غربة النضج/غدير حميدان الزبون

فلسطين 
يزحفُ المساء التشريني ببرودته المعهودة عبر شقوق النافذة، وهو يجرّ خلفه رداءً من الضباب وصوتاً خافتاً لخطوات المطر الأولى على الزجاج.
جلست في زاوية الغرفة غارقة في عتمة خفيفة لا يكسرها إلا ضوء مصباح طاولة أصفر يلقي بظلاله على أصابعها الممسكة بقلم حبر جاف، وعلى دفترها السميك الذي شهد ولادة روايتها الأولى.
انتهت الرواية، لكنّ شيئاً ما في صدرها لم ينتهِ بعد.
تجاوزت كلّ الفصول عابرة بحر الكلمات، والآن.. تقف عند الصفحة الأخيرة.
تقف مذهولة عند الصفحة البيضاء التي من المفترض أنْ تحمل كلمة النهاية، لكنها تعرف أنّ النهايات في الكتابة كالنهايات في العمر، ليست سوى اعتراف صامت بالخسارة.
تضع القلم على الورق لتكتب خاتمة لقصتها هي مع الحياة.
تبدأ في خط الكلمات ببطء مقيت يقترب من الملل أحيانا، ومن فقدان الشغف في أحايين أخر، وكأنها تنحت في لحم روحها العاري.
كتبت: “في تشرين هذا، وأنا أضع النقطة الأخيرة على سطر هذه الرواية، ألتفت إلى الوراء فأرى أجزائي التي تساقطت مني على طول الطريق لكي تولد هذه السطور.
يظنّ مَن سيقرأ هذا الكتاب غداً أنني كبرتُ، وأنني نضجتُ، وأنّ وعيي استقام وصار قادراً على صياغة الألم في جمل أنيقة.
لكنّ الحقيقة الإستثنائية التي لا يعرفها القول هي أنني كبرتُ بما انطفأ في داخلي من وهج.
نكبر بالدهشة التي تموت في عيوننا كلما رأينا زيفاً جديداً، ونكبر بالثقة التي نخلعها عن قلوبنا مجبرين كما يخلع تشرين أوراق شجره.
كلّ فكرة عميقة أودعتها هنا كانت في الأصل شعوراً حياً مات في أعماقي. فالحكمة هي التعويض المتأخر جداً عن روح لم تعد قادرة على الارتجاف. نحن ننمو لأنّ الخواء يتسع فينا.
نكبر في كلّ مرة نختار فيها الصمت بدل العتاب، لأننا فقدنا الأمل في أن نُفهَم.
أغلق هذا الكتاب اليوم، وأنا أدرك أنني أنجزت روايتي الأولى، لكنني خسرتُ في المقابل طفلتي الأولى.. تلك التي كانت تصدق أنّ الحياة دافئة، وأنّ الوداع مؤقت، وأنّ المطر يغسل الأحزان، وأنّ وأنّ وأنّ….
أقف الآن بكامل نضجي، بكامل كبريائي، وبكامل فزعي من هذا الهدوء الذي يسكنني.
لقد كبرتُ أخيراً.. كبرتُ لدرجة أنني لم أعد أشبهني”.
ترفع القلم.
لا يزال الحبر الأسود رطباً على الورقة، يلمع تحت الضوء الأصفر كدمعة جفّت للتو.
تطبق الدفتر بهدوء يُشبه هدوء المقابر، وتنظر إلى الفراغ التشريني في غرفتها مدركة أنّ أسوأ ما في النضج هو أنه يجعلك غريباً عن نفسك التي كنت تحبها.
هذا المساء التشريني يحمل رغبة في البوح وأكثر.



