موشور الرماد/ جواني عبدال

- فردة وفردتان
بعد أن اختارني كالعادة ملهوفاً يريد ودي لمشوار مهم، كرفيق درب وشريك صمت- مرت الأيام في بداياتها الأولى حلوة، فقد انتشلني من انتظاري الممض لفارس أحلامي، وخطبني بعد لأي ونقد مدفوع وسين وجيم، تحقق مرادي فقد فرج صبري وتجمل أخيراً، وكان أن دخل قلبي مما لاحظت من ميله إلي، فقد اختارني من بين العشرات اللواتي كنّ بانتظار يد تنتشلهن من لامبالاتهن. اختارني رفيقاً وزوجاً لمسيرة الأيام، حقيقة تبدأ حياتنا معهم قريناً سوياً، وما حياتنا إن لم تكن بهم تنعم في مهدها.
لسهرية.. حين أتينا معاً بدافع انه يود أن يذهب إلى بعض أصدقائه لعمل ما، وترجاني أن أبقى على حيائي إلى أن ينتهي وسيعود سريعاً، لم يكن مكاني مريحاً وأنا اركن إلى زاوية المقعد من مكان أشبه بالحديقة التي لا أعرف عنها شيئا، كان هناك البعض الكثير من رفيقات بحيث لم يكن المكان مهجوراً حتى أخاف وأفزع، لقد كان المكان آمناً، وإن لم يكن مريحاً البتة. لا.. حين أتينا كان الظلام في أول الليل وقد بدأ ينقّط النور من المصابيح المعلقة على جانبي الطريق، وكان القمر المدور يسطع أميراً، مع نسمة بداية شهر آذار الذي عانى الكثير بعد شهور الشتاء في مسير مخاضه..
المهم.. بعد أن ركنت هناك أمام الباب والبرد يتسلل من شقه بين مجموعة متماثلة نزقة في ذلك الصمت المبجل، كنت اعتقد باني العروس وإذا بيّ مركونة بين أسمال، واركن مع النعال، فهل قصرتُ في شيء، لا أعرف؟!، فقد قال لي: انتظريني هنا؛ وسأعود بعد مسامرة عادية لبعض الشؤون..؟
بالتأكيد لا اعرف لي نسباً وإن كان منبتي متواضعاً، ولكني لم آتِ من خلف الجدار، أكنت من ظهر ثور أو من جلد حمار، فانا روح وأصبح لي كيان، وبت انتظر فارس الأحلام الذي سيأتي على ظهر حصان أبيض، أنا بانتظار أن أكون طيعة وأكون لصاحبي كما يريده حبيبي.
وحين لاقيت هذا الجفاء، “من لقى أحبابه نسيّ أصحابه”، ماذا عليّ أن أفعل؟، تنرفزت وأخذ الحنق مني مأخذاً منحرفاً، وأخذتُ أتنفس قهراً من شراييني دماً، طال الوقت أو قصر. أغمضت عيني بيدي، ويا للمفاجأة أخذتني سنة نوم لذيذة وبدأ ينغزل في حلم مزعج، كأني تلبست غيرة وكرباً.. وكأني تقطعت تحت حواف مفرمة كبيرة، يا لطيف كأن قطارا أتى ليدهسني، كنت أنادي على من ينقذني، فصحت على أبي وجدي مستنجدة، ثوراً كان أم جاموساً يدرس على القش..
وكان أن لقيت أول منفذ لأهرب إلى غير رجعة، أفقت وإذا بأحدهم يهم بالمرور أمامي فأمسكت به ملهوفة متماهية أن أحرد من هنا إلى صدر آخر، أو أن أعود إلى بيتي دونه، وكان ذلك بأن قلت: خذني بطريقك رجاءً. لست أدري أسمعني أم لا ؟، ولكنه لم يرد عليّ إنما أخذني.. وقد سررت لذلك.
أخذني معه وأنا أتخيل موقف صاحبي وعدم اهتمامه بي كفاية، رغم أنه سيفتقدني وسيلهفُ عليّ جدا، ولكن ليكن ذلك.. وليقدرني حق قدري أو على الأقل لأني بتّ من خاصيته وضمن حرملكه.
مر الوقت أو بعض منه ثقيلاً، عرفت مصيري وأين يجب أن أكون، وبعد أن انتقلت إلى الآخر الذي لم يتوانَ هو أيضاً بفقد صديقته التي تخصه، هنا ندمت على تسرعي، وكذلك أحسست بندم صاحبي هذا، وكذلك الآخر بعد انتهاء وقته، بدأت الاتصالات جارية على سكة دائرية راجية عودة الأمور إلى نصابها، فاتصل بي للرجوع فتجاهلته ولم أرد عليه.. بل اقترحت عليه طلاقاً بائناً.. فلم يعد مهماً لي من كان ومن يكون.
فاتصل بصاحبي الجديد يريد عودتي، ولأنه أيضاً يحتجز صديقته التي كانت تنتظره، فحين أخذني وتلبس عليه الأمر، بقيت خاصيته وحيدة فأخذها صاحبي الأول لمشوار الطريق نكاية به وبيّ.
و قد كان ماكان.. وإن تداول الأمر وتأوَّل بأنه هجر وحرد مع أن الأمر برمته سوء تفاهم لذيذ. وما تقولت به الأحاديث بأنها خطيفة واغتصاب. ولكن.. والله وأحلف ثلاثاً كانت شقاوة آنية لا أكثر.
2- أبو محمود
صاحب البيت أبو محمد -الذي ينزل مهرولاً من فوق إلى الصالة ليرد على هاتف يلح رنينه، يرفع السماعة.. فيأتيه الصوت.
– آه أبو محمد أين أنت، لقد اتصلتُ البارحة طويلاً بعد مغادرتي لك بالهاتف ولم أجدك؟.
– آه أبو محمود؛ ألا تعرف أني اسكن بالطابق الأعلى، ولا يوجد به هاتف بعد..
– آه لقد قضيتُ وقتاً صعباً، المهم.. لقد تبدل حذائي، فاني أسال ممنْ في السهرة أخذه.؟.
– آه هو أنت.. الحذاء ؟، لقد أدعى أبو أحمد الكلام نفسه، حين همّ بالخروج بعدك، يبدو أن الأمر التبس في عجلتكم أن لا تلاحظا أحذيتكما فلبس أحدكما ما للآخر.
– صحيح.. صحيح والله..
– تذكر، لقد خرجتَ قبلاً مع السيدة نرجس، ومن كثرة تلهفك معها، لبست حذائه دون أن تطرق نظرة عنها إلى أسفل.. إلى ما تنتعل.
– صحيح.. أعتقد هذا الذي حصل، ولكن أتدري بأن ذلك أحدث لي بلبلة في البيت، فقد حدست زوجتي ذلك، وادّعت بأني كنت عند نرجس، وقد فاجئنا أحدهم فوليت هارباً من النافذة دون أن الحظ أني انتعلت أحذية أحد من أهلها، فاستبدلتُ حذائي البني بالأسود التي لاحظته هي من أول وهلة، كأنها تشم رائحة عطر نرجس المهداة الذي كنت أتعطر به.. فحردتْ الليل كله ونمتُ خارجاً.
– ما هذا الخيال الواسع! قلتَ عطر نرجس؟.
– تعرف أنها زميلة بالعمل، وهي أهدتني قنينة عطر، وحكيت ذلك زوجتي حين سألت عن القنينة العطر.
– يالله؛ سوء تفاهم لذيذ.. وبعد.
– فهاتفتك فوراً لأقطع لها الشك باليقين وأصلح البين. وقد تبادلنا التهم كل الليل، وبعد كذا محاولات مجهضة لم أفلح بالاتصال بك. أكنتَ نائماً أو كنتَ في الأعلى لم تنزل بعد؟، المهم.. هاهي جنبي وهي تضحك مزمجرة من تصرفي، لست أدري أهي مصدقة ما حصل.. أم مكذبة؟.
– حذاء! ولكن هذا دليل محبة بينكما يا رجل. هاتها لأجبر خاطرها بكلمتين.
– رجاءً.. خذ كلّمها عني، وأحكِ لها قصة الحذاء المتبادل.. لتطمئن.
– حسناً، هاتها لأضعها في صورة ما حدث.. كل هذا يفعله حذاء أم شيء آخر؟!!.
– نعم؛ هكذا.. يبدو ولا ريب.
18/8/2008



