حكاية معادة / بقلم: جواني عبدال

كنا في جمع من الأصدقاء المثقفين، وهم كُتاب وقراء مهتمون، نجتمع كل مدة نتداول شؤون الأدب والكتابة والقراءة، وهكذا نستمع إلى جديدنا.. إلى نمنماتنا.. والى طرائف ونوادر تحصل معنا أو نسمع بها، نهدر الوقت فيما بيننا جميلا.
عفوا لننسَ، ليس هذا هو المهم، إنما أريد أن اعرض ما قاله الكاتب /س رمزي/ حين روى حكاية، طرفة، نكتة، لنسمها ما تكون فهي تطابق بنود القصة تماما، حين ابتدأ الموضوع بسؤال من أحد الأعضاء:
– ما درك يا هذا، تبدو واجما حزينا؟ كأنه مات لك أحد ما.
فرد الآخر: آهٍ علّي، صحيح، لقد فقدت فلذة كبدي.
لفت الانتباه فتعالت الأصوات من كل حدب وصوب:
– نعم، كيف؟ لا، أصحيح ما تقول؟!.
تابع س رمزي قائلا والله أعلم: كما تعرفون جميعا أني معروف في الحارة ككاتب، لأني من مواليدها وساكنيها، وبالتواتر يعرف الجميع إني كاتب، أما أنهم يقرؤون لي ويتداولون ما اكتب وما أنشر، ففيه نظر، هم يعرفون إني كاتب قصة ومقالة وانشر في الدوريات.. اكسب منها إضافة إلى أني موظف في دائرة الزراعة لا يحل ولا يربط.
المهم فيها، إن بعض الطلاب وهواة الأدب من شعر وقصة وخواطر، يتوسمون مني خيرا، والعمر الأربعيني يفرض عليك المكانة والصفة، وبالأخص كي أساعدهم ومن ثم آخذ بيدهم في النشر، قد ألبي الطلب الأول، ولكن الطلب الثاني أنا شخصيا أعيا فيه ولا أفلح فيه على الدوام، لأنه كما تعلمون -في النشر شليلية رئيس التحرير ومزاجية فلان وعلتان- يأتون بعد أن يجرئوه أحدهم أو يتوسط شخصيا فيعرض موكله عليّ، وأنا بكل أريحية وبكل أستذة -أو كما يقال- اعترافا منهم باني كاتب، يلجأ إلي من هم بحاجة إلي. إلى علمي وحرفتي وأدبي وذوقي ونقدي هكذا، فأقبل الأمر وأمري لله. .
وشبيه هذا المنوال، جاءني منذ يومين رجل من الحارة يعرض علي حكاية جرت معه، ويود أن يكتبها على شكل قصة, لم يكتب منها إلا بضع سطور بلغة عامية مفككة، جاء بواسطة جار قريب، وهو بذا يمتحن قدرتي -عفوا- أقصد كان تحديا لي أن أُظهر قدرتي وبياني وتمكني من اللغة والسرد القصصي، وأنا من جانبي سررت بذلك حتى أبرهن أني كاتب بحق وحقيق، وليس صورة و(بروظة) وادعاء، وأن أي فكرة أو صورة أو حدث أستطيع أن أنسج منها عملا أدبيا متكاملا.
في الحقيقة يأتي إلي كثيرون، منهم من يأتي ويعرض علي النظر في الشكل الشعري أو الخواطري لنتاج له، والبعض الآخر يأتي أملا في التصحيح الإملائي والنحوي، وهذا لا يأخذ مني الكثير من الجهد العضلي والفكري وما شابه, حيث أمارس فيها الأستذة والفوقية، أما ما حدث مع الذي عرض علي حكاية لم يكتب فيها شيئا يذكر، ويريد مني أن أكتب منها قصة بشروطها الكاملة، لأني كما تعلمون مهتم بكتابة القصة، وأن أصوغ النص كاملا..
وأنا من ناحيتي هممت بتصور ما سرده لي من الحكاية التي جرت معه، وشرعت بكتابة القصة حسب شروطها وعناصرها، وبلغة فصيحة أدبية رصينة، وإذا بها تخرج من بين يدي كقطعة أدبية رائعة فنيا، وبالأخص السرد اللغوي، ونسج الحبكة، وفي النهاية -القفلة المفاجئة- الجميلة التي وقفت /حقيقة/ مبهورا بها، وإذ لا أفرق بين إبداعها، وبت في حيرة من أمري أهي لي أم للآخر؟ هل استغني عما حبكت وعما بلغت؟ بالله خبروني ما العمل أهي لي أم للآخر؟
قال أحد الحاضرين معلقا: أن حكايتك تشبه ما جرى للنحات (بجماليون) الذي نحت تمثالا لربة الجمال (فينوس), فعشقها وتمنى أن تكون له خالصة دون العالمين.
