الشفط / جواني عبدال

*-*
بعد لأي دام فترة طويلة، وواسطة من هنا ومن هناك، توظف المدعو (ونيس) في مديرية الأحراش وتثبيت الأشجار وتزيينها بالأخضر والأصفر في الشوارع والحارات.
كان شابا جميلا كامل الأوصاف في مقتبل العمر.. بعد أن توظف بفترة وجيزة وأخذت تسير الأمور على يديه، رأى يوما في الظهيرة تضخما في انفه، وأحس كأن نبت له خرطوم صغير في فمه أشبه بما يكون للفيل، يشفط الهواء أكثر بكثير مما تحتمله رئتاه. فبات يزفر أكثر وأكثر مما يشهق حتى يوازن فيما بينه وهذا المستجد الطارئ المتذبذب، مع العلم أن الأمر كان يأتي ويذهب، يطول ويقصر..
خجلَ من هذا الوضع ومن منظره أن يكون هكذا، استحى وهو يحمحم كالخنـزير، فوضع يده على فمه مداراة واستحياءً، إلى أن وصل إلى البيت، ولما عرض الأمر على زوجته:
– ما قصة أنفي.. ما قصة هذا الهواء الثقيل، وهذا الازدياد المطرد للتنفس و.. ازدياد الاستنشاق عندي..
لم تكترث الزوجة بما سمعت منه فلا شيء غريب يبدو على قسمات وجهه، وأولت الأمر كله بأنه ربما مريض بالرشح، وقد تعرض لهواء بارد، وهذا ما سبب له ذلك، وأنها ستغلي له مشروبا دافئا، وسيزول العَرَض عاجلا أم آجلا بشرب كاس من مغلي اليانسون، وطمأنته بان لاشيء غير عادي وستزول هذه الحالة بعد أن يعتاد على حلوها ومرها.
في اليوم التالي حين أفاق كان خطمه أكبر، وأثناء الدوام الوظيفي في المكتب استغرب بأنه لم يلفت انتباه أحد، كان الخطم ظاهرا في وجهه ولكن أحدا لم يلاحظ شيئا غريبا.
وزاد استغرابه حين أسرى الأمر إلى زميله في المكتب، مستفسرا عن هذه الظاهرة التي نبتت له.. ضحك الآخر وقال له يطمئنه:
– يا صديقي أنت لم تعد جديدا، الأمر طبيعي وهذا ما يحصل لكل الموظفية، فانا مثلا طلع لي إضافة إلى الخطم قرنان صغيران في الصدغين.
– حسنا. ولكن الأمر ليس بالخطم.. إنما في الشفط، إن رئتي لا تتحمل هذا الهواء المشبع بالأوكسجين، إن هذا الهواء كاد أن يخنقني، وأنا أخاف على نفْسي، أن تفتقدني عائلتي سجينا أو ميتا.
ضحك الصديق الموظف:
– لا يا صديقي، إنما الخوف من الهواء الذي ليس فيه أوكسجين.
أنكر ذلك من زميله ولم يأخذه على محمل الجد، فذهب إلى زميلته يستفسر من خلالها، والتي تعمل سكرتيرة عامة، فقالت له:
– الأمر عادي، للكل شكل معتبر، وبالمناسبة فأنا لي مثلا خطم كبير مع أذنين طوال، ولتلك الآنسة خطم مع شعر وبري، ولذلك الموظف خطم مع أنياب، وآخر له خطم مع مخالب، والمدير.. نعم المدير له خطم وجسيمات ماصة وقرنا استشعار.. أنا أعرف كل شيء، فقط لأنك جديد هنا تحس بما تحس.. ولك أن تختار شكلا آخر مكملا، والمفضل لدي أن تختار صفة أخرى مع الأولى.
قال مرددا: لا والله.. ولكن أحس بأن لي خطما مع حافر..
قالت: إذن.. أنت الآن في أحسن حال.
وحين ذهب إلى معمر الأيام /الطب الشعبي/ قال له:
– أن هذا الأوكسجين (ذو التركيز العالي)، خاص جدا ولا يقدر على تنفسه الآخرون، هو خاص بالموظفين ولا يصلح للمدنيين لأنه سيظهر رأسا على رئتيه مرتسما كفسفور مشع، وسيؤدي إلى سل وتدرن وتدمير فوري لخلايا الرئة…
ولما سأل: أهي عدوى أم وراثة، اهو فيروس أم جينات كروزمية؟.
قال: لا.. ليست عدوى ولا وراثة، إنما هي شائعةُ هذه الأيام. وتتزايد هذه الحالة غفلة كموضة تراكمية، وتزيد تحولا وما لا أعرف من تحولات مسخية مؤقتة.
..
30/9/2006



