحقها!، عندما لايكون هناك مجال للمقارنات لأن القادم على وجه واحد، عقل واحد، آراء واحدة، حيث لا عقدة نقص لصيقة بنا يمكن وصفها والشعور بها بل نقص كامل مع غياب المشكلة المحسوسة، ذلك لأن الضمير في وقت المقارنات السابقة  نام أو أجلى التفكير في اللحظات المصيرية، ذلك يحدث وعلى عكس ما يوحي به تساؤل تشارلز بوكوفسكي أن على الإنسان أن يعود لما كانه أو على الأقل عليه  تذكر ذلك قبل أن يسيطر عليه التعود ويدير محتواه، يحدث لأن الإنسان تعمق في ذاته أكثر من ما يجب، هو هوس بالذات أولا وأخيرا  كما يُعرفه جاك لاكان.

يقول مالك بن نبي أن وسائل العصر الحديثة تثير فينا شعور بالنقص وتولد لدى الإنسان الغربي مظاهره الفوقية فيُخيل له ولنا أن هذا هو الطبيعي وأن تلك مسارات الأقدار، والحقيقة أن  كل هذا لم يكن إلا وهم، فعن صديق فرنسي تحدث بن نبي : بنبرة متعالية سأله روجيه جارودي عن حضارته الإسلامية المنقطعة!، فأجابه مالك بن نبي بأنه لم يدرك أبدا أن هذا التصور ممكناً، جارودي أراد طعن بن نبي خلال ممارسة هيمنة التفوق على عقله، لكن بن نبي رد عليه الخناق بإثبات أنه عبر تصوره الشخصي ان هذا لم يحدث فهو في ذاته استمرار للحضارة فيه وعدم قطيعة بالضرورة. ما حدث أن الغرب الحديث هو ناتج  إشكالية العصور المظلمة وقد نسى محنته السابقة وغل فيه شعوره بنفسه أكثر فأصبح لا يرى أحد سواه، يشير لاكان لتلك المعضلة، الإعتداد بالنفس والحكم على الآخرين من خلال النفس والذات، فيُفقد الآخر ويصير تصور واهما، وبطريقة عكسية في المقابل إذ تتبع الفلسفة الشرقية أصول المنطق السوسيولجي الصحيح، أن الآخر مرآة النفس، لكن بكثير من المبالغة وكثير من الإيهام، يُتصور أن الآخر هو الحكم النهائي على الذات مع غياب فرص التساوى أو التهيئة المجتمعية وعن طريق مدخلات معرفية بعيدة عن القيمة تتمثل في وسائل التطور المادي البعيدة كل البعد عن بعد الإنسان.

الأمر كله متعلق ب(السلطوية)، سلطة الذات، سلطة الآخر، وسلطة الأدوات، في مقاله الأخير على منصة العربي الجديد، عبر الناشط أحمد دومة عن الإنهزام ولما يتحول من فرضية وظاهرة تنظيرية إلى بنية مجتمعية وقد حلل هذا الشأن من منطلق علم النفس. فبالنظر إلى البنية الإجتماعية لأي مجتمع مقهور نفسيا  نجد أن الذات مهمشة بأمر من الذات نفسها، بأحكام تحدد السقف الممكن وتلقائيا حسب هاجس الخوف وتراكم التجارب المريرة، وعادة يكون السقف الذي تصنعه الذات لنفسها أقل من السقف الذي يفرضه الآخر الذي يملك أدوات التسلط ونفوذ التحكم، حيث لا إحتكاك ولا تجارب مختلفة تختبر فرضيات مغايرة، والأمور داخل مجتمع صغير في مصر أو العراق أو لبنان مثلا لا تختلف إختلاف جوهريا عن الحالة العالمية ككل، فالتسلط شأنه واحد وغرضه واحد هو إلغاء التفكير، وهو إدارة الشرور التي تتحدث عنها حنة أرندت، من كيان كامل بأدوات نافذة وتروس تعمل في فلك تراه أرنت واهي و تافه إلى أقصى الحدود، تُعذر أرنت لتلك النظرة لأنه وتخيل!، شخص قوى البنية يخضع للتعذيب من قبل قزم هزيل والصورة بكاملها تعبر عن كوميديا لمتفرج لا يخضع لفرضيات المراكز الإجتماعية والحسابات الطبقية، أي لا يخضع لدراما الشر الواقعة.

