مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

السكرتيرة/ماري جيتسكيل –  ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم

    كانت الحصة تستمر لمدة ساعتين مع استراحة مدتها عشر دقائق. خلال الاستراحة، كان الجميع يخرج إلى الممر للحصول على القهوة أو الحلوى من آلات البيع. كانت الفتيات يقفن في مجموعات ويتحدثن، بينما كان الشابان المُميزان في الطباعة يتمشيان ببطء في الممر، وأكتافهما منحنية، يحملان كوبيهما المصنوعين من الستايروفوم، وينظران عبر شقوق الضوء الساطعة في أبواب فصول إدارة الأعمال وهما يمران.

    أما أنا، فكنت أتوجه إلى النافذة الكبيرة التي تطل على ساحة الانتظار، وأحدق في أضواء الشارع التي تضيء على غطاء محركات السيارات.

      بعد انتهاء الحصة، كنت أعود إلى المنزل وأضع كتبي على طاولة غرفة الطعام بين بقايا العشاء: المناديل الملفوفة، وأكواب الماء، وقرص من الفاصوليا الخضراء موضوع على حامل القدر. وكان طبق والدي موجودًا دائمًا، مع عظام مقضومة وفلفل حار عليه. وكان يجلس في غرفة المعيشة مرتديًا قميص النوم الخاص به، وفي حضنه طبق من الآيس كريم وشعره منسدل. وكان يسألني: “كم عدد الكلمات التي قمت بكتابتها في الدقيقة الليلة؟”

     لم يكن السؤال غير منطقي، لكن الطريقة المتوقعة والمضطربة التي طرح بها كانت مزعجة. عكست أسلوبه في التمسك بالتفاصيل التافهة وخوفه المهووس من أن ألقى مصير أختي. كانت تعمل منذ ثماني سنوات في دار لرعاية الأشخاص ذوي الإعاقات العقلية. ترتدي الجينز ومعطفًا عسكريًا طويلاً يوميًا أثناء الذهاب إلى العمل. وعندما تعود إلى المنزل، تصعد إلى غرفتها وتستلقي على سريرها. بين الحين والآخر، كانت تنزل لتمازحنا أو تشاهد التلفاز، ولكن ليس كثيرًا.

      كانت أمي تأخذني في جولات بالسيارة للبحث عن وظائف. كنا نبدأ بتفحص الإعلانات في الصحيفة، نرسم دوائر سوداء ونضع علامات X. كانت الصحيفة المشوهة ترقد على طاولة الطعام مطوية بلون رمادي، ونحن نتجادل.

“أنا لست ودودة ولا اجتماعية. لن أجيب على إعلان يطلب شخصاً بهذه الصفات. سيكون ذلك غباءً.”

“يمكنك أن تكوني ودودة. وأنتِ اجتماعية عندما لا تكونين منشغلة بانتقاد نفسك.”

“أنا لا أنتقد نفسي. أنتِ فقط تريدين أن تعتقدي ذلك لتجدي شيئاً تتحدثين عنه.”

“أنتِ تحشرين نفسكِ في زاوية،يا ديبي.”

“أوه، تبا.”

 التقطتُ غلاف حلوى وبدأتُ أضغطه بطريقة عشوائية قبيحة. كانت يداي حمراوين وخشنتين. لم يكن يهم كم المرطب الذي أستخدمه عليهما .

“هيا، نحن نبدأ بطريقة خاطئة.”

“اصمتي.”

عقدت والدتي ساقيها. وقالت:

 “حسنًا.”

التقطت قسم “الحياة” من الجريدة ونفضته لتثبيته في وضع القراءة. أمالت رأسها إلى الخلف وأسدلت جفنيها. أصبحت شفتها العليا تحمل تعبيرًا عدائيًا بينما كانت تقرأ. التقطت كوب شايها الأخضر وارتشفت منه.

“أنا جديرة بالثقة. يمكنني الرد على إعلان لشخص جدير بالثقة.”

“أنت كذلك.”

وجدنا أنفسنا في السيارة. كانت أصابع قدميّ متورمة داخل الكعب العالي. استخدمت والدتي وأنا علبة المناديل المزينة بالأزهار الموجودة على لوحة القيادة، ووضعت كل منا المناديل المستعملة في كيس بني يستقربجاور نتوء في وسط السيارة. كان هناك الكثير من الزحام في كلا الاتجاهين. قدنا السيارة متجاوزتين محل “إيمي جوي” للكعك، ولا يزالون لم يعيدوا الحرف Y إلى كلمة إيمي فى اللوحة.

كانت محطتنا الأولى في “وندرلاند”. كان هناك وظيفة في قسم الشؤون الإدارية في متجر “سيرز”. كان الرجل هناك بأنف طويل يعكس عدم الرضا، وكان يضغط على يديه المتشنجتين في وسط مكتبه. فى معظم الوقت كان ينظر إلى يديه. قال إنه سيتصل بي، لكنني كنت أعرف أنه لن يفعل.

    في طريق العودة إلى موقف السيارات، مررنا بمحل للحيوانات الأليفة. لم يكن فيه سوى الهامستر والأسماك وطيور صفراء منهكة. توقفنا ونظرنا إلى شرائح الأسماك التي تسبح في حوضها المليء بالماء الأخضر الكثيف. كنت قد زرت هذا المحل عندما كنت في العاشرة من عمري. كان المركز التجاري قد افتُتح للتو، وجئنا جميعًا لنتجول فيه. أختي، دونا، أرادت الدخول إلى محل الحيوانات الأليفة. كان الجو دافئًا ورطبًا للغاية داخل المحل، ورائحته كريهة تشبه رائحة الفراء والهامستر. وعندما خرجنا، بدا الجو باردًا. قلت إنني أشعر بالبرد، وخلعت دونا سترتها البيضاء المصنوعة من الجلد الصناعي ووضعتها حول كتفي، تاركة يدها على كتفي الأيسر للحظة. لم تلمسني هكذا من قبل، ولم تفعل ذلك منذ ذلك الحين.

