السرد بين التداعي والتهويم:أنت موسيقاي، وهذا البياض المحنك للكاتب د. عمار احمد- جواني عبدال

التمهيد البَصَري:
بإيقاع وسِمت شاعري تتبدى المرواة فتنزاح الأخيلة عن تداعيات مكثفة سلسة تأتي من ذكريات حميمة، يسير بوحها من نهر دون ضفاف، ولكن لماذا، لأن “هذي رموزي رجاء”، أحيانا تبدو هذه النصوص مرويات هي أقرب لقصيدة النثر بمستويات متفردة وجديدة منها للقصة، وان كانت هي اقرب للحكاية المنفلشة، المجزأة، هناك خيوط منها تؤدي (قد تؤدي) إلى لملمة الإحدوثات من الذاكرة البهية منتقاة دون رابط تماهي الزمان والمكان والأشخاص، هذا النوع من الكتابة ينشط مخيلة القارئ، وان لم يألف ما يقرأ بداية، مما يعرف من حوله، فقد يصيب حدسه وقد يخيب، وأكثر الأحيان يخيب، فيبدأ بنسج المكان والشخوص وعلائقها من ذات نفسه، ولكن هيهات بين الواقع وبين الخيال، إن في السرد الحكائي” هي قطعا غير النصوص” ففيها خيط من القص والروي، وقد اعترف الكاتب في بند التعريف به: “بأن له مشروعا مغايرا في الكتابة القصصية والروائية فاجترح تسميتها بـ المرواة” فلا هي قصة تتضمن حدثا ذا أسس ومقومات من الحبكة والشخصية والحوار والقفلة، والتي انحاز إليها، ولا هي رواية ذات مكان وشخوص وصراعات وعلاقات متداخلة، الخ، ولكنه خطّ لنفسه نهجا سماه الكاتب “المرواة، -وأنا بتواضع أحيي فيه هذا- فهو لم يتكئ على أي منهما اسميا على الأقل، أي أنه واعٍ لأدواته، وفعل أيضا هذا في الجنس المسمى: ق ق ج، ولم يتكئ على عنصر القصة واسماها هكذا بثقة “التماعات” بذا أسس جنسا أدبيا باسمه، بالتأكيد له أسسه ومقوماته وعناصره، وهذا ليس من حديثنا الآن. الخ.
أما بالنسبة إلى المرواة، فهي السرد الحكائي تتمازج وتتشاكل بالشكل، وهي تتبع السيرة الذاتية أكثر والذكريات -كما خطر لي- فيها شخوص ولكن غير محددة، فيها أمكنة ولكنها غير معلومة، فيها أحداث ومجتزأات وقائع تقال وتسرد من وجهة نظر واحدة غير منضبطة، فيها وفيها، إلا الزمن، هذا الممطوط الذي يقاس بزمن القارئ أثناء القراءة، زمن ميت حي.
تعددت التسميات لمسمى واحد وهي النصوص والحكايا، ولكن اعتقد بان الكاتب وفق بإطلاق اسم “مراوٍ” المفردة “مرواة” عليها، المنحوتة من الروي أي المرويات وتشمل السرديات والنثريات وما شابه الخ.
إذن، نحن أمام حالة مستجدة وغير مستجدة، أحيانا، إنما ما أعطاها هذه الخاصية هي تحديدها، أما هي حالة غير مستجدة فهو إتكاؤها على الخاطرة والنص التهويمي تهويم التداعيات الفلاش-باكية واسترجاع أو اجترار المحطات الهامة العالقة في قعر الذاكرة البهية المعطرة المضيئة، بما علق بها من القها، من بهائها، من آمالها وآلامها، من ماضيها المستمر إلى الآن..
المراوي الذاتية:
نعم ما أعلنه الكاتب د. عمار احمد في مرويته، المسماة: “أنت موسيقاي، أو هذا البياض المحنك!” هو التأسيس لنموذج أدبي، ولم يدخلنا في المتاهة، إنما خرج منها “أبيض محنكاً” يعرف ماذا يريد وماذا عليه أن يعمل؟، ولم لا وهو أستاذ الأدب العربي الحديث والسرديات في كلية الآداب-جامعة الموصل، وهو في هذا وضع النقاط على الحروف، فيقول بصدد ذلك: “بأن له مشروعا وقد عززه ببيان “عين الغيمة” الذي شرح فيها مشروعه، الذي للأسف لم اطلع عليه بعد، ولا اعرف عنه شيئا ولكن الموجز والمنجز مما بين يدي من المرواة “أنت موسيقاي” يفصح عنه متنه ويظهر جليا محتواه، فالإشارة تغني أحيانا وتعني للبيب كل شيء.
ثمة الكثير من السرد، منه ما يكون حسيا والبعض الآخر تجريد محض، وهنا تزاوج المادة والأخرى المرتبطة بالآخر، وهو الذي يكون مفتاحا للولوج إلى عالم مادي متمثل بالمكان والحدث والهم، والآخر تجريدي يمثل مدى الترابط التداعي الأول مع الثاني وبخاصة مع أسماء الأعلام .
