غداً.. لن يبدأ هذا الليل/جواني عبدال

الدنيا في خريف تشرين، عتمة أضواء الشارع وبقايا سنين، هزيع الليل ينطبع مع ظله الشريد، والبرد أمير الليل الطريد، على أبواب المدينة، على أبواب المساجد الحزينة، وهو في خضمها يجهش بالبكاء ويقول:
– صوت منْ.. أي صوت.؟ ينام في معطف العراء، مكرعاً الجوع بالمجان ، والبرد المصون، صوت من.. أنه المغني العجوز.. والطفل الذي يتطلع إلى نهار جديد، ولليل لن يعود، أي صوت.. شبح موت.؟ صرخة الوليد الأولى.
* * *
لا شيء سائد غير الوجوم، في زاوية معتمة من حديقة منسية، المغني العجوز والطفل ينامان عراءً أطراف المدينة.. الطفل يلفه الوجوم مترقباً ميلاد فجر لنورس مهاجر، استفاق.. الجوع يتوطن الأفئدة والحشايا مع البرد اللص، الليل طويل والشتاء أطول، وتكر أغنية /سلمة يا سلامة/، تكوّر كالقط تحت خرق لحافه، وتلهى بإصبعه بالحصى والتراب.. إلى متى تترادف مسبحة الأيام بحباتها هكذا، ترى هل تطول..؟ الجوع وحش.. والنوم ينام على مقربة منه مراحا في غصن نبات متسلق، وألقى بحفنة تراب ملء يده على النبات وعلى العراء، واستلقى كي ينام متجاهلاً وحشة الظلام، رفع الغطاء ليندس بكامل نفسه، وألقى نظرة، لمح والده المغني العجوز ينام، ورأى.. يا هول ما رأى.؟! عيناه لؤلؤتان تشع فيهما النجوم، وبياض الأسنان في افتراء الشفتين في شبه ابتسامة جائعة، هو أيضاً لم ينم.. لعله يحلم بنهار جديد، لليل يكابد النـزع الأخير في الشرق..
– ألم تنم بعد..؟ وأعاد السؤال نفسه: -أبي ألم تنم بعد..؟
وانكسر الصوت في مسمعه، طارت الكلمة، فإذا بها لا تصدي غير كلمته، وإذا بالظلمة تمتد ولا شيء سواها، بدأت الدهشة ترتسم حوله بشكوك الوحدة.. ترى أين ترعى أحلامه.؟
قام واقترب منه.. ولمس بأطراف أصابعه وجهه الملتحية، أحس ببرودة ندية، بشيء لزج من مادة اللعاب والبلغم ومفرزات العرق المتبلورة بالدهن والملح أو ما شابه.. كجلد سمكة ملقاة على رمال الشاطئ، رائحتها تزكم الأنوف، وكجراد يهرس الأحماض خلال أسنانه، ما هذا الدبق.. يا إلهي ؟وأحس بألم من جراء ذلك وصداع، أن المبغى لا يعدو أن يكون لغزاً أبدياً غامضاً ليس إلا، لا يميز فيه كائناً أو شيئاً ما إلا الجلالة والهيبة، وكصرخة مختومة آه، اجتاحت حواسه آه منعزلة.. منفرة، وأحس بأنه فقد أعز ما يملك، ولهنيهة لم يدر ماذا يجري حوله، وما الذي أصابه، في أي نسمة يعيش.. من أي نسمة يختنق..؟ لم تعد للرؤيا تبصر.. مجرد تخيلات وآلام.. وصار قاموساً طي الكتمان، فَقَدَ الإحساس بالمكان والزمان وغاب عن الوجود والكيان في لا مجهولية مطرزة بالوحدة، واستفاق على صوت يخاطبه:
– يا فتى لما تصرخ.؟ لقد أزعجتنا بعويلك، هل جُننت.. دعنا ننام، هه.. لما تصرخ هل جائع أنت أم بردان..؟ إنّا مثلك.. ولكن، هاك كسرة خبز.. وهاك هذه البطانية تلفح بها وأهدأ حتى الصباح.. إنه على الأبواب.. ودعنا في نومنا..
ملك خناق الفتى عويل متواصل ممزوجاً بالدموع واللعاب، فللألم فسحات تجتاز العتبات والدور حيناً وتحيا في الموجة والأثير:
– لا لا. إنه أبي.! إنه نائم لا شخير يؤلمه.. لا أنين الجوع ولا البرد الذي سيلفه الكفن المستبدان بي الآن.
من أين للوجود أن يفسر حالته هذه والظلمة مائلة، وللقمر نور قلما يجود به التساوي.. لقد مات الوالد العجوز في وحشة من الليل ولم يذهب منه ثلثاه.. لقد مات شهيداً ورأسه على معزفه، رغم أنه كان يتلهى بمسحته أمام الجامع.. وأمام الناس، مات ولن يعود، /كلمة: لن يعود تتردد بالصدى في أذنيه/، ودموع تسقى بالإسفنج.. وهو قابع بقرب جثته، بجلالة وهيبة غريبتين لم يتعودهما.
– لا.. لا.. ما أوحش الدرب. آواه.. ما أوحش الليل بلا مأوى.. لماذا تركتني وحيدا هكذا.. لما؟.. إنني أخاف.. حتى من ظلي، لم أرك هكذا في جلالة النوم الجليل، رغم أنه ليس للشارع والملجأ، أضواء ومصابيح.. كان القمر يكلله بنوره.. بشكل آخر. ثمة أضواء تعكس دروب الأيام والزمن المكسور- ممر الريح- تفاهة الإنسان بأنه فان، آواه.. كانكسار الضوء في الماء.. ناداه بصوت من الآهات..
– يا هذا هون عليك، إنها رحلة الموت، والموت قدرٌ لابد منه. وللقدر شؤون، والموت حق، ها هو الصباح، لندفنه بما يليق.؟ لقد عاش وكافح. لم ييأس، وأنت أمنيته فبرهن على ذلك.. لا تخف لست وحيداً فنحن إلى جانبك..
إنه لا يخاف.. كان يخاف من الزمن.. يخاف كثيراً، كان يخاف على حياته.. على صحته وعلى دربه، أيّا والده والآن مما يخاف؟
– لا.. لا إنه نائم كيف مات.. وكيف يموت.. إنكم لتكذبون..
وأقترب آخر وقد تأسف على رفيق قائلا:
– لندفنه رحمة كان يوماً إنساناً، إنها مهمة يبدأها الأزل وينهيها هكذا. بسؤال ملح: لماذا جاء ولماذا راح؟!.
وبدأ الطفل يصرخ ويقول.. والكلمات مجبولة بالدمع والحنين: لا.. لا إنه أبي !!.
كيف نطق بها، أنه الوجود.. الميلاد غير المنتظر، الوجود الذي يهبه لنا في غفلة عن الزمان، إنه منذ الآن نبت فيّ أنا.. بكل صفاته رغم صفاتي، فها أنا.. ووصيته أن أصبح واحداً قوياً، والمسكين لم يعلم أن وصيته تقال في لحظة مماته، فيا والدي.. والمعزف ينام ملء الهواء والعراء.
حين كان صغيراً وكانت أمه على قيد الحياة. ويمتلكان بيتاً وماشية قبل الطوفان، في المملكة الجبلية ذات الربيع والثلج، كانت تسكن بجوارهم فتاة صبية بلون الصخور.. جميلة-سمراء- وكانت للأقمار رائحة الخبز والمطر، وهو في مهبٍ يغني لها بمصاحبة معزفه: / سلمة يا سلامة /
آه يا سلام.. على الحب يا سلام
آه يا سلام للخبز وسير الأيام
آه يا سلام وانت حلال وحرام
وتدبك الأقدام، الفرح لا يعرف إلا منديلا يلوح، الدفء يدغدغ رموشها، حين أقبل الطوفان.. وزلزلت الأرض زلزالها، وبدأ الربيع أرض محروقة، والنار أشجار.. أقبل هو والعجوز، يعزف لها لحنه القديم /سلمة يا سلامة/:
آه يا سلام على العمر يا سلام
آه يا سلام والدرب مجاهل ومرام
آه يا سلام والذكرى كلام في كلام.
كانت أكثر بياضاً.. وأكثر سواداً بالكحل حول العين.. أطول قامة، واكبر نهدا، لم تعد ترعى الأغنام.. بات همها المرآة والشباك.. بوصمة العار تشيح عنها الإبهام..
– اذهب.. عني يا شحاذ، لم أعد سلمة.. يا صاحبي.
* * *
أفي وسع الإنسان أن يرى الموت ولا يرهبه.. ها هو ذا موت وحياة، واتحدنا، إنه نبت في الآن.. وهبني جناحين، والطير لا يقوى على الطيران بجناح واحدة ، أنه الوجود الذي يهبه لنا في غفلة عن الزمان، لقد أعترف بي كإنسان.. على غير علم منه ومني، كنت أجره للإعتراف بيّ، لقد وهبني الحياة، وأوكل إليّ رجولتي التي كانت في أوردته.. ولم يعترف بي إلا الساعة.. الساعة هذه فقط.. فهذه سنة عبثية بني البشر.. وأنت عشت في هذه العبثية، سأجلّك يا والدي-وأحبك أكثر وليكن دربك مضماري.. سامحني يا والدي.. واعذرني…. فللحياة شأن في ذلك.. تبرز شيئاً وتحجب شيئاً آخر، كبراعم الغصن في فصل ما.. تتنامى ثقيلة تحت عبء الثلج وضربات المطر، وكضوء قمر في ضباب تشرين .. يبزغ ويشرق.. وأنكفئ على نفسه يباكي الدمع والملح… والآه.
* * *
وتذكر تلك الجماعة في تلك الليلة ويشهدون، بأن الفتى ذو الربيع الفتي، وهم يوارون الجثة التراب والرحمة في جو مهيب،كان يتعبد أمام جثة مسجى كبوذي أمام شمس الصباح، وكعاشق العذاب… يتضمر في جلال وخشوع، إلا انه يشهد الرجل الأول والأخير يدفن.. يدفن ولن يعاد.
في تلك الليلة حدثت أشياء كثيرة ، يذكرها الفتى بإجلال، وهل امرؤ آخر أحس بما حدث من انفعالات وأماني إلا من ابتلى.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. والحي ابقى من الميت، حقاً وهبته الحياة بعضاً من فتوة وقوة.. حياة الشمس.. على الأعشاب والصخور.. والتراب. وكان الندى يألف الحشائش بلون القمر.. والسماء والعصافير تنادي.. والديوك:
– هيا فالصباح.. فالصباح ربما شمس.. وحقيقة.. ومسيرة الحياة من الجديد، أمام القبر الجديد.. والدرب الجديد ركع هنيهة وقد أخضب التراب بدمعه وحمل قيثارته. ميراثه الجديد الباقي.. ومضى.. يرمق الأفق بعين مجيد.. للحياة بآمال وطموح جديدة.. يبحث عن عاشقه عيناها بلون الشفق.. يبحث عن سلمة التي تبحث في صفحة النهر عن عشيق متأخر، سار مرفوع الهامة، لأن غدا لن يكون النهار كما مضى، ولن يعود هذا الليل ثانية.
#خريف/1976
بقلم/ جواني عبدال



