سوق الطمأنينة / سميرة جدي -الجزائر

في مدينتنا، لم يكن أحد يخاف المستقبل؛ فقد افتُتح فيها سوق يتكفل ببيعه للناس مطمئنًا، معبأً في علب أنيقة، ومرفقًا بكتيبات صغيرة تشرح طريقة استعماله.
كان السوق يقع في قلب المدينة، بين مصرف كبير يبيع الأحلام بالتقسيط، ومبنى فخم تُمنح فيه شهادات السعادة لمن يُتقن إخفاء تعاسته.
على بوابته عُلّقت لافتة ذهبية كُتب عليها:
لا تُتعب عقلك في التفكير، لكل حيرة إجابة، ولكل خوف حل، ولكل حياة ناجحة نموذج جاهز
وكان الناس يدخلونه مثقلين بالأسئلة، ويخرجون منه خفيفي الرؤوس، ممتلئ الأيدي بالأكياس.
في الجناح الأول، كانت تُباع وصفات النجاح، يشتري الشاب وصفة، فيتعلم كيف يستيقظ، وماذا يقرأ، ومن يصادق، ومتى يعمل، وكيف يتحدث عن إنجازاته. وكان البائع يؤكد له أن الفشل لا يصيب من يلتزم بالتعليمات.
وفي الجناح الثاني، كانت تُعرض وصفات الزواج السعيد، تشتري الفتاة واحدة، فتتعلم كيف تكون زوجة مثالية، وكيف تُخفي غضبها حين يلزم، وكيف تبتسم حين لا ترغب، وكيف تتنازل عن بعض أحلامها كي لا تُتهم بالمبالغة. ويشتري الشاب وصفة أخرى، فيتعلم كيف يبدو قويًا، وكيف لا يعترف بضعفه، وكيف يقيس نجاح زواجه بمدى صمت المشكلات لا بمدى سعادة قلبين.
أما الجناح الثالث، فكان أكثر ازدحامًا من سابقيه؛ فقد خُصص لبيع السعادة، كانت هناك علب صغيرة مكتوب عليها: «سعادة لمدة أسبوع»، وأخرى أكبر قليلًا: «رضا عن الذات حتى إشعار آخر»، وعلب فاخرة تحمل عبارة «حياة مثالية، خالية من المقارنة.
لكن أكثر المنتجات رواجًا كان مسحوقًا أبيض يسمى «لا تكترث»، يُنصح برشه على القلب كلما تألم صاحبه من نجاح الآخرين.
كان الناس يشترون كل شيء، حتى إن بعضهم صار يخشى الخروج من السوق دون كيس؛ إذ اعتاد أن يظن أن كل مشكلة لا يملك لها حلًا معلبًا ستلتهم حياته.
وحده يونس كان يتجول بين الأجنحة دون أن يشتري.
لم يكن رجلًا حكيمًا، ولا فيلسوفًا قضى عمره في قراءة الكتب. كان مجرد شاب أنهكه السؤال عن الحياة التي يريدها، حتى بات يشعر بالخجل من حيرته.
وقف ذات صباح أمام بائع السعادة وسأله: هل لديك شيء يجعلني سعيدًا حقًا؟
ابتسم البائع، وأخرج علبة زرقاء ،…
… هذه أفضل منتجاتنا. تمنحك الرضا عن حياتك كما هي
وماذا لو لم تعجبني حياتي؟
تحتاج إلى علبة ثانية.
وماذا لو لم أعرف أصلًا ما الذي لا يعجبني فيها؟
تغيرت ابتسامة البائع قليلًا.
لدينا منتج خاص لهذه الحالة، لكنه أغلى ثمنًا. يجعلك تتوقف عن طرح الأسئلة.
تراجع يونس خطوة، ثم مضى. وفي اليوم التالي، عاد إلى السوق وسأل بائع النجاح
كيف أعرف أنني أسير في الطريق الصحيح؟
أجابه الرجل بثقة: إذا كان الناس يصفقون لك، فأنت على الطريق الصحيح.
وماذا لو صفقوا لطريق لا يشبهني؟
لا تشغل نفسك بالتفاصيل. التصفيق علامة كافية.
خرج يونس، وفي داخله شيء صغير بدأ يضيق.
كان يلاحظ أن الناس في مدينته يتشابهون أكثر كل يوم. يختارون المهن نفسها، ويطاردون الأحلام نفسها، ويخشون الإخفاقات نفسها. حتى أحزانهم أصبحت متشابهة؛ فحين يحزن أحدهم، يبحث عن العبارة المناسبة لنشرها، وحين يفرح، يبحث عن الصورة التي ستثبت للآخرين أنه سعيد.
لم يعد أحد يسأل الآخر: ما الذي يؤلمك؟
بل صاروا يسألونه: هل جربت الحل الذي يوصون به؟
وذات مساء، رأى يونس رجلًا مسنًا يجلس خارج السوق، يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا لا يحمل أي علامة تجارية.