    كانت المحطة التالية مكتبًا لمعلومات الضرائب في مبنى مربع ذي حواف خضراء. أعطوني اختبار ذكاء كان يتضمن معظم الوقت أسئلة تهجئة وأسئلة من نوع “ما الخطأ في هذه الجملة؟”. خرجت المرأة من مكتبها وهي تحمل اختباري وتبتسم. قالت: “حصلت على أعلى درجة بين كل من قابلتهم.” أضافت: “أنتِ فعلاً مؤهلة أكثر من اللازم لهذه الوظيفة. لا يوجد أي تحدٍ. ستشعرين بالملل حتى الموت.”

قلت: “أريد أن أشعر بالملل.”

ضحكت وقالت: “أوه، لا أعتقد أن هذا صحيح.”

تحدثنا حديثًا لطيفًا عن ما يبحث عنه الناس في وظائفهم، ثم غادرت.

قالت أمي: “حسنًا، آمل ألا تكوني متفاجئة بحصولك على أعلى درجة.”

ذهبنا إلى المخبز الفرنسي على طريق “إيت مايل” واشترينا كعكات تُسمى “آذان الفيل”. أكلناها مباشرة من الكيس ونحن نقود السيارة. شعرت براحة كبيرة لدرجة أنني كنت مستعدة لقضاء اليوم كله في القيادة حول المدينة.

    ثم ذهبنا إلى مكتب محامٍ يقع على طريق “تليغرف”، وهو مبنى منخفض من الطوب البرتقالي، محاط فقط بساحة انتظار وبعض أشجار التنوب التي بدت وكأنها قد تم ترتيبها بعناية. انتظرتني أمي في السيارة، مبتسمة وهي تخرج لغز الكلمات متقاطعة، والابتسامة ما تزال تزين وجهها بينما تركز عينيها على الكلمات.

    أما المحامي، فقد كان رجلاً قصير القامة ذا عينين لامعتين، وكتفين ثابتتين، وكأنها لا تتحركان. عندما صافحني، كانت يده تمتد لتقبض على يدي بشكل جاف وعدواني في آن واحد، شعرت وكأن بإمكانه أن يمد يده ويخترق صدري ليمسك بقلبى، ليضغط عليه قليلاً ثم يتركه. قال بصوت هادئ:

   “تعالي إلى مكتبي.”

   جلسنا معًا، ووجه نظره إليّ دون أن يرمش. ثم قال:

    “الوظيفة ليست بالكثير. لدي مساعد قانوني يتولى الأبحاث والعمل الميداني، وأعمال التدقيق تُنجز عبر وكالة. كل ما أحتاجه هو سكرتيرة أنيقة، تستطيع الحضور في الوقت المحدد والرد على الهاتف.”

  قلتُ بثقة:  أستطيع أن أفعل ذلك.

  قال بصوت هادئ: لكنها وظيفة مملة للغاية.

  أجبته بابتسامة خفيفة: “أنا أحب الأعمال المملة” 

  حدق في وجهي، وغامت عيناه يغلفهما تفكير عميق.قال.

  ” هناك شيء ما فيك. أنت منغلقة، أنت متصلبة كأنك جدار.”

” أعلم ذلك.”

 فاجأته إجابتى فأزيلت الغلالة عن عينيه. أمال رأسه للخلف ونظر إليّ، وعيناه اللامعتان تكشفان عن اهتمام جديد.

 “هل تتخففين من صرامتكِ يوماً؟”

  تشنجت أطراف فمي في محاولة لانتزاع ابتسامة.

  “لا أعرف.”

   ثم شعرت بالعرق في يديّ.

 اتصلت بي سكرتيرته، التي كانت على وشك مغادرة العمل فى المكتب، في اليوم التالي وقالت إنّه يرغب في توظيفي. كان صوتها هادئًا، محايدا، وخاليًا تمامًا من أي تعبير.

     قال والدي.”دورة الطباعة كانت مفيدة حقًا,” “لقد قمتِ باستثمار جيد.” كان يدخل ويخرج من غرفة الطعام في حالة من الفرح المترقب، وهو يحمل كأس البيرة في يده. “مكتب المحاماة قد يكون مكانًا مثيرًا للاهتمام.” رفع ذقنه وحك حلقه.

    حتى دونا نزلت إلى الطابق السفلي وأعدت الفشار ووضعته في وعاء أصفر كبير على الطاولة للجميع. كانت تأكل بكسل، ويدها الكبيرة تتجول في الوعاء. “قد يكون الأمر جيدًا. قد يزور المكتب أشخاص مثيرون للاهتمام. حتى وإن كان المحامي نفسه ربما يكون وغدًا.”

   جلست أمي بهدوء، راضية عن دورها في مشروع إيجاد الوظيفة، تلتقط حفنات من الفشار بأصابعها وتضعها في فمها.

   في تلك الليلة، وضعت ملابس عملي الجديدة على كرسي وجلست أنظر إليها. تنورة بنية، بلوزة بيج. كان هناك شيء يجذبني إلى قبحها البسيط، لكنني لم أكن أعرف كم من الوقت سيستمر هذا الشعور. نظرت إلى ظلالها الرمادية في ضوء الليل ثم استدرت نحو الزاوية المظلمة من سريري.

   جعلني حماس عائلتي أنظر إلى الوظيفة بسخرية، بل  تجاه أي جهد لفعل أي شيء، في الحقيقة. وسط هذا الحماس، بدا أن الخيار الأكثر حكمة هو التزام الجمود والتصرف بفظاظة. لكن في الصباح، أثناء تناولي البيض المسلوق مع الخبز المحمص، لم أستطع مقاومة شعور بالفضول والحماس. ومع مرور الوقت، تضاعف هذا الشعور وأنا أركب السيارة مع أمي متجهة إلى المبنى البرتقالي الذي يتلاشى في الأفق. شعرت وكأنني أحقق شيئًا ذا قيمة. كنت أرغب في النجاح وأداء المهمة بشكل جيد.

   وعندما مررنا بمحل الكعك “إيمي جوي”، رأيت، من خلال جدار زجاجي، عمال بناء متوقعين يجلسون على مقاعد دوارة مصنوعة من الفينيل، يرتدون أحذية ثقيلة وسترات، ينتظرون القهوة وأكياس الكعك. راودتني أفكار عاطفية عن العمال وكرامة العمل البسيط التلقائي. شعرت بالرضا لأنني كنت أشبههم، إلى حد ما. بادلت أمي الابتسامة، ونزلت من السيارة، وقلت “شكرًا” عندما قالت لي “حظًا موفقًا”.

    قال المحامي: “حسناً، ها قد وصلتِ”.  

    صفق بيديه القصيرتين المكتنزين وأحدث صوتاً عالياً.

  “في الموعد المحدد. صباح الخير!”

   بدأ المحامي بتدريبي منذ ذلك الحين واستمر في ذلك طوال الأسبوع. لم يأتِ أي أشخاص مثيرين للاهتمام إلى المكتب. في الواقع، حضر قليل جدا . خلال الأسبوع الأول، جاء ثلاثة فقط.

  الأولى كانت امرأة متوترة في منتصف العمر، بقصة شعر غير متساوية، ترتدي حذاءً مطاطيًا أرجوانيًا للأطفال. جلست على حافة كرسي غرفة الانتظار، وقد جمعت حذاءيها المطاطيين معًا، وهي تعيد ترتيب محتويات حقيبتها.

    أما الثانية، فكانت امرأة بدينة ترتدي فستانًا زاهي الألوان يشبه الكيس، وكانت عيناها الصغيرتان الجامحتان مصفرتين. حملت حقيبتها وكأنها سلاح.

    أما الأخير، فكان رجلًا يجلس ويدير رأسه بقلق وكأنه يحاول فصله عن جسده. كان صوته يتعالى من داخل مكتب المحامي، وعندما غادر، خرج المحامي وقال: “إنه مجنون تمامًا”، وطلب مني كتابة فاتورة له بمبلغ خمسمائة دولار.

     بدا كل من جلس في غرفة الانتظار غريبًا وغير مرحب به. كانوا جميعًا يتململون. حتى الكراسي القديمة الأنيقة والأرائك المنجدة الوثيرة بدت غريبة في حداثة غرفة الانتظار الجامدة. كان مكتبي الثقيل المصنوع من خشب البلوط يبدو غريبًا وهو يقف أمام جدار مغطى بالجص. أما النباتات الذابلة أمامي، فقد بدت ثقيلة الوزن بشكل مبالغ فيه بالنسبة للنباتات، على الرغم من أن إحداها كانت نبتة صغيرة ذات أوراق كثيفة.

  استغربتُ أن يمتلك شخصٌ كالمحامي، الذي يبدو منظمًا ذهنيًا ومتزنًا، مكتبًا كهذا. لكنني شعرتُ بالراحة فيه. كان فوضويًا كعشٍّ من الخرق المتناثرة المُجمّعة بإحكام للتدفئة. قضيت أول أسبوعين في هدوء.. استمتعتُ برتابة الأيام، وتكرار الإجراءات، والتفاعلات المقتضبة والمهذبة بيني وبين المحامي. استمتعتُ بشعوري به وهو يفرض عليّ ثقته المفرطة بنفسه. كان يقول: “اكتبي هذا الخطاب”، فتتقلص مشاعري حتى تجد مفاهيم الإنجاز والإنتاج تعبيرًا لها في كتابة الرسالة . كنت أشعر أن لي دورًا مفيدًا.

       كانت أمي تأتي لتقلّني كل يوم. عادةً ما نتوقف عند متجر المخبوزات قبل العودة إلى المنزل لنشتري رغيفًا من الخبز الفرنسي الأبيض، وبيرة، وسجق الكيلباسا لوالدي. وعندما نصل إلى المنزل، كنت أصعد إلى غرفتي، أخلع التنورة والبلوزة، وأرميهما على الأرض. ثم أزحف إلى سريري، وسط بطانياتي المبعثرة، بملابسي الداخلية والجوارب الطويلة، وأستمع إلى صراخ والدي على أمي حتى أغفو. كنت أستيقظ عندما تضرب دونا على بابي وتصرخ: “العشاء!”

     كنت أنزل معها بعدها وأجلس إلى الطاولة. كنا جميعًا نشاهد الأخبار على التلفاز أثناء تناولنا الطعام. كانت أمي تبدو بملامح منكمشة وشاردة. أما والدي، فكان ينحني فوق طبقه مثل حيوان يلتهم طعامه.

    بعد العشاء، كنت أصعد إلى غرفتي لأستمع إلى الأسطوانات، أكتب في دفتر يومياتي، أو ألعب “بارتشيزي” مع دونا حتى يحين وقت الاستعداد للنوم. كنت أنام كل ليلة وأنا أنظر إلى تمثال الكلب الخزفي الذي يُفترض أن يغيّر لونه إلى الوردي أو الأزرق أو الأخضر بحسب حالة الطقس، لكنه تحول إلى الرمادي فقط وثبت على كذلك.

    كنت أسمع والدي في الحمام، وصوت المذياع المتقطع، وخرير المياه، وطنين الكأس وهو يوضع على الأرض، ثم صوت صرير الباب ونقرة خزانة الأدوية عندما يغلقها. كانت دونا تقف خارج بابي، تنتظر والدي ليخرج، تتمتم بكلمات مثل “تبًا” أو شيء من هذا القبيل.

     عندما أستعيد تلك الأيام الآن، لا أفهم تمامًا لماذا شعرت بالرضا خلالها، لكنني شعرت بذلك بالفعل.  

*****

     في اليوم الأول من الأسبوع الثالث، خرج المحامي من مكتبه، متوترًا أكثر من المعتاد، وعيناه تلمعان بنظرة غريبة، كأنها تتربص بي. كان يحمل إحدى رسائلي. وضعها على مكتبي، أمامي مباشرةً. قال:

 “انظر إليها”.

  نظرتُ.

“هل ترين ذلك؟”

سألت:

“ماذا؟”.

“هذه الرسالة تحتوي على ثلاثة أخطاء في الكتابة، أحدها، على ما أعتقد، خطأ إملائي.”

قلت معتذرة:

“أنا آسفة.”

قال:

    “وليس هذا الخطأ الأول أيضًا. لقد كانت هناك أخطاء أخرى تجاهلتها لأنك كنت في أسابيعك الأولى. لكن هذا لا يمكن أن يستمر. هل تعرفين كيف تجعلينني أبدو أمام الأشخاص الذين يتلقون هذه الرسائل؟”

    نظرت إليه فى ذهول. كان هناك كارثة مختبئة بين طيات ارتياحي على مدى الأسبوعين الماضيين، ولم يخبرني عنها حتى الآن. بدا الأمر غير عادل، لكن عندما فكرت في الأمر فهمت تردده، وربما حتى شعوره بالحرج من لفت انتباهي إلى شيء بهذه الدرجة من الإزعاج السخيف. قال:

   “اكتبيها من جديد.”

    فعلت ذلك، لكنني كنت مضطربة للغاية لدرجة أنني ارتكبت المزيد من الأخطاء.قال لي:”أنت تضيعين وقتي”، وسلمها لي مرة أخرى. كتبتها بشكل صحيح في المرة الثالثة، لكنه بقي غاضبًا في مكتبه لبقية اليوم.

    استمر هذا النوع من المواقف طوال الأسبوع. في كل مرة، كان غضب المحامي وعدم تصديقه يتزايدان. بالإضافة إلى ذلك، شعرتُ بشيءٍ آخر ينمو بداخله، وخيطٌ خفيٌّ يتسلّل من إحدى زواياه المظلمة، يُغذي شعورًا بأنه قد اكتشف شيئًا عني.  

   كنت مكتئبة جدًا بسبب الوضع. عندما كنت أعود إلى المنزل في المساء، لم أستطع النوم. كنت أستلقي هناك، أنظر إلى تمثال الكلب الرمادي، وأتخيل إجراء محادثة مع المحامي تشرح كل شيء وتوضح له أنني كنت أحاول بذل قصارى جهدي. كان يبدو وكأنه يعتقد أنني أرتكب الأخطاء عمدًا.

   في نهاية الأسبوع، بدأ يشتكي من الطريقة التي أجيب بها على الهاتف. قال: “أنتِ مثل الآلة،” وأضاف: “صوتكِ وكأنكِ في منطقة الظلام. لا تفكرين عندما تردين على الناس.”

   عندما طلب مني أن أدخل إلى مكتبه في نهاية اليوم، ظننت أنه سيفصلني. كانت الفكرة تخفف عني، ولكنها كانت تخديرًا في ذات الوقت. . جلستُ، وحدّق بي بنظرةٍ مُتأملة، لكنها لطيفة، بالنسبة له. استند إلى كرسيه براحة، ويده مُتدلية من معصمه. ولدهشتي، بدأ يُحدّثني عن مشاكلي، كما يراها.

  ” أشعر أنكِ شخص لطيف جدًا ولكن معقد، لديك تقلبات مزاجية شديدة تخفينها. أنتِ تغلقين المنزل وتتصرفين وكأن لا أحد فيه.”

  قلت: “هذا صحيح، أفعل ذلك.”

  قال: “حسنًا، لماذا؟ لمَ لا تنفتح قليلًا؟ ربما يُحسّن ذلك من سرعة كتابتك.”

   فكرت أن ذلك ليس من شأنه حقًا.


     قال: “عليك أن تحاولي التحدث أكثر. أعلم أنني صاحب عملك وأن علاقتنا رسمية، لكن لا تترددين في مناقشة مشاكلك معي.”

    كانت فكرة التحدث عن مشاكلي معه سخيفة. قلت:

     “من الصعب التفكير في إجراء تلك المناقشة معك.”

      ترددت قليلاً.أضفت :

     “لديك شخصية قوية و… عندما أواجه شخصية مثل هذه، أميل إلى التراجع لأنني لا أعرف كيف أتعامل معها.”

    كان واضحًا أنه سعيد بهذه الإجابة، لكنه قال:

     “لا يجب أن تكوني خجولة هكذا.”

    عندما فكرت في هذه المحادثة لاحقًا، بدا من جهة أن هذا المحامي كان مجرد أحمق. من جهة أخرى، كانت تعليقاته غريبة لدرجة أنها أثرت فيّ وجعلتني أشعر بحساسية مفرطة. لم يسبق لأحد أن أدلى بمثل هذه التعليقات الشخصية لي من قبل.

    في اليوم التالي ارتكبت خطأ آخر. بدا أن حميمية اليوم السابق جعلت الخطأ أكثر نفورًا بالنسبة له لأنه غضب أكثر من المعتاد. كنت أرغب في أن يطردني. كنت سأقترح ذلك، لكنني صمتّ فجأة. جلست وأخذت أحدق في الرسالة بينما كان يصرخ.

   “ما الذي يجري معك؟!”

    قلت.”أنا آسفة,”

   وقف بهدوء للحظة. ثم قال:

   “تعالي إلى مكتبي. وأحضري تلك الرسالة.”

   تبعته إلى مكتبه.

   قال : “ضعي تلك الرسالة على مكتبي,” 

   فعلت.

   ” الآن انحني لكي تنظري إليها مباشرة. ضعي مرفقيك على المكتب ووجهك قريب جدًا من الرسالة.”

    بين الارتباك والحيرة، فعلت ما قاله.

    “الآن، قومي بقراءة الرسالة لنفسك. استمري في قراءتها مرارًا وتكرارًا…”

     قرأت:

    “عزيزي السيد غارفي: أنا ممتنة جدًا لك لإحالتك…”

     بدأ في ضرب مؤخرتي عندما قلت “إحالتك”. والشيء الغريب هو أنني لم أكن حتى مندهشة. في الواقع، واصلت قراءة الرسالة، رغم أن فهمي لها لم يكن واضحًا. بدأت في البكاء عليها، مما جعل الحبر يتلطخ. كلمة “إهانة” تبادرت إلى ذهني بقوة لدرجة أنها حجبت كل الكلمات الأخرى. علاوة على ذلك، شعرت أن المفهوم الذي تمثله قد كان في الواقع قوة رئيسية في حياتي لفترة طويلة.

    ضربني لمدة عشر دقائق تقريبًا، على ما أعتقد. قرأت الرسالة حوالي خمس مرات فقط، وذلك لأن الحبر أصبح ملطخا والكلمات غائمة لدرجة أنه لم يعد قابلًا للقراءة. عندما توقفت قال:

   “الآن، قفي بشكل مستقيم واذهبي لكتابة الرسالة مرة أخرى.”

    ذهبت إلى مكتبي. أغلق باب المكتب خلفه. جلست، وتمخطت ومسحت وجهي. حدقت في الفراغ لعدة دقائق، بين الحين والآخر أركز على الإحساس بالوخز في مؤخرتي. كتبت الرسالة مرة أخرى وأدخلتها إلى مكتبه. لم يرفع رأسه عندما وضعتها على مكتبه.

    عدت إلى الخارج وجلست، وأنا أخطط للغرق في حالة من البلادة من نوع ما. لكن عميلاً دخل، لذا لم أستطع. كان علي أن أتصل بالمحامي وأخبره أن العميل قد وصل. قال باقتضاب: “دعيه ينتظر.”

    عندما طلبتُ من العميل الانتظار، اقترب من مكتبي وبدأ يتحدث معي. قال:

   “لقد جئتُ إلى هنا مرتين من قبل. ألا تعرفينني؟”

     أجبتُ: “نعم، بالطبع”.

   كان رجلاً نحيفاً، يبدو عليه التوتر، في منتصف العمر، ذو يدين صغيرتين مضطربتين، وندبة باهتة تمتد على شفته وذقنه. لم تُضفِ عليه الندبة مظهراً قوياً؛ كان قلقاً للغاية لدرجة أنه لم يستطع إظهار ذلك.   

  قال: “لم أتخيل أبدًا أن يحدث شيء كهذا لي. لم أتخيل أنني سأكون في مكتب محام  ولو مرة واحدة، والآن أنا هنا ثلاث مرات. ولم يتم إنجاز أي شيء على الإطلاق. كنت دائمًا أكره المحاميين.”

    بدا وكأنه يتوقع مني أن أغضب.

     قلت:

    ” الكثير من الناس يشعرون بذلك.”

  ”  كان الخيار إما هذا أو كنت سأطلق النار على أولئك الجيران الملعونين، وكان عليّ أن أبحث عن محامي ليدافع عني على أية حال. هل تعرفين القصة؟”

     كنت أعرفها. كان يقاضي جيرانه لأن لديهم كلبًا “ينبح طوال اليوم اللعين”. استمعت إليه وهو يتحدث. أدهشني كيف أعادت هذه المحادثة القصيرة رباطة جأشي بسرعة. بدا كل شيء طبيعيًا تمامًا عندما خرج المحامي من مكتبه لاستقبال العميل. لاحظت أنه كان يحمل رسالتي في يده.. وقبل أن يستدير ليصطحب العميل، ناولني إياها مبتسمًا” قال:  “رسالة جيدة”

    عندما عدت إلى المنزل تلك الليلة، كان كل شيء على حاله. لم يتغير مسار حياتي بسبب ذلك الحدث، باستثناء زيادة طفيفة في المسافة بيني وبين عائلتي. حتى أن مؤخرتي لم تكن حمراء عندما نظرت إليها في مرآة الحمام.

    لكن عندما استلقيت في الفراش وفكرت في الأمر، شعرتُ بإثارة شديدة. في الواقع، كانت إثارتي أشدّ من أي وقت مضى في حياتي. لم يُفاجئني ذلك أيضًا. شعرتُ بخدرٍ في جسدي؛ شعرتُ أنني لن أستطيع إجراء محادثة طبيعية مع أي شخص مرة أخرى. مارستُ العادة السرية ببطء، لأؤجل النشوة قدر الإمكان. لكن لم يحدث ذلك، على الرغم من محاولتي لفترة طويلة. ثم لم أستطع النوم.

   تكرر الأمر مرتين أخريين خلال الأسبوع ونصف الأسبوع التاليين. في الأسبوع الذي يليه، عندما ارتكبتُ خطأً في الكتابة، لم يضربني. بدلًا من ذلك، طلب مني أن أنحني فوق مكتبه، وألقي نظرة على الخطأ المطبعي وأكرر “أنا غبية” لعدة دقائق.

   لم تتغير علاقتنا فيما عدا ذلك. كان لا يزال نشيطًا وودودًا في الصباح. ولأنه بدا واثقًا من نفسه، لم أستطع إلا أن أتعامل معه كما لو كان لا يزال ذلك المدير المتسلط والودود في الوقت نفسه. مع ذلك، لم يدعني أبدًا لمناقشة مشاكلي معه مرة أخرى.

   بدأت أحلم به بشكل متكرر. في أحد الأحلام، وهو الأكثر تكرارًا، كنت أسير معه في حقل من الخشخاش الأحمر الزاهي الكبير. كان اليوم رائعًا ودافئًا. كنا نبتسم لبعضنا البعض، وكان هناك شعور هائل بالراحة وحسن النية بيننا. نظر إلي وقال، “لقد فهمتك الآن، ديبي”. ثم تشابكت أيدينا.

     كان هناك وقت شعرت فيه بالانزعاج مما يحدث في المكتب. كان ذلك قبل العشاء مباشرة، وكان والدي منزعجًا بسبب شيء حدث له في العمل. كنت أسمعه يصرخ في غرفة المعيشة بينما كانت والدتي تحاول تهدئته. كان يصرخ: “أفضل العمل في السيرك!” في أحد تلك الأماكن حيث تضع رأسك في حفرة ويدفع الناس مقابل رمي القمامة عليك!

    قالت أمي: “لم يعد أي سيرك يفعل ذلك الآن. توقف عن ذلك، شِيب.”

   عندما نزلتُ لتناول العشاء، كان كل شيء على ما يرام. نظرتُ إلى والدي وشعرتُ بمزيجٍ غريب من الحب والازدراء والذعر.

     في المرة الأخيرة التي ارتكبت فيها خطأ مطبعيًا واستدعاني المحامي إلى مكتبه، حدث أمران غريبان. الأول أنه بعد أن انتهى من ضربي، طلب مني أن أرفع تنورتي. انتابني خوف شديد، تقلصت معدتي وارتفعت نحو صدري. أدرت رأسي وحاولت النظر إليه.

    قال:

   ” أنت لست قلقة من أنني سأغتصبك، أليس كذلك؟  لا تقلقي. أنا لست مهتما بهذا على الإطلاق. ارفعي تنورتك.

   أدرت رأسي بعيدًا عنه. فكرت، ليس عليّ أن أفعل هذا. يمكنني التوقف الآن. يمكنني أن أعتدل وأخرج. لكنني لم أفعل. رفعت تنورتي.

  “انزعي جواربكِ الداخلية وملابسكِ الداخلية.”

    شعرتُ بغثيان شديد.

   “لقد أخبرتك أنني لن أمارس الجنس معك. افعلي ما أقوله.”

    كان جلد وجهي وحلقي ساخنًا، لكن أطراف أصابعي كانت باردة على ساقيّ وأنا أنزل ملابسي الداخلية وجواربي. تشوّهت الرسالة أمامي لدرجة يصعب معها التعرّف عليها. ظننتُ أنني سأُغمى عليّ أو أتقيأ، لكنني لم أفعل. شعرتُ بدوارٍ يُعيقني، كالدوار الذي ينتابني في الأحلام حيث أستطيع الطيران، ولكن فقط إذا كنت في وضع غريب.

     في البداية، بدا وكأنه لا يفعل شيئًا. ثم شعرتُ بنشاطٍ محمومٍ خلفي. تخيلتُ حيوانًا صغيرًا شرسًا يحفر التراب بجنونٍ بمخالبه وأسنانه الصغيرة. تناثر وحل ساخن لزج على وركيّ.

     قال:

     “اذهبي ونظفي نفسك، ثم أعيدي كتابة تلك الرسالة.”

    نهضتُ ببطء وشعرتُ بتنورتي تسقط على المادة اللزجة. فتح الباب بسرعة وخرجتُ من الغرفة، دون أن أرفع حتى جواربي الداخلية وملابسي، لأنني كنتُ سأذهب إلى الحمام على أية حال. أغلق الباب خلفي، وحدث الأمر الغريب الثاني. كانت سوزان، المساعدة القانونية، تقف في غرفة الانتظار وثمة نظرة غريبة على وجهها. كانت شقراء ترتدي كنزات قصيرة صوفية ومجوهرات ذهبية مقلدة حول رقبتها. في ألطف حالاتها، كان صوتها متذمرًا وجافًا. الآن، بالكاد تستطيع أن تقول مرحبًا. كانت شفتاها الممتلئتان مفتوحتين بشكل غريب.

    قلت:

      “مرحباً، لحظة من فضلكِ”

    لاحظتْ ارتباكي في المشي بسبب جواربي الداخلية المتدلية.

    ذهبت إلى الحمام ومسحت نفسي. لم أشعر بالحرج. بل شعرتُ وكأنني آلة. أردتُ التخلص من تلك المساعدة القانونية الغبية من المكتب لأعود إلى الحمام وأمارس العادة السرية.

    أنهت سوزان مهمتها وغادرت. مارستُ العادة السرية. أعدتُ كتابة الرسالة. بقي المحامي جالساً في مكتبه طوال اليوم.

   عندما جاءت أمي لاصطحابي بعد الظهر، سألتني إن كنتُ بخير.

  “لماذا تسألين؟”

  “لا أعرف، تبدين غريبة بعض الشيء.”

    “أنا بخير كعادتي.”

  ” هذا لا يبدو جيداً يا عزيزتي.”

    لم أُجب. حركت أمي يديها على عجلة القيادة، تضغط عليها بقلق. قالت:

   “ربما تودين المرور على المخبز الفرنسي وشراء بعض فطائر آذان الفيل”.

    “لا أريد أي فطائر آذان فيل”.

    كان صوتي حادًا بشكل غير متوقع، ويكاد يُبكيني.

   قالت أمي:

   “حسنًا”.

*****

    عندما استلقيت على سريري لأخذ قيلولة، شعرت بجسدي كثيفًا وثقيلًا، وكأنني سأجد صعوبة بالغة في التحرك مرة أخرى، وهو ما كان جيدًا، لأنني لم أشعر بالرغبة في التحرك. عندما طرقت دونا بابي وصرخت “العشاء!” لم أجب. أدخلت رأسها وسألتني إن كنت نائمة، فأخبرتها أنني لا أشعر بالرغبة في تناول الطعام. شعرت بالخمول الشديد، وظننت أنني سأخلد إلى النوم، لكنني لم أستطع. بقيتُ مستيقظة على أصوات الجدال والتلفاز ودخول الجميع إلى الحمام. حلّ وقت النوم، وسمعتُ صوت فتح وإغلاق الأدراج، وارتطام الأبواب، وغرق والدي في النوم على أنغام الراديو. أشارت الأرقام البرتقالية على ساعتي إلى الواحدة والنصف. فكرتُ: يجب أن أخلع هذا الجورب وأرتدي ملابس داخلية. جلستُ ونظرتُ إلى الشارع الرمادي البارد. بدت الشجيرات على العشب المقابل متجمدة وبائسة. تذكرتُ تلك الفترة من العام الماضي حين لم أستطع النوم بسبب خوفي الدائم من اقتحام أحدهم المنزل وقتل الجميع. لكن مع مرور الوقت، زال هذا الخوف وعدتُ إلى النوم. استلقيتُ دون أن أخلع ملابسي، ولففتُ نفسي ببطانية خفيفة. فكرتُ: عاجلاً أم آجلاً، سأنام. كان علي فقط الانتظار.

    لكنني لم أنم، على الرغم من أنني أصبحت مشوشة الذهن لفترات طويلة ومؤلمة. مرت ساعات، وتحولت الغرفة إلى اللون الرمادي. سمعت أصوات الصباح؛ صوت المرحاض، والسعال، وهمهمات دونا العدائية. في الماضي، كنت أستيقظ مبكرًا وأستلقي في السرير أستمع إلى عائلتي وهي تحاول جاهدةً تنظيم نفسها ليومها. غالبًا ما كانت أصواتهم تُشعرني بكراهية لا مبرر لها. أما هذا الصباح، فقد شعرت باليأس والشوق إليهم، واليقين بأننا لن نكون قريبين ما حييت. امتلأت جيبوبي الأنفية بالدموع التي لم تصل إلى عيني.

      طرقت أمي الباب.

     “عزيزتي، ألن تتأخري؟”

   ” لن أذهب إلى العمل. أشعر بالغثيان. سأتصل بهم.”

   “سأفعل ذلك من أجلك، فقط ابقي في السرير.”

   “لا، سأتصل. يجب أن أتصل بنفسي .”

     لم أتصل. ولم يتصل المحامي بالمنزل. لم أذهب أو أتصل في اليوم التالي أو الذي بعده. لم يتصل المحامي أيضًا. لقد تألمت قليلاً بسبب عدم اتصاله ، لكن ارتياحي كان أعظم بكثير من ألمي.

      بعد أن مكثتُ في المنزل أربعة أيام، سألني والدي إن كنتُ قلقةً بشأن أخذ إجازة طويلة. أخبرته أنني استقلت، أمام دونا وأمي. كان مذهولًا. قال:

    “لم يكن هذا تصرفًا حكيمًا. ماذا ستفعلين الآن؟”

      قلت: ” لا يهمني. كان ذلك المحامي وقحًا.”.

      بدأت في البكاء مما أثار انزعاج الجميع. غادرت الغرفة، وشاهدوني جميعًا وأنا أتوقف على الدرج.

    في اليوم التالي أثناء العشاء قال والدي:

    “لا تيأسي لأن وظيفتنا الأولى لم تنجح. هناك الكثير من الفرص الأخرى.”

    “لا أريد أن أفكر في وظيفة أخرى الآن”.

    كان الاستياء يخيم على المكان. قال أبي:

   “هيا يا ديبي، لا تُضيّعي كل ما بذلتِ من جهد في دورة الطباعة”. 

     قالت دونا:

    “لا ألومها. لقد سئمت العمل مع هؤلاء الأوغاد”

    قال والدي:

   “يا إلهي! لو تركتُ كل وظيفةٍ عملتُ بها لهذا السبب، لكنتم جميعًا متّم جوعًا.   ربما كان هذا ما كان ينبغي لي أن أفعله”.

    قالت أمي: “ماذا حدث يا ديبي؟”.

    قلت: “لا أريد التحدث عن هذا”

     ثم غادرت الغرفة مرة أخرى.

    بعد ذلك، ربما شعروا، بحدسهم تجاه البؤس، أن شيئًا فظيعًا قد وقع. لذا قرروا أن يتركوني وشأني.

     استلمتُ راتبي الأخير من المحامي عبر البريد. كان مرفقًا برسالة مطوية تقول: “أنا آسف جدًا لما حدث بيننا. لقد أدركتُ فداحة خطئي معكِ. أتمنى أن تتفهمي الأمر، وألا تُفاقمي الوضع المؤسف أصلًا بمناقشته مع الآخرين. مع أطيب التمنيات.” وفي الختام، أكد لي أنه يُمكنني الاعتماد عليه للحصول على توصيات ممتازة. أرفق شيكًا بمبلغ ثلاثمائة وثمانين دولارًا، أي أكثر بقليل من مائتي دولار مما كان يدين لي به.

      فكرت في تمزيق الشيك، أو إرساله مرة أخرى إلى المحامي. لكنني لم أفعل ذلك. كان مئتي دولار أكثر قيمة حينها مما هي عليه الآن. ومع الأموال التي كانت في حسابي البنكي، كانت تكفي لدفع دفعة أولى لشقة، مع بقاء بعض المال. صعدت إلى الأعلى وكتبت “380” في جانب الإيداع في كشف حسابي البنكي. لم أشعر بأنني عاهرة أو أي شيء من هذا القبيل. شعرت أنني أفعل الشيء الصحيح. نظرت إلى الرقم الإجمالي في رصيدي بمشاعر من الرضا. ثم نزلت إلى الطابق السفلي وسألتُ أمي إن كانت ترغب في شراء بعض فطائر أذن الفيل.

    خلال الأسبوعين التاليين، نسيتُ فكرة العمل والانتقال من منزل والديّ. نمتُ نومًا عميقًا متجاهلة ضجيج الصباح حتى الظهر. استيقظتُ وتناولتُ حبوب الإفطار الباردة وشغّلتُ غسالة الصحون. شاهدتُ حلقات المسلسلات الكوميدية القديمة المملة على التلفاز. حللتُ الكلمات المتقاطعة. استلقيتُ على سريري ملفوففة ببطانية وغطاء ناعم، ومارستُ العادة السرية مرتين أو ثلاث أو أربع مرات متتالية، وأنا أفكر في الأمر طوال الوقت.

     كنت لا أزال في هذه المرحلة عندما ألقى والدي الصحيفة تحت أنفي وقال: “هل رأيت ما الذي يفعله رئيسك القديم؟” كان هناك مقال صغير عن الانتخابات البلدية القادمة في ويستلاند. كان يترشح لمنصب العمدة. أخذت الصحيفة من يدي والدي الممدوتين لي. للمرة الأولى، شعرت بالاشمئزاز البسيط تجاه المحامي. كان ويستلاند لا شيء سوى مولات وأكشاك مخبوزات ومسرح قبيح ضخم مع بركان صناعي أمامه. أي نوع من الحمقى يريد أن يكون عمدة لويستلاند؟ مرة أخرى، تركت الغرفة.