اعتقد وهذا يخصني، بان هذه المرواة، وهذه النصوص بما هي أصلا تماهى شخوصها وهي عصية على الفهم بسبب اشتغالها على الذاكرة والتداعيات الاسترجاعية، ومع أن الكاتب يعمل على مشروع سردي، فلما لا يبسط الأمر ويستعمل بعض العلامات كالتقطيع والتجزؤ في النص حتى يأخذ تواصله مداه مع الآخر بان يضع كل حقله في خطوطه وما زرع، أي توزيع الجهد المعرفي والإبداعي فنيا إلى نقاط مبسطة متسلسلة لتعطي ما هو مطلوب منها، ويتأتى ذلك باستعمال بما يعرف بالتقطيع والتجزؤ في النص أو المتن استكمالا إلى الترقيم وما شابه ذلك العلم الذي يُعنى بالقواعد الكتابية أثناء تعبيره الكتابي. والذي يعد جزءا أساسيا منها، حيث يساعد على بيان العلاقات المنطقية بين أجزاء الفقرات من ناحية، وبين مجموعاتها تقسيميا بعضها ببعض من ناحية أخرى، إذ يقوم بدور المحطات في قراءة النص، فتسهل القراءة ويبسط فهمها، كما يؤدي من خلال دوره البارز في الإسهام في ترتيب الأفكار ومنع اختلاطها وتزاحمها.
وهذا يعطي دلالة لما هو أدناه في الترتيب، ويمكن الالتجاء إلى تغيير الضمير أو الانتقال بين الأزمنة أو الأمكنة بكل سلاسة وسهولة، وشيء رائع أيضا لو تم تقسيم وتقطيع السرد بما يلزم ويخدم تطور بنيته كفاصل بعض المواقف بنجوم أو أرقام لان روي النص يريد ذلك وهذه الصياغة اللغوية تحتاجها أيضا.
ليس هنا نصوص أكثر من خيال القارئ فلا تاريخ ولا تموضع بين المعلن والمخفي، يقول الكاتب في سرده: “أكتب واشغل خيالك واصنع أوهامك حقائق، اكذب وانشغل بحقائق كالأوهام، ص28 فبرغم وجود تواريخ محددة فهي لا تعطي أي إشارة أكثر من خصوصيتها لدن الكاتب نفسه، فهو يؤرخ لنفسه فقط، لأنها تواريخ لا تعنينا في شيء.
ثمة تقنية، وهي الكتابة الغامقة بين السطور منتقاة من سرده، وهي تقنية الحرف اللاتيني بان يكتب مائلا ليعطي إيحاء وانزياحا إلى إحالة مرموزة أو إيماءة مشفرة، بضمير آخر أو فعل آخر الخ، أو تقاطعات هامشية كما حدث للكاتب حين أقحم مشاهدا، وهو يصف مقهى أبو إيلاف: “القابع تحت الحر المعفو، نكون أول من يسمح للحمار بالوقوف أمام بوابة الجامعة، في وقت يختنق الشارع من الحر والازدحام، ص35، ويضيف: “هذه اللقطة حصلت الآن أمامي” أو التنقل بفقرة اعتراضية أخرى كما في ص59 في المرواة الثانية يورد مقطعا لتلطيف الجو، “اللصوص الذين سرقوا صندوقا وضعه مالكه خلف الباب ليعرقل فتحه، معززا إحكام الباب،”أو كما ورد في ص75 في المرواة الثالثة: “ترررن.. تررن. نعم تفضل”، وهكذا دواليك.
العناوين ملفتة للنظر ذات توليفة محكمة معبرة، أكانت رئيسية أو داخل المتن، وفيها حداثة وحرفية، ولكن الإشكال في هكذا عناوين بأنها تألف كل نص ولا توافق نصها عادة مئة بالمئة فهي رمية بالتأكيد لابد منها فلا تفضيلات فيها، أما لتساءل عرضي: أتى العنوان الرئيسي على الغلاف تهجئة بنقاط ومن ثم أعقب بأداة التعجب، وخلا النص من ذلك، كذلك أتى على شكل مغاير في الفهرس، والسؤال لماذا علامة التعجب على الغلاف؟! ألا يعد هذا غير صائب.؟
أما باللعب بالضمائر فأتت عادية كالسائد، ولم يشتغل أو يشغل بال الكاتب كثيرا فهي رتيبة على نسق واحد، رغم أن الكاتب يصر على التفرد والتمايز فلم نجد تلاعبا فنيا في النص الواحد، فكان في النص الأول الضمير الغالب هو ضمير الغائب “هو” في الزمن الماضي، حيث يفتتح النص بقوله: “كان يرمم كعادته، وكان يرمض،” الخ، أما في النص الثاني فتصدره الضمير “أنا” المتكلم حيث يفتتح النص بقوله: “يكاد يظل مسدودا بوجه طفولتي المزركشة بالحلويات، أنا هو الذي يرشق أمانيه،” الخ، أما في النص الثالث فيعود الضمير الغائب “هو” ويسود كالنص الأول فيفتتح حديثه: “أما بحثه في لياليه، يتصعد لهاث أنفاس، ويشير له ضوءه الأصفر،” الخ، ولكن الفرق بين الاثنين بان النص الأول تضمن ضمير الغائب في الماضي فقط، أما في النص الثالث فساد ضمير الغائب في الحاضر المضارع –يكاد-، ثم يتحول في النصف الباقي منه إلى كان الماضي، الخ.
ولسير المرويات حسب عمر الشخصية الأولى فيها: ففي “قطار الليل السرير” تبلغ من العمر خمس عشرة سنة، وفي المروية الثالثة” يتفوضى، هذا البرئ الملغز” وتبلغ أربع وعشرين سنة، وفي المروية الثانية “أنت موسيقاي، أو هذا البياض المحنك” تبلغ الأربعين حولا، والسؤال: لماذا أتت بترتيب غير منتظم، أهذا أيضا اختلاف وتمايز من الكاتب!.
اللغة في السرد الأفقي:
اللغة في المراوي شاعرية متمكنة ولها سلاسة في ترادفاتها وسردها في إيحائاتها وانزياحاتها، تأتي عفو الخاطر دون حشو وإقحام، تأتي محملة بالأريج على سجيتها دون فذلكة وتلاعب بالضمائر والأفعال والاشتقاقات، لغة حميمة تألقت بها في المناجاة التجريدية كأنها الشعر المحلق النثري، مكثف بجملٍ قصيرة أو على الأغلب متوسطة الطول للارتقاء بالقيمة والصورة التي لها معناها، بكلمة: هي لغة تمثل مفرداتها بلاغة وإيحاءا دون حشو أو ترهل في انزياحاتها، تأخذ القارئ دون ملل في الكلمة أو في الصورة أو في التأويل إلى المعنى بعيدا عن التكلف والصنعة رغم التقريرية والمباشرية في المتن أحيانا، هي لغة سلسة الأسلوب وتتضمن صورا شاعرية مبتكرة تدعو للتأمل أكان من ناحية الصياغة أو من ناحية المعنى، للترابط مع سياقها كما ورد في ص29 :آووه، عيناها مثل أحزاني واسعة وشائكة وغامضة وهي جميلة كأنها موسيقا عرائس النور/ وظلت الأرض تمشي تحتهم/ والاجتراح مرايا تطوق مساحات شاسعة من ماء”، كما تضمنت نصوص المرواة حُكما وأقوالا مبتكرة كما في ص33: أثقل أنواع الحزن ذاك الذي لا تعرف له سببا/ ثمة ألحانا لا مناص من اختزالها، الخ.
وللكاتب صور ناهفة تدل على وعي بها وباشتقاقاتها وبالصورة فحين يحكي عن الورقة فيشبهها بالماس،”تنتظر نبش بياضها ونقشه، ص73، ويقول عن الزواج” المكعب الأبيض الصيفي”، ويقول عن النوم والليل في جملة طويلة: “رحلة المظلم في استقبال مؤازري الموتى، وتجهمه الباسم لمشيعي القادمين إلى التأرجح بين الليل والنهار، وهي تكوم أناسها ثم تدور لتدحرجهم الى النهار، وهكذا وهكذا. ص75، وهكذا كثير.
ثمة تقنية لطيفة وهي اللعب بالكلمة أو بالحرف في جملة معروفة، لتتحول عبرها إلى شيء ثان، كما في جملة العنوان: قطار الليل السرير”، فمن المفترض من سوية الجملة أن تقرا الجملة: القطار السريع، فأعطى بذلك إيحاء آخر، وأيضا كما في كلمات السيد الرئيف ص28، وكان الأولى أن تكون الرئيس، واذكر أيضا “اقطف الطائرة” ص81 على معنى مبطن اقصف الطائرة أو قصفت الطائرة، وهكذا في جمل أخرى كثيرة اسماها الكاتب في ملحق التنظير “اللغة المنحرفة” (ما قرأت فيما بعد بعد أن أتممت كتابتي هذه)، ويعرّفها بقوله: “ثمة اشتغال في تفاصيل العبارة بحرفها عن سابق وظيفة الإخبار أو “إنها القصدية في الانحراف المركب، مع الاحتفاظ بقيمته بوصفه تعبيرا منحرفا” لتعطي اللغة في بناء مفرداتها وجملها سمة الديمومة، ص101، وهذا يدل على حرفية وامتلاك ناصية أدواته اللغوية وتفجير طاقاتها وإبراز مكوناتها، ورغم هذا فقد جاء في تعريف المجموعة بأنها “مراوٍ”، واعتقد بأنه لا موجب لتنوينها، فالأحرى أن تُكتب “مراوي” على وزن مفاعل، مثل مراثي وأغاني، الخ، لأنها جاءت على اسم وتعريف، والاسم لا يصرف فلماذا صرف هنا هذا المعرف، وأيضا لم يسبقه شيء فلا موجب لتقدير بأنه مجرور أو مضاف إليه الخ.