اقترب منه وسأله:
ماذا تبيع؟
أجابه الرجل: لا أبيع شيئًا
فلماذا تجلس هنا؟
. لأنني كنت أعمل في الداخل
نظر يونس إلى الصندوق وسأله:
وماذا كنت تبيع؟
كنت أبيع اليقين.
هل هذا سيئ؟
تنهد الرجل، ومسح الغبار عن الصندوق.
ليس اليقين سيئًا يا بني، لكنني اكتشفت أنني كنت أبيع للناس أجوبة عن أسئلة لم يمنحوا أنفسهم وقتًا كافيًا لطرحها. كنت أقول للخائف ما ينبغي أن يخشاه، وللحائر ما ينبغي أن يختاره، وللتائه أين ينبغي أن يصل. وحين كانوا يعودون إليّ بأسئلة جديدة، كنت أظن أن بضاعتي لم تكن كافية، فأزيدها تنوعًا، وأرفع أسعارها.
سكت قليلًا، ثم أضاف: حتى جاءني رجل في مثل عمرك، اشترى مني كل وصفات النجاح، وعاش عمره يطبقها. وحين بلغ الستين، عاد إليّ وسألني: «أين أجد وصفة تعيد إليّ السنوات التي عشتها حياة شخص آخر؟
رفع يونس عينيه.
وماذا أجبته؟
لم أجد في متجري ما أبيعه له.
فتح الرجل صندوقه، فإذا به فارغ إلا من مرآة صغيرة متشققة.
… هذه آخر ما بقي لي
أخذ يونس المرآة، ونظر فيها طويلًا. لم يرَ وجهه فحسب، بل رأى شابًا قضى أعوامًا ينتظر من الآخرين أن يمنحوه الإذن ليعيش، ويبحث في أصواتهم عن صوت يطمئنه إلى صوته.
سأل الرجل: وما ثمنها؟
أجابه: أن تتحمل رؤية نفسك دون أن تسارع إلى تغيير ما تراه إرضاءً لأحد
أعاد يونس المرآة إلى الصندوق، وشكره، ثم وقف أمام السوق للمرة الأخيرة.
كانت المدينة تضج بالحركة. يدخل الناس حاملين مخاوفهم، ويخرجون حاملين حلولًا أنيقة، ثم يعودون بعد أيام لشراء حلول جديدة؛ فقد كانت لكل إجابة صلاحية تنتهي بانتهاء مفعولها.
فكر يونس في أن يشتري شيئًا، أي شيء، لمجرد أن يشعر بالأمان. كان الخوف من المجهول يضغط على صدره، وكانت فكرة أن يخطئ دون أن يجد من يلومه أو يستشيره أشد رعبًا مما توقع.
لكنه، للمرة الأولى، لم يهرب من خوفه.
وقف أمام البوابة، وقرأ اللافتة الذهبية. ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة كتب عليها منذ سنوات سؤالًا لم يجرؤ على الإجابة عنه:
«ماذا أريد أن أكون؟»
ظل ينظر إلى السؤال، ثم طوى الورقة ووضعها في جيبه.
لم يعرف الإجابة.
ولم يشترِ إجابة.
مضى في الطريق، مرتبكًا، خائفًا، لكنه كان يشعر بشيء لم يختبره منذ زمن طويل؛ شعور يشبه الطمأنينة، وإن لم يستطع تسميته.
وفي صباح اليوم التالي، افتتح السوق جناحًا جديدًا.
كانت اللافتة فوقه تقول:
«كيف تتخلص من الحيرة وتعيش مطمئنًا دون الحاجة إلى التفكير؟»
اصطف الناس أمامه في طوابير طويلة، يتسابقون لشراء المنتج الجديد.
أما يونس، فكان يمشي في الجهة الأخرى من الشارع، يتوقف أحيانًا، ويتراجع أحيانًا، ويغير وجهته حين يشعر أن الطريق لا يناسبه.
لم يكن يعرف إن كان سيصل، لكنه كان يعرف، للمرة الأولى، أن الطريق الذي لا يملك فيه حق الاختيار ليس طريقه، حتى لو أوصله إلى المكان الصحيح.
وفي المساء، حين سألته أمه عن سر هدوئه، أجابها: لا أعرف إن كنت مطمئنًا يا أمي، لكنني لم أعد أشتري الطمأنينة.
ابتسمت وسألته: وماذا تشتري إذن؟
نظر إلى النافذة، حيث كانت الشمس تغادر المدينة دون أن تستشير أحدًا في موعد رحيلها، وقال:
لا شيء. أحاول فقط أن أتعلم كيف أعيش.
ولم تكن تلك إجابة نهائية.
لكنها، للمرة الأولى، كانت إجابته هو.