    في الأسبوع التالي، تلقيت مكالمة هاتفية. كان صوت رجل، صوت ناعم  فضوليٌّ، ومواس.    قال:

    ” آنسة رو ؟ آمل أن تسامحيني على هذه المكالمة غير المتوقعة. أنا مارك تشارمينج من مجلة ديترويت”.

     لم أرد على الفور. استمر الصوت بتردد أكبر.

   “هل أنتِ متفرغة للحديث، آنسة رو؟”

    لم يكن أحد في المطبخ، وكانت والدتي تشغل المكنسة الكهربائية في الغرفة المجاورة. أجبت :

      “عن ماذا؟” .

    ” عن صاحب العمل السابق لك.”

 أصبح الصوت جادا قليلاً عند قوله لهذه الكلمات، ثم عاد بسرعة إلى نبرة المواساة.

     “أرجو ألا تصابي بالدهشة أو الضيق. أعلم أن هذه المكالمة قد تكون مزعجة بالنسبة لك، ومن المؤكد أنها قد تبدو تدخلًا غير مريح.”

     توقف للحظة، كأنما ينتظر مني أن أضحك أو شيء من هذا القبيل. لم أفعل، فازداد الحذر في صوته.

    “الموضوع هو أننا نعد تقريرًا عن صاحب العمل السابق لك في سياق ترشحه لمنصب العمدة. وللتعبير عن الأمر بشكل معتدل، نعتقد أنه ليس من المناسب له أن يترشح للمنصب العام. نعتقد أنه سيكون ضارًا جدًا لمنطقة ديترويت بأكملها. لديه سمعة سيئة جدًا، آنسة رو، وهذا قد لا يفاجئك.”

    كانت هناك وقفة أخرى حذرة لم أستغلها.

    “آنسة رو، هل ما زلتِ معي؟”

    “نعم.”

    ” ما أريد أن أقوله هو أنه لدينا سبب للاعتقاد بأنك قد تكشفين معلومات عن صاحب العمل السابق لك قد تضر به. هذه المعلومات لن ترتبط باسمك أبدًا. سنستخدم اسمًا مستعارًا. سيتم حماية خصوصيتك تمامًا.”

    توقفت المكنسة الكهربائية، وخيّم الصمت  من حولي ،شعرتُ بانقباض في حلقي.

    “هل تريدين وقتًا للتفكير فى الأمر  يا آنسة رو؟”

   ”  لا أستطيع التحدث الآن”، قلت ذلك وأغلقت الهاتف.

    لم أستطع المرور عبر غرفة المعيشة دون أن تسألني أمي عمن كان على الهاتف، لذا نزلت إلى الطابق السفلي. جلست على الأريكة المترهلة، ملتفة حول نفسي، غير مبالية بالحشرات. أسندت ذقني على ركبتي وحدقت في صناديق كتب والدي القديمة وعلب دمى باربي البلاستيكية المكتظة بأدوات باربي التي اعتدت أنا ودونا اللعب بها على الشرفة الأمامية. برزت قدم وساق بيضاء متصلبة من علبة زرقاء سماوية، عاجزة ومتصلبة بشكل مثير للشفقة.

    لسبب ما، تذكرت المرة التي أخذتني فيها أمي لرؤية طبيب نفسي قبل بضع سنوات. كان أحد الأسئلة البديهية التي طرحها عليّ: “ديبي، هل تشعرين أحيانًا وكأنك خارج نفسك، كما لو كنتِ تشاهدين نفسك من مكان آخر؟” لم أشعر بذلك حينها، لكنني أشعر به الآن. ولم يكن شعورًا سيئًا على الإطلاق.   

النهاية.

المؤلفة : ماري جيتسكيل / Mary Gaitskill (من مواليد 11 نوفمبر 1954)  كاتبة رواية ومقالة وقصة قصيرة أمريكية. ظهرت أعمالها في مجلة “نيويوركر”، مجلة “هاربر”، مجلة “إسكواير”، “أفضل القصص القصيرة الأمريكية” (1993، 2006، 2012، 2020)، وقصص جائزة أو. هنري (1998، 2008). تشمل كتبها مجموعة القصص القصيرة “سلوك سيء” (1988) ورواية “فيرونيكا” (2005)، التي تم ترشيحها لجائزة الكتاب الوطنية في فئة الرواية وجائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية في فئة الرواية. ولدت جايتسكيل في ليكسينجتون، كنتاكي. عاشت في مدينة نيويورك، وتورونتو، وسان فرانسيسكو، ومقاطعة مارين، وبنسلفانيا، والتحقت بجامعة ميشيجان حيث حصلت على درجة البكالوريوس في عام 1981 وفازت بجائزة هوبوود. باعت الزهور في سان فرانسيسكو كمراهقة هاربة. قالت جايتسكيل إنها اختارت أن تصبح كاتبة في سن 18 لأنها كانت “غاضبة من الأشياء – كان ذلك الإحساس النموذجي للمراهق بأن ‘الأشياء خاطئة في العالم ويجب أن أقول شيئًا.'”تزوجت من الكاتب بيتر تراختنبرج في عام 2001؛ ثم تطلقت في 2010. قامت جايتسكيل بالتدريس في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجامعة هيوستن، وجامعة نيويورك، والمدرسة الجديدة، وجامعة براون، وجامعة سيراكيوز، وفي برنامج الماجستير في الفنون الجميلة بجامعة تمبل. وكانت قد شغلت سابقًا منصب كاتبة مقيمة في كليات هوبرت وويليام سميث وكليات باروخ. اعتبارًا من عام 2020، جايتسكيل هي أستاذة زائرة للأدب في كلية كليرمونت ماكننا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة