نجاة الصغيرة تغني وحيدة لأنطونين أرتو- محمد مركح

مشغل الموسيقى بجهازي المحمول تنبعث منه تداعيات نجاة الصغيرة وهي تشتكي سقطات الزمن في أغنية \”ساكن قصادي\”:
\”وفضلت أستنى أستنى اﻷيام
في ميعادنا يسهر وميعادنا يرجع
وفي كل خطوة أرسم أحﻻم
تكبر في قلبي والقلب يطمع\”.
هنا يرتفع الهاتف المستقر فوق صدري لانقباض أنفاسي؛ فكلما سمعت نجاة الصغيرة تنتابني هذه الحالة. إن ذائقتي الغنائية ترفض مركزية أم كلثوم ووقارها ومنديلها وعيونها المتخفية خلف نظاراتها السوداء، وتعوضني نجاة الصغيرة عن كل ذلك من خلال صوتها المنبسط على أنوثة تتخفى في كلمات سافرة ببراءة الإنسان، قبل تسلط نزوعاته الهمجية والبربرية على حياته.
أحب شكلها بشعرها الأسود وعيونها الراسخة في السؤال؛ السؤال الذي أجاب عنه فلاديمير هولان:
\”لكني بمجرد أن أتعرف على الإنسان
أجهش بالبكاء\”.
يعود صدري لوضعه الطبيعي بعد انبساط أنفاسي نتيجة ترديد نجاة بقية مناجاتها لحبيبها في تلك الأغنية:
\”وهأقول مصيرو حيحس بيا
لو يوم صادفني وسلم عليا
حيﻻقي صورتو ساكنة في عينيا
ويحس بيها في رعشة أيديا\”.
نجاة الصغيرة في هذه الأغنية تعبر عن اللحظات الهاربة في عمر كل واحد منا؛ لحظات تنفلت من تشبثنا بحياة لا تشبه دورة حياة الذباب التي تتجدد كل أسبوعين. نعم، نحن أفشل من أن نجيب عن الفضيحة التي أعلنتها فيسوافا شيمبورسكا في مطلع قصيدتها باعتراف صارخ لكل عين ترتجف من رعشة توترها وقلقها.
كتبت شيمبورسكا:
\”عذرًا للأسئلة الكبيرة على الأجوبة الصغيرة\”.
بهذا حسمت جدالنا حول حجمنا الحقيقي في هذا الكون الصغير؛ لأننا صغار لا ندرك كبر عجزنا عن إسكات صراخ طفلة المرأة التي تعمل معنا في بيت تقطنه الأثاثات الثمينة والكثير من الذكريات البائسة لكائنات تتحرك في مسرح أشباح. تصرخ الطفلة لرفضها هذه الحياة، تبكي لأنها إنسانة ستكبر وستعيش مأساتها كاملة بندوب في الجسد من كثرة مناوشة الأوغاد، ورضوض في الوعي لفشل كل المشروعات الفلسفية والأخلاقية في تبرير هذا القحط والجدب الذي ينتظر غصنها الرطب.
يقول رولان بارت: \”نسمع الموسيقى لأنها تجعلنا تعساء بشكل أفضل\”. تتضافر تعاستي وأنا أستمع لنجاة الصغيرة مع بكاء تلك الطفلة، ويتقاطع بؤسنا في مأزق الذات من هروب كل موجوداتها وملاحقة سؤال: لماذا نلتزم بكل هذا الرضا والإذعان، والوجود يمارس علينا التنصل من كل ادعاءات القيمة وشعارات المعنى؟
بالتأكيد لم يكن سيوران محقًا حينما كتب \”مثالب الولادة\”، سيوران حقير لأنه طفل مدلل يتلهى بالتذمر والسخط لأن في زمنه لم تتطور ألعاب الفيديو ولم يكن يمتلك \”بلاي ستيشن 5\”.
أنطونين أرتو وحده من تهكم من هذه الحياة كما يجب؛ فقد عاش مصابًا بكل شيء: التهاب السحايا في صغره، والاكتئاب، ودخول مستشفى الأمراض العقلية، ليموت أخيرًا بسرطان الأمعاء. هذه هي الحياة التي عاشها أنطونين أرتو وسخط عليها بهذه الأبيات:
\”ليتنا نستطيع أن نتذوق عدمنا، ليتنا نستطيع أن نستريح في عدمنا على ألا يكون هذا العدم أحد أنواع الوجود، لكن ألا يكون الموت تمامًا.
إنه لأمر قاسٍ ألا نعود موجودين، أن نكف عن الوجود في شيء ما. الألم الحقيقي هو أن نشعر بفكرنا يثقل في داخلنا، لكن الفكر كالنقطة ليس بالتأكيد عذابًا.
حتى أني لم أعد أهتم بالحياة لكني أحمل في داخلي كل شهية الكائن ودغدغته الملحّين. لم أعد مشغولًا إلا بأمر واحد: أن أعيد صياغة ذاتي\”.
وحده أنطونين أرتو من يستحق شرف البقاء ليعبر عن رفضه وتمرده بأتعس صورة.