مازال كتاب أيخمان في القدس يجلب على حنة أرندت السخط الصهيوني وأكثر من كتاب كفاحي لأدولوف هتلر، فكفاحي هو في الأخير الآخر الذي وعى الشر في النظام الصهيوني وقد يصور الصهيونية على أنها نضال إنساني، ذلك عبر القراءات النقدية اليهودية له، بينما أيخمان في القدس، يركز على الصهيونية كونها العدو الأخطر والسبب الرئيس في تدمير المجتمع اليهودي، وهو الفصل الأكثر قتامة والأكثر تهميشا كذلك في قضية الهلوكوست، الأمر كله تفاهة بالغة كما تجده آرنت وتراه السلطوية الصهيونية تطفل على محنتها، إذا لا تملك مواجهة الحقائق مقابل فكر قوى من خارج المظلومية، قد وقع عليه هذا الظلم والإستغلال الإجتماعي والنفسي.

هو خلط كما التصور النقدي الصهيوني لأي حركة فكرية تنتقده، وكما حدث مع تفاهة الشر لأرنت عبر الإنقسام على الرأي حوله، ارادت الحركة الصهيونية أن تصنع هذا اللغط كرد فعل على أيخمان في القدس، في محاكمة ايخلمان (1906-1962)، أحد المسؤولين في الرايخ الثالث، والضابط في القوات الخاصة (قوات العاصفة)، بالإضافة إلى دوره في “سرايا الحماية” (أس-أس). وهو الذي كانت تَعُود إليه مسؤولية الترتيبات اللوجستية باعتباره رئيسا لجهاز “الغستابو” والإدارة المكلفة بإعداد مستلزمات المدنيين في معسكرات الاعتقال وإبادتهم فيما يعرف آنذاك بالحل النهائي. وقد تعاون مع قيادات الجاليات اليهودية قصد تهجير اليهود المجريين إلى سويسرا بدلا من إبادتهم في أوشفيتز.

 عند انتهاء الحرب، قبل ذلك  تمكن أيخمان من إتباع الأوامر وتنفيذ المطلوب، وهذا ما تشير له أرنت، أن التاريخ لا يحاكم نفسه كي يعتدل بل أن تلك المحاكمة سوف تعيد إنتاج الشرور لأنه قدمت الكباش للتصفية بدلا من الجناه الأصليين.

هل نحن الجناة أم الكباش؟، الأنظمة السلطوية الشمولية التي على وجهها سلطة العالم الحر على العالم الأدنى وسلطة العالم الأدنى على جمهوره، في الصورة المختصرة لخادم يخدم السيد وسيد يقرر مصير الخادم، تتشابه في التأثير حيث يد مطلقة على نفس مهزومة، لكن مالكم إكس عبر سرده قضية عبيد القصور وعبيد الحقل فرض إمكانية تلمس اللحظة التي فيها يكون الفارق ساسع بين الإثنين، كعبيد القصر يكون المنتفعين من أي نظام سلطوي، هم على ما أظن جماعة (آسفين ياريس) في مصر، وكعبيد الحقل هم الجمهور الذي إندفع في يناير، وكل يناير يظهر هذا التباين، كالحركة الصهيونية يعمق السلطويين هذا الإختلال، حتى لا يتصور أن تكون يناير إلا مؤامرة كاملة الأركان، في المقابل يتباين الإنقسام بين عبيد الحقل أنفسهم، هذا لا يظهر إلا إذا إتخذ الناظر موقف كالذي لحنة أرنت من غشم الفكر الصهيوني، نظرة فاحصة من خارج الصراع،  ألا تكون طرف فيه ويكون حكمك لنفسك ثم تبث هذا اليقين في أبنائك حتى لا تقف موقف انطون تشيخوف، وتحقق بغية تشارلز بوكوفسكي من السؤال من كنته ومن تكون!.

من بين هموم المثقف والأكثر إيلام لديه ألا يجد مستمع، ليس مستمع فحسب يخضع للتوجيه، بل مستمع يحادثه ويقارعه بالنقد ويصارعه في ميادينه، ليس بناء على توجيه مسبق بل تفاعل مشترك مع اللحظة، لحظة الإدراك أن هناك مشكلة على عاتقيهما ، مشكلة تصور المستقبل من خارج أي صراع.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading