نهاية عظيمة/محمد مركح

الشعور الأصيل يثبت دومًا أننا أكبر من هذه الحياة، أكبر من أزمنتها وأحداثها، من تفاصيلها وحلقاتها. فلا دور أعظم للإنسان من أن يلمس بموته.
أتساءل: كيف استطاعت جارتُنا، المرأةُ الصامتة، إقناعَنا بجدوى حزنها، بكل ما حملته ذاكرتُها وامتزج بعرق روحها؟ لا شيء غريب في ذلك، سوى أننا مؤهَّلون لنصغي لخيبات الآخرين، فنحن نرى أنفسنا من خلال دموعهم، من خلال لحظات الصمت التي تتخلل أحاديثهم، وهم يحكون عن رسوخ الوجع فيهم.
ماتت جارتُنا وحيدة، دون أن نعرف الوقت الذي تخلَّت فيه عن صمتها لأول مرة. فهي تعيش خارج الوقت، تعرف جيدًا كيف تقيم في داخلها، وتؤسس للغةٍ تترتب حروفُها وفق الأحداث التي عبرتْها وتركتْ فيها هذا الشعورَ العميقَ بالصمت.
في غرفتها، وجدنا اللون الأخضر يشع من كل جانب: من سريرها، من نافذتها المغلقة، من زهرة الخشخاش المرسومة على جلبابها الذي كانت ترتديه، وما زال يحتفظ برائحة جسدها، وكأن روحها خرجت كبتلة لتتفتح وسط هذا الركود؛ من دفترها الذي يبدو أنه يؤرخ للحظات هامشية، فلحظاتها الأهم أرشفتْها داخل روحها، وأحكمت إغلاقها بذلك الصمت المهيب.
على صفحة الباب، ونحن نهم بالخروج، وجدنا هذا المقطع من قصيدة دعاء الكروان لأحمد فؤاد نجم:
“يهوذا خان
أكم يهوذا وباع مسيح
لا يهوذا دام
ولا جرح بيلازم جريح”.
توقف الجميع وبدأ ينظر إلى تلك الكلمات التي كُتبت بخط جميل، وكأن من كتبها اختزن كل سلام الكون في داخله. وبدأنا نتساءل: هل سبب صمتها أنها تعرضت للخيانة من أحد؟ أم أنها انجرحت بما فيه الكفاية لتقرر في النهاية احترام جرحها وتصمت؟ لا يهم كل ذلك، فالأهم أننا أغلقنا الباب، وجعلنا ذلك الأخضرَ المطبقَ على الغرفة يفسر سبب كتابة تلك الأبيات.
فالنهايات العظيمة لا يفسرها سوى الشعر، ولونٌ هادئٌ يتململ من صخب الأحياء.