النماذج الشاقولية:
المرواة الأولى:
ما حدث للاستطراد في النص الأول المعنون بـ: قطار الليل السرير، حين تذكر الكاتب سيرة الطفولة وبدايات الرجولة في عمر الخامسة عشرة، بتفصيل حينا وبإبهام مدغم حينا آخر، حسب الذاكرة الضعفية التي تخون صاحبها، أو حسب الموضوع ما يجتليه، وهو نص ذاتي الهوى، شحيح بالمعلومات وبالحكايا في المكان والزمان، اعتماده السرد والتداعي أفقيا.
في النص الأول المعنون أعلاه، نقرا تداعيات سيرة ذاتية مجتزئة كأنها شظايا مرآة تكسر عنها أوارها في الزمن الموغل بتراتيله، فبدت كأنها صورا تتلألأ في صفحة نهر جار لقمر مضيء، أو أضواء نائسة تبرق وتلمع وتنطفئ بين الحين والآخر، في غير انتظام أو ترتيب، وكما المح كليف بِل: (بان الرواية الأولى للكاتب غالبا ما تكون سيرة ذاتية مموهة)، وفي حديث الطاهر بن جلون وعن مدى السيراتية في رواياته قال: (وكمثال كافكا إن كل أعماله سيرة ذاتية محورة ولكن ما من سطر ينبئ عن ذلك، وعن الوقائع التي عاشها)، وكل ذلك في شريط سينمائي مقطع موصل، يعرض فلما ماضيا وتذكره متصلا بالحاضر،يظهر وحدانية وعزلة وانفصام عن ما حوله.
وفي الموجز: يتداعى شريط الذكريات عن احدهم، وهو منطرح على سريره ولكن يجافيه النوم “فيرمم بعين عصية على النوم غربته هذه وهو يتذكر وداع دجلة إلى الغربة”، “انه الذي اغرق مؤرقه عندما وقف على حافة دجلة، وفر ليتركه في غرقه رغبة في إنهاء ذلك الخصام العنيد” ص9، يتذكر أيامه المموهة، ويتابع فتتماهى باهتة حينا جلية حينا آخر، فيبدأ بـتذكر الحارة في العوجات وتلة ريما المترعة بالعيد، وهو في ريعان الشباب وبوادر الرجولة والذهاب إلى مصارف السوق واستطعام الحلاوة، ومطعم الشباب وصدر ليل صالة السينما المضيء واكلات أبوالعلا”ص12، ويتذكر بينونا التي تستدرجه وعسلها، والذي يفصل بينهما مسافة قفزتين في الغرفة التي تضيء صدر الحوش، وكان يوما أعلن برده وهو يغزو مخازن السرور، وهي تنتظره بعطر صوت فيروز، ويتذكر جده الذي يأنف من النساء ومن الموسيقا، وان لم يفصح الكاتب عن سبب هذه المثلبة ورغم انه أشار عرضا فأول الأمر إلى تدينه، وابوه الذي يستهجن العود لعشق ابنه أو مدارة من رفاقه المصلين عند صلاة المغرب والعشاء، رغم سماعه لدهاقنة الموسيقى عبدالوهاب وأم كلثوم ص20، ثم يتذكر قراره بان يتفرد ويعرض عن دروس الحب الزائفة بان ينظر من فوق نظارة القراءة، ولملمة أوصال انزواء العود، أيام نقاط الحدود والثكنات والشوارع المحصنة بأكياس الرمل، وبداية التعود على التدخين مترافقة مع ابتسامات من بين مصارع الأبواب.
ويتذكر لوك النساء للأحاديث، فيتذكر جارة بدينة، هي الأعلى صوتا حين تلثغ بحروف السين والزاي والصاد زوجة المعلم الأنيق الرفيع ويتخيل خلوته بها، ثم يتذكر قبلتها له حين تأتي زائرة أمه، وهي تمتدحه بأنه ” يفتهم” وكانت تسمح لابنتها باللعب معه فوق السطح، مع إن جدته تتشائم من أن تصيبه عينها، ص25، ويتذكر حروبه للاحتفاظ بولعه بابنتها المضيئة في مزاغل العوجات، ثم تردده على المكتبات وهو يستنشق عطر أغلفة الكتب، وبداية تنامي الحس الكتابي عنده، بقول لنفسه: اكتب واشغل خيالك واصنع أوهامك حقائق، اكذب وانشغل بحقائق كالأوهام ص28، مع التدخين ورشف القهوة، فيحاول أن يضع جليد علاقته مع الناس حوله في كأس عزلته، بعيدا عن مكرمات السيد الرئيف، إلى ترك ما وصل إليه والسير على امتداد الرصيف، وانقطاع الماء عن الجميع.
ثم يتذكر حوادث عرضية عن التدخين والمعلم والاتش2او، ويتذكر صديقا لأبيه ظل ثلاثين سنة دون إنجاب إلى أن حملت زوجته في ليلة سماوية, لمدة ثلاثين يوما فقط، فواظب على حلاقة وجهه وصبغ شعره، فتندر علية الآخرون بأنه كان رأسا فحولته إلى حذاء.