قاطعه الآخر: لا بل أنها أشبه بالحكاية التي جرت لثلاثة رفاق تشاركوا في طريق الذهاب للمدينة، وحين توغلوا في الغابة وأرخى الليل بسدوله، أرادوا أن يرتاحوا من وعثاء الطريق ومشقته، وتداريا من الوحوش، انتدبوا أحدهم للحراسة بمدة معلومة طوال الليل، فحكم إن يكون دور الأول وهو يعمل نحاتا, واستغرق الآخران في النوم.
الحارس النحات كي يقهر النوم الثقيل الوطء على عينيه، امتشق فأسه، واخرج أزميله من خرجه وشرع بنحتِ تمثال امرأة ممشوقة القوام في جذع شجرة كانت مرمية هناك، وانتهى منها على أتم وجه قبل انتهاء ورديته، فقام وأيقظ رفيقه ليبدأ دوره في الحراسة، ونام قرير العين هانئ البال، أما الآخر حين ابتدأت نوبة حراسته، وجد التمثال الذي عمل فيه رفيقه الذي سبقه في الحراسة، وأدرك عمله الجميل، وكان هذا يعمل خياطا لذا اخرج من خرجه أقمشة وخاط منها ثوباً إضافة إلى قميصٍ وشال للرأس، والبسهم للتمثال الصامت، وعند انتهائه انتهت نوبة حراسته، وكان الليل قد انتصف وأبعد.. نادى على صاحبه الآخر للحراسة ووضع رأسه ونام بعد تعبٍ قرير العين هانئ البال، وحين ابتدأت نوبة الرفيق الآخر وجد امرأة واقفة شاخصة العينين، تفاجأ من صمتها، نادى عليها، وحين لم تجب، ذهل منها، وحين اقترب عرف أنها تمثال قد نحته رفيقه، وقد البسها رفيقه الآخر الثياب، حينئذ ألهم -وكان رجلا ورعا- أن يصلي لله أن يهبها روحا، لأنه عشقها من مجامع قلبه.. هجع وسجد وسبح، هكذا تقول الحكاية؛ إن الله استجاب للدعاء، ووهبها بقدرته روحا أوان بزوغ الفجر، فاكتمل خلقها، ولما أحست المرأة بذاتها، بدت خجلة تستغيث خائفة من وحدتها ومن وجودها الاعتباطي، استيقظ الجميع على صوتها، وكان على أحدهن الاستئثار بها لنفسه كي يحميها ويرعى شؤونها، فاحتدم الصراع بينهم لمن تكون هذه، للنحات الذي صنع التمثال أم الخياط الذي البسها الثياب أم للذي دعا لله أن يهبها روحا واكمل خلقها؟ لمن تكون هذه يا ترى…؟
وهذا ما حصل معي بالضبط فهل احجب الحكاية أم استأثر بها؟ لأنها باتت قطعة مني لغة وحبكة وقفلة، ماذا افعل بالله إني في حيرة من أمري، هل أهبها له؟ هل احجبها عنه أم آخذ عنها بديلا والبديل هو المال؟ وهذا في حد ذاته مشكلة، هل أمزقها؟ هل احرقها؟ هل أتجاهل صاحبها الأول وانسبها لنفسي؟ آه لِمَ وضعت نفسي في موقف حرج كنت في غنى عنه، بحيث بات إبداعي وأخلاقي رهنا على المحك.
قال أحدهم: والله مشكلة، إن وهبتها ذهب لك ما تعتز به، وكذاك التمزيق والحرق معضلة (ولكنه يبدو لي انه الأوفى والأصح) لأنك إن نسبتها له أولمت غصة في نفسك، وإن نسبتها لنفسك ستحرج نفسك في قادمات الأيام، حين يشهر بك صاحبها بأنك سرقت قصة له، وسيتباهى على حسابك، سيفرح الأعداء ويغتم الأصدقاء، بأنك وصلت إلى عقم أدبي، وهذا ما لم يكن في الحسبان، وسيشكك الأصدقاء في كل إنتاجك، انه منحول من الآخرين، أي أن إبداعك من التلقف، فالأولى يا صديقي أن تنسف الفكرة في مهدها، حيث لا سمعت ولا كتبت ولا عملت أي شيء، بل يمكنك تناول فكرة مشابهة وتلبسها على ما مرّ معك في السرد الأولي وينتهي الإشكال.
فقال الآخر: هذا هو الحل الأمثل.
*|**|*
بعد يومين أتى الوسيط ومعه الرجل، وحين سأل عن مادته وماذا افلحتُ فيها، ناولتُ ما كتبتُ .. وشيعتُ النص كأني فقدت ولدا عزيزا، فتلبسني الحزن إلى الآن وابعد.
22/6/2013