ثم يتذكر ذلك الذي غرق في الموسيقا تماما وأجاد العوم فيها، وهو يطلب الحماية من الفيروسات اللحنية بحقن أدمغة الأطفال بكم هائل من الموسيقا المنتخبة بتميزها، ويتذكر مقهى أبوايلاف، وحر الصيف وهروب العاطلين إليه من طلاب الجامعة، وأحاديثم المتفرقة ص34، وآخر لقاء بالغارق في موسيقاه وأخذهم إلى بيته، وعرض عليهم أن يريهم غرفة والده، وكانت مكتبة للدخان بأنواعه، مكتبة فيديو وشرائطه، مكتبة صور ومكتبة طوابع وموسيقا الخ، وثم يذكر حالة طريفة عن تدجين السجناء لسيجارة بغلظ الشجرة, الخ ص39. ثم يذكر الكاتب تعرفه إلى بنت ليل” تلك التي كانت قمرا ناحلا يضج حوله الليل بالبهاء”،ص42، وكيف يقضي وقتا ممتعا عندها، ثم يذكر تلة ريما، وأبوابها، وما سبب تسميتها بهذا الاسم، وبالأخص باب الجديد، اسم المنطقة الشعبية هذه الواقعة في قلب الموصل تقريبا، وعلى هذا الباب نجح سبعٌ بعد أن هاجم سرية من العساكر الإنجليز بعصا غليظة مدببة، واستطاع أن يفر هاربا إلى التلة بعد أن قتل واحدا منهم، فلجا إلى ريما وحين رأته هكذا جريحا هاربا خبأته خلف باب الحوش وهي تحامي عنه بالخاطوغ، ولما اندمل جرحه تزوجته باحتفال مهيب، وحين ألقى شاعر قصيدة بالمناسبة وورد فيها باب الحب، تسمت تلة ريما باسم باب الحب، فحوله الأهلي إلى بابج ديد، وقد تزينت بالعاب العيد والمراجيح من حينها، هنا تداعيات لذيذة مشوقة وفصل من السرد البهي، ثم يتذكر قرار الغياب والسفر وعدم التيبس في هذا الوقت الغارق بعطشه أمام صحرائه، لينجو من ذوبان عظيم في هذا النشاف، وفي أن ينأى عن ماء الخديعة والخيانة والتلفيق.
والآن هاهو “يعيش أكل وشرب وصفن، وهو يشرف على بعيدين وابعد، ثم يطفئ النور، بإعلان ولوج الليل، ويسدل الشباك قبل الستارة ليلغي تقوس الضوء الآتي بحكم نهاية الشباك المشرقي ذي اللمسة العربية، ويقوس جسده استعدادا لاستقامة نهوضه من فراشه الذي لما يزال –على الرغم من فورة هذا التكرار- ينضح برؤى خرساء”. بتصرف
المرواة الثانية:
المسمى “أنت موسيقاي، أو هذا البياض الحنك” وهو نص قصير وتاريخه حديث حيث يتكلم أيضا عن الغربة الروحية والمكانية، وهو أكثر تجريدا من سابقيه الأول والثالث، وهو شحيح بالمعلومات والتفاصيل لان كل هم الكاتب التجريد والتداعي والمناجاة، وفيه تداخل وتفرع له، في هذا البياض البرئ يسرد الكاتب بعضا من السيرة الذاتية وعمره الأربعيني، ويظل باب لكش مغلقا في وجه طفولة المزركشة بالحلويات، المفخخة بالتهيؤات الأسطورية، والعمر الذي مضى سدى، “وباب لكش مرادف لبابج ديد في حارة العوجات، التي لن يعود إليها مع أنثاه ذات العسل، “ليرتب الهدوء المترب، ويعلو أسراب الأيام التي تلطخ تاريخها برفض الحرب، التي حرمته من ديمومة نعمة الهدوء والاختفاء ولم الشمل” ص،58 أنها بقعة تريد أن تعيش، رغم قصر الجملة هنا والإشارة اليتيمة، لإدانة تلك الحروب العبثية، على الآشوريين والكورد والفيليين والجوار أيضا، الفرس والعرب، إدانة للسيد الرئيف، والمكرمات، وبمناجاة موجهة يقول الكاتب مخاطبا: يا سيد الهزائم المنتصرة على ذهنه –في ذهنه- لماذا قوّست أيامي، وتركتها طائعة للذبول والحموضة والاسوداد.. يا رديف هزائمه وتاريخه المعاق” ص10.
ثم يحكي عن الأم التي تطبخ كل يوم وتنجب كل سنة وتقتل كل عقد، ويتذكر ابنة الجيران الصغيرة التي لم تكبر، رغن انتهاء قصف الصواريخ، ويتذكر جده وتقواه أكان مع الله أم مع السلاطين، كما يذكر متن حكاية شعبية عن شيخ الشط وإعطائه آخر بناته، ثم يذكر الكبسات الإرهابية ضد الآشوريين وهم يخبئون أطفالهم وأحلامهم في تجاويف سرية، من فيضان دجلة وفيوض الغزاة، باب لكش أي باب نركال على تلة الحب مكان الأكلات ومرح العيد والأطفال، وتتداعى في الذاكرة أخيرا أنثى العسل وهي تسير في الباص الذاهب إلى ساحة المهاجرين قادما من سقف السيل، كأنها كتبت على ظهر الصورة: (إياك ونسيان عسل-ك)، ص65، وعاد إلى باب لكش وتل الحب والأبواب التي تؤدي إلى قلب الموصل، المشطور بالماء صافنا لان المدينة أصبحت على أعمدة الدخان، ما تفتا تتفلطح نهاياتها إلى الأعلى،. وعندئذ ليس له الآن سوى رغبة الاستمرار على هذا النحو من التعب البهيج في هذه العزلة الذي كانه إلى الأبد” ص67.
المرواة الثالثة:
النص المسمى: “يتفوضى، هذا البرئ الملغز”، وهو نص قديم كتب أيام التهيأ أو التفرغ للكتابة وترك بصمة أو أثرا مميزا، هو أيضا اللعب على السيرة والانا، في حضرة الغياب عن الكتابة والتفرد وبياض الورق والمزج بينهما وبين هاجس المرأة والحب والحرية “سيظل يرمز وهو يكتب/ سيظل صبورا كطور شامخ، فكتب: وعلم أن خطواته ما زالت ضيقة والشارع بعيد.
وهو أيضا نص شحيح بالمعلومات والتفاصيل إلا من إشارات مبهمة قصية، نعرف عن أحدهم بأنه تزوج ذات العجيزة المزينة بشامة التي تصغره بسبع سنين–أخذها بأذن والدها وادخلها في المكعب الأبيض الصيفي، مع بعض الايروتيك الهادئ، يذكره بورشه نجارة -واعتقد هنا تورية ولعب بالكلمات، بأنه تزوج الكتابة الحارقة لان المكان يقع بقرب مشفى الولادة ومقبرة الشهداء، “والورقة تنتظر نبش بياضها، ممسكا حديدا باردا، احتراز كث ضد ظلمة ملساء يعبث بأصابعه كي يغزل من وهمه أمنية وينقش أغنية على صفحة سوداء، يتلمس الأشياء لظلمة شروده، فينتفض حين تلسعه جمرة السيكارة فيعود ويمسكه من طرفه البارد، ولأنه خائف من طريقه ومن الفشل وحرصا على التلف والإهمال وعمومية التداول، لأنه يريد أن يكون متفردا مميزا مختلفا، لذا يبتر ساقه كي لا يكون كالآخرين.
ويتذكر ليالي سفره والشايات الشائخة تعبّ من “العلاوي” و”النهضة” حيث نسي الملاعثمان كيف يستلذ بدندنة ألحانه، وهي تعد أيام أقامته الجبرية، أيام عمله بورشه نجارة التوابيت والمهود لدى والده، وكيف يتلف ظفرا من ضربة مطرقة أو يعطل إصبعا ويحلم بامرأة يخطو إليها من الأسفل إلى الأعلى، حتى ينسى إبهامه المصابة.
وينهض في الصباح على صوت التأنيب بين المطارق والمسامير، وهذا الأب المتطاول في عظامه وسنينه ولسانه، يأكل كل يوم ويضاجع وينام، يأنبه لتأخره الدراسي وعدم إكمال تعليمه، وكان لابد من الاستمرار، وهذا -بطلنا- يشتري الكتب ويركض عقله وراء اسطرها، ويشحط أنفاسه بأغنية، ويغسل عرقه بوجه امرأته، وهنا يذكر عمره24سنة ويكرر لا أريد أن أكون خريفا من فصول فيفالدي، فالأيام تسخر من أمنياته الناقصة، وزوجته تطالبه بولد يقلد أيامهما، ولكن لاحول له يأتي، فتمر الأيام بجفاء على عائلة أرهقها ضيف ثقيل، وبجفاف أيضا يجتاز نتف أيامه وسنينه وهذه الأكوام الكثيرة السوداء /شظايا وأدخنة/، كأنه يقول: واأسفاه، ألهذا أعيش ؟! إنما ما يشغل باله هو الكتابة المتفردة “العاميار” حيث الأصوات المضيئة، ونهرها الأعلى، إلى أن كان يوما مورخا بـ30/4/1994 حيث مرت طائرة وقصفت مكان نشر الأخشاب والمسامير وعجيزة بشامة وبراءات تتدحرج، وضرب كفا بكف أسفا ولوعة تاركا خلفه سيلا من هذيانات السباب، إلى أن كانت ليلة 17/7 التي طار فيها صوب ظلمة الموت، وعاد يتوطن الأرصفة وتحرر من ربقته، كأوراقه المستقيلة، التي هي بانتظار من ينتشلها من لامبالاتها “أمل بتلون الفراغ، يصبغ حانته الواسعة “،ص82.
هذا، وقد أتت الخاتمة معبرة بشاعرية مكثفة تستنهض الهمة: “لأنه عَلمَ بان خطواته ما زالت ضيقة والشارع بعيد، والبحث واجب لمن لا يستكمل عدة من وقت وهدوء وورق”.
وجهة أخرى:
اعتقد بان النصوص “المراوي” جميلة ماعدا التنظير الذي أتى في الأخير مفسرا لها، فليس هنا مكانه، فأما أن يكون في جريدة أو مجلة عابرة فأولى، أو في كتاب ذو صفة الدراسة، أما أن يكون مرادفا للمراوي فهذا خطا ارتكبه الكاتب، وهو يعني التعالي على القارئ ويعلن غبائه “أي القارئ، وحاشا فللقارئ حدس وألمعية إن لم يتم تجاهلها ووصفه بكيت وكات، لان النصوص حتما ستؤدي إلى ما فسره هو لبيانه أو ما يشبهه، لأنني وبكل بساطة وبكل أمانة قرأت المراوي وتوصلت إلى ذلك التنظير، وقد كتبت هذه القراءة في غياب تلك المنظومة التي لم يسمح لي بها الوقت لأقرا، حتى كتبتها وأتممت، وفيما بعد تابعت القراءة واطلعت على ما جاء فيها، وكان السيف قد سبق العذل، فاكتفيت ووفيت. وقد ذكر الكاتب ذلك وناقض نفسه بقوله: إن المرواة تحتاج –لتنوجد خارجها- إلى متلق نشط ومرن. ص91 فلماذا إذن! .
والآن وبعد إطلاعي على البيان التنظيري “الخروج من المعاطف” أرى أنها وافقت هواي، أنا الذي أدعو إلى إن الجنس الأدبي يستمر بتقاليده، وان كان ثمة جديد فليسم باسم محدد يحفظ له شكله وسماته، دون خلط مع آخر له بعض التقاطع أو التشابه في المقومات والعناصر في السرد الحكائي، حتى يتحدد المسمى باسم صاحبه ومدى وعيه وامتلاك ناصية أدواته الإبداعية، يقول الكاتب عن التفرد والتميز وتوصيف المنجز “الذي سعى للاختلاف عما هو سائد ومكرر الدوران، في حلقات السكون والتشبث بالتسميات أو الاحتماء بقدسيتها، وهو همّ ذاتي بأن لا يقال عنه بأنه خرج من معطف أحدهم، وهذا جيد ويدل على التفرد المبتكر والإبداع، أكان على ناحية الشكل أو ناحية المضمون، في التعريف أو في البنية على السواء، وبخاصة الاشتغال على النوعين القصة والرواية، في السرد والنثر التداعي، ويكون بذا سباقا مشاكلا الشعر فيهما، فادعى نمطا مشتقا من اسمه” وهذا حقه” العميار” بالسرد الحداثي، رغم ما لقيه من استهجان سرا أو علانية، ورأى إن اسم مرواة لائق ودقيق، ثم يعرّف “المراوة” بأنها فضاء سردي يرتبط بروابط الانتماء إلى السرد الحكائي بوصفه البنية الفنية الأشمل للقص، محلاة بمشاكلة الشعر ضمنها، الذي يسمح له بحرية التصرف بوظيفة خلق الأثر الذي سيكون نصيا، وحرية الانحراف بأصله ودلالته وانتزاع الواقعة من سياقها المجتزأ من الواقع.
ثم بعد هذا العرض التنظيري يشير الكاتب إلى عدد من المحاور البنائية التي تقوم عليها المرواة بوصفها فضاء حكائيا موازيا ومرادفا للرواية والقصة، وهي سبعة بنود نتفق مع بعضها ونرى الأخر ذا وجهة نظر نسبية قد نختلف فيها معه، ومختصر الأول: بان يقوم النص المسرود على نص موسيقي، نص موسيقي يتألف منه فيه”، فأنا أرى بأن لا مسوغ لذلك، فكل نص أو حدث مسرود يتأرجح تألقا بين يدي مؤلفه أكان موسيقيا أم لا، والثاني: “إلغاء المقدمة الاستهلالية الوصيفة، اعتقد بان أي بدء هو مقدمة استهلالية وإلا لغدا السرد تهويما، الثالث: “تشتت المبنى الحكائي وتغييمه، وأنا أضم صوتي إلى هذا البند الذي يشغل الذهن، فالذهن يجمع شظايا أي شيء مهما كان صغيرا مفتتا ويجعل منه أثرا، فليس مهماً البداية والوسط والنهاية فالترتيبات التتابعية مملة بعض الشيء لأنها سهلة، الرابع: “الفضاء الحكائي وانتزاع المكان من سياقه الجغرافي التاريخي ووضعه في سياق ذهني، “قد نوافقه وقد نعارضه الأمر هنا نسبي، حيث يقول: الانفتاح الزمني المحكوم بالأمكنة المنتزعة، أي متعينة مكانيا ومنضبطة زمنيا،وهذا موجود في كل نص باتفاق، والخامس: هي نظرية ضيقة تدعو أن يكون الكاتب “أديبا وموسيقيا ونخبويا بكل معنى الكلمة وليس مجازا معنويا وإلا فلا، وتدعو إلى ثقافة عالية، ويحق لهؤلاء الاشتغال بالمراوي والنصوص أو القص والروي، أي السرد الحكائي، وهم مؤهلون لاتخاذ مواقف ولديهم القدرة على منح الواقعات والأمنكة والشخصيات تمظهرها”، هذه نظرة متعالية فكل الناس خير وبركة، السادس: وهي تقنية نوافق عليها بكل ود وهي تدعو إلى “تداخل الراوي العليم بالراوي الذي يساوي الشخصية الرئيسية “أنا”، من خلال توظيف الكتابة بالحرف الغامق كما استعمل الحرف المائل باللاتيني، أي دون أن يفصح بأنه يدعو إلى لعبة الضمائر في السرد، أو التلاعب بالأزمنة التي جاءت في البند الثالث، السابع والأخير: تبني “لغة منحرفة تعبيريا في تفاصيل العبارة”، يحرفها عن وظيفتها السابقة لجملة معروفة سلفا ويتم تحويرها ولف عنقها إلى معنى آخر، ذكرت بعضا منها أعلاه، هذا متعب ولكن له فيما يراه الكاتب لنفسه، ولكنه ليس شرطا في اللعب بالسرد الحكائي بما يعرف بالمراوي، كما إن الجمل المحورة الجاهزة تقتل الإبداع والسلاسة السردية وتدفق الفيض الحكائي الخ.
ثم بعد عرض هذه البنود يتساءل الكاتب د. عمار احمد: “ألا يحق لي أن أعيش خارج التوابيت، وان انعم بكبرياء المترفعين على الاحتماء بوضاعة خلافة الآخرين، وان أتدفأ وحيدا خارج انتظام آخرين في برد المعاطف”.
فأقول: آن له ذلك، فهو يحس بالبرد حتى خارج المعاطف، حسنا، فلنتابع، فلقد فسرنا الماء بعد الجهد بالماء.
كلمة أخيرة:
حسنا، من كل هذا، وهذا المنجز المسماة “المرواة” أقول بأنه لا داع لكل هذا، فالنصوص كلها تشتغل بأدواتها تلك التي تجمع كل عناصر الكتابة والسرد معا، أما باتفاق أو دونه، بعلم أو دونه، بتجربة أو دونها الخ، فلا تحتاج هذه المرويات إلى كل هذا التنظير الضيق المحنط، لأنها بالأساس مفتوحة على الاتجاهات الستة بامتياز، وهي تتبع الكاتب آنى اتجه، حين تظهر مدى قدرته ومدى الأحدوثة وتشعباتها وتفرعاتها.
كما اذكر بأن لا أسبقية للكاتب د. عمار احمد في مرويات هذه النصوص أكثر من انه -مشكورا- أعطاها توصيفا وأعطاها اسما تعريفيا، فلقد كتبت العشرات والمئات من أمثالها، بأسلوب التداعيات والانزياحات الدلالية، إنما المشكل كان في التوصيف والهوية الإبداعية.
السلبي في هذه المراوي سيادة الضبابية والتهويم، أو كما سماها الكاتب “الغيمية”، فأي حدث أو شخصية ليس لها استقلالية أو بمعنى اصح كمالية، إنما هي تعاويم تماهي على الذاكرة، ومنجزات تهوم ليس لها بداية أو وسط أو نهاية أو أي أفق معرفي أو قيمي، فلا هي مكتملة النمو ولا تشبع نهم القارئ المتلهف لمعرفة المصائر والطباع، معرفة الإحدوثات والأمكنة والبيئات وتفاعل الشخوص في علاقات وصراعات الخ، كل ما هناك ثمة جذاذات وشذرات مبثوثة هنا وهناك، حقيقة، لأنها ليست بقصة أو رواية ولا هي بشعر إنما هي مزيج من كل هؤلاء.
أخيرا، لقد عملت ما في وسعي للملمة الموضوع، وعملت جهدي للامساك بكل الخيوط، ولكن بالتأكيد لم أوفق في الكثير منها لما لهذا النوع من التشتت والغموض، أما ما قيل بان الترجمة خيانة للنص فأقول هنا بان الاختصار أيضا خيانة، ويمكن أيضا انحرفت بوصلة حدسي في البعض الآخر فلم أتواصل مع الشِفرات المبثوثة وذلك تابع لثقافتي وإطلاعي فأولت بما ليس فيها، لذا تجب العودة مرات لقراءة هذا النص الإشكالي الجميل..
)أنت موسيقاي، أو هذا البياض المحنّك (! للكاتب د. عمار أحمد/المرواتي/
طبع في دار بعل – دمشق العام 2009، بـ110 صفحة من القطع المتوسط
تنويه:
نشرت هذه المقالة في مجلة (الموقف الادبي)في دمشق- العدد497 ايلول2012
بقلم: جواني عبدال



